الأزمة السورية وتأثيرها على لبنان

تم نشره في الجمعة 25 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

iNSS

بانديتا بارتي  24/5/2012

 

في الأيام الأخيرة وقعت صدامات عنيفة في منطقة طرابلس، المدينة الثانية في حجمها في لبنان، والواقعة في شمالي الدولة، بين المؤيدين العلويين للنظام السوري وبين المؤيدين السنة لقوى المعارضة المناهضة للسوريين. على خلفية الفرضية السائدة والتي تقول إن لبنان محصن حتى الآن في وجه أحداث الربيع العربي، فاجأ هذا التصعيد العنيف العديد من المراقبين. عمليا، العكس هو الصحيح: التحولات الإقليمية المستمرة بدت ملموسة في لبنان بكل شدتها. والأمر صحيح على نحو خاص بالنسبة للتأثير المحلي للأزمة السورية المستمرة. تطور الاحداث في سورية أثر على لبنان بقدر كبير، ولاسيما بسبب العلاقات الجغرافية الاستراتيجية الوثيقة على مدى السنين بين الدولتين والتي وجدت تعبيرها في المجالات الاقتصادية والسياسية.
العنف في سورية أثر سلبا على أمن واستقرار لبنان. ليس فقط بسبب التيار غير المنقطع من اللاجئين، الذين يسعون الى ملجأ داخل حدود لبنان، بل وأيضا بسبب الأحداث المتكررة من إطلاق النار عبر الحدود من جانب الجيش السوري، اعمال الاختطاف المتكررة لمعارضي النظام السوريين، الذين يسكنون في لبنان والتصاعد في حالات تهريب السلاح عبر الحدود. فضلا عن ذلك، بسبب العلاقة الوثيقة بين اقتصاد الدولتين، فإن العقوبات التي فرضت على سورية والأزمة الاقتصادية الداخلية فيها أعطت مؤشراتها في الاقتصاد اللبناني أيضا.
الأزمة في سورية أحدثت ايضا شروخا في الحكومة اللبنانية من الداخل، في شكل وقوف الأحزاب الشيعية، حزب الله وأمل، بصلابة خلف الرئيس الأسد، خلافا لرفاقهم الآخرين في الائتلاف، وعلى رأسهم رئيس الوزراء، نجيب ميقاتي، والزعيم الدرزي وليد جنبلاط اللذان أظهرا حماسة أقل بكثير تجاه حكم الاسد. الخلافات الداخلية في الائتلاف مست بشكل شديد بنجاعة الحكومة القائمة.
ومع ذلك، فنتاج ثانوي خطير للغاية للأزمة السورية هو التصاعد الحالي في التوترات الطائفية. المواجهات العنيفة التي وقعت في طرابلس في الفترة الاخيرة تعرض مجتمعا متنازعا ومستقطبا، يتميز بشرخ آخذ في الاتساع بين السنة والشيعة. في وضع تدعم فيه الطائفة السنية في معظمها القوى المعارضة للاسد بينما الشيعة يقفون خلفه، فقد دهورت الأزمة السورية أكثر فأكثر العلاقات السياسية العكرة ووسعت الهوة القائمة بين الطائفتين.
الجولة الاخيرة من المواجهات الطائفين اندلعت في 12 ايار (مايو) 2012، في أعقاب اعتقال الإسلامي السني شادي المولوي على يد جهاز الامن العام في لبنان (GSD) . وقرر الامن العام بان المولوي كان مشاركا في دعم اعمال الارهاب ضد نظام الاسد، ادعاء ردته بقدر كبير الطائفة السنية المحلية. فقد ادعت الطائفة، من جهتها، فانه اعتقل بدون وجه حق بسبب تأييده لقوى المعارضة ضد الاسد. وبالفعل، فإن عددا كبيرا من السياسيين السنة تحدثوا ضد اعتقال الارهابي المزعوم وشككوا في دوافع جهاز الامن العام – الذي يعتبر بشكل عام كمؤيد لحزب الله والأسد. في أعقاب الاعتقال، اندلعت موجات احتجاج في محيط طرابلس، سرعان ما تدهورت الى مواجهة مسلحة شاملة بين الطائفة السنية والطائفة العلوية وجبت حياة نحو ثمانية اشخاص.
وبينما نجح الجيش اللبناني في وقف العنف واعاد النظام الى حاله، فإن التوترات الطائفية التي تجري تحت السطح في طرابلس بعيدة عن الهدوء. ناهيك عن أن انفجارات العنف المحلية من غير المتوقع أن تتدهور الى مواجهة مسلحة أوسع على مستوى وطني، فإن للخلاف حول هذه الأحداث آثارا وطنية اكثر اتساعا. في الميزان العام، الاستقطاب الوطني حول الصدامات في طرابلس أكد مرة اخرى الشرخ الطائفي الداخلي. في هذا السياق يخشى المراقبون السياسيون في لبنان من اشتعال احداث عنف اخرى في البقاع اللبناني، المأهول اليوم بعدد كبير من اللاجئين السوريين.
أحداث العنف الاخيرة في طرابلس تروي قصة اخرى، قصة خلافات آخذة في الاتساع ليس فقط بين السنة والشيعة بل وايضا في داخل الطائفة السنية نفسها. ففي السنوات ما بعد الانسحاب السوري من لبنان في 2005، بدأت منظمات سلفية عنيفة وغير عنيفة على حد سواء تضرب جذورها في الدولة. وكانت هذه المنظمات متواجدة في لبنان منذ الثمانينيات وتمركزت في المناطق حول طرابلس وكذا في مخيم اللاجئين نهر البارد في شمالي الدولة، في صيدا وفي مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في جنوبها. ومع ذلك، ففي سنوات الاحتلال السوري في لبنان، كانت المنظمات الاسلامية هذه تخضع لرقابة شديدة من المخابرات السورية، مما منعها من انتقاد الحكومة والاحتلال، وأضعف بالتالي مكانتها السياسية وقلص مستوى نشاطها.
بعد الانسحاب السوري من لبنان في 2005، سمحت قوى الرابع عشر من آذار، التي تصدرتها حركة المستقبل السنية، للمنظمات السلفية غير العنيفة بأن تصبح اكثر نشاطا من ناحية سياسية واحيانا تجاهلت مظاهر لمنظمات سلفية أخرى. وبينما لم يؤيد حزب المستقبل علنا هذه المنظمات، فقد حاول بشكل غير مباشر ادراجها في صفوفه، استنادا الى جدول أعمال مشترك، يعارض سورية وحزب الله، في مسعى لتوحيد الطائفة السنية وضمان سيطرة الحزب السياسية.
والى جانب ذلك، وعلى مدى السنين، زرعت مواجهات متكررة بين السلفيين العنيفين وبين الجيش اللبناني الشك في دور المنظمات السلفية، ولا سيما في ضوء الاثار الناشئة عن التطرف في صفوفها. مثال بارز على العنف من مصدر سلفي هو الصدام العنيف بين قوات الجيش والمنظمة السلفية – الجهادية فتح الإسلام، والذي استمر لأكثر من مائة يوم، وجبى حياة اكثر من 400 شخص. ومؤخرا، وبالاساس منذ بدء الازمة السورية، يتعاظم التخوف من التأثير السياسي، المتعاظم للسلفية في اوساط الطائفة السنية.
ومع أن هذه المنظمات ليست قوية أو ذات مغزى كافٍ، كي تتحدى السيطرة السياسية لحركة المستقبل، الا انها تجمع لنفسها عددا متزايد من الموالين في لبنان. هذا الوضع بدوره يطرح مسألة التشدد المحتمل للطائفة السنية اللبنانية، مثلما وجد الامر تعبيره في الصدامات الاخيرة في طرابلس.
وأخيرا،  فضلا عن التأثير الحالي للأزمة السورية على العلاقات بين الطوائف المختلفة في لبنان وعلى العلاقات داخل الطوائف نفسها، في المدى الأبعد، فإن سيناريو انهيار النظام السوري، من شأنه أن يؤثر بشكل دراماتيكي أكثر على لبنان، ويعزز قوة ومصداقية القوى السياسية، التي تقف خلف ائتلاف 14 آذار. وبالتوازي، فان حزب الله أيضا سيتأثر من هذه التطورات الممكنة، ومع انصراف شريكه من دمشق، فانه سيفقد مالا سياسيا، قوة وشعبية. الوضع الذي سينشأ سيؤدي، أغلب الظن، الى سرقة الأوراق السياسية في لبنان، وترسيخ أحلاف سياسية جديدة.

التعليق