فهم السلف .. سفينة النجاة

تم نشره في الجمعة 11 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

أسامة شحادة*

نزل الوحي من عند الله عز وجل على نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام ليدل البشرية على سبيل السعادة وطريق الهداية ومنهج الفلاح في دنياهم وآخرتهم؛ قال تعالى: "إِن هذا القرآن يهدي للتى هي أَقْوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحاتِ أَن لهم أَجراً كبيراً" (الإسراء، الآية 9)، وقال تعالى: "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى" (طه، الآيتان 123-124)، والآيات في ذلك كثيرة جداً.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أنهم إن آمنوا والتزموا بسنته، فإن الفوز والنصر في الدنيا والآخرة سيكون لهم؛ ومن ذلك إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم (وكان ما يزال مشركاً): "فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله.. ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى.. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه. وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فليقولن له ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك، فيقول بلى، فيقول ألم أعطك مالا وأفضل عليك، فيقول بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم". قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، يخرج ملء كفه. (رواه البخاري).
ولقد جسد الصحابة رضوان الله عليهم هذه الوعود الإلهية والنبوية أروع تجسيد، وذلك كما يقول الإمام اللالكاني: "لاختصاصهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباعهم لقوله، وطول ملازمتهم له وتحملهم علمه، وحفظهم أنفاسه وأفعاله، فأخذوا الإسلام عنه مباشرة، وشرائعه مشاهدة وأحكامه معاينة، من غير واسطة ولا سفير بينهم وبينه وصلة، فجاولوها عيانا، وحفظوا عنه شفاها، وتلقفوه من فيه رطبا، وتلقنوه من لسانه عذبا، واعتقدوا جميع ذلك حقا، وأخلصوا بذلك من قلوبهم يقينا، فهذا دين أخذ أوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة، لم يشبه لبس ولا شبهة".
ومن هنا تأتي أفضلية الصحابة رضوان الله عليهم على سائر البشر بعدهم، هذه الأفضلية التي أثبتها القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: "هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين"  (الأنفال، الآية 62)، فشهد لهم بالإيمان.
ولذلك، من يرفض فهم السلف والصحابة للوحي فهو أمام احتمالين لا ثالث لهما: الأول، أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عجز -حاشاه- عن إفهام الصحابة رضوان الله عليهم حقيقة الوحي الرباني المتمثل في القرآن والسنة الصحيحة، وهذا كفر لأنه تكذيب للقرآن الذي يقول: "وما على الرسولِ إِلا البلاغ المبِين" (العنكبوت، الآية 18)؛ والثاني، أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا مؤهلين لتلقي الوحي وفهمه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعارض شهادة القرآن الكريم لهم بالفهم والهداية ووجوب اتباعهم، إذ قال تعالى: "فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا" (البقرة، الآية 137).
ومن الدلائل العملية على عمق وسلامة فهم السلف/ الصحابة للوحي الإلهي، أنهم حين انتشروا في المعمورة يبلغونها رسالة الله عز وجل، وهي الإسلام، واجهوا وقائع وأوضاعا لم تكن زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فتمكنوا من الاجتهاد فيها وتقديم الحلول لها بما يوافق الوحي الإلهي والشريعة الإسلامية من جهة، وبما يسعد الناس ويقيم بينهم الحق والعدل والرحمة من جهة ثانية، والتي ما تزال مضربا للمثل في التاريخ.
وإن دراسة تقدم وتحسن أوضاع البلاد والمجتمعات التي فتحها الصحابة رضوان الله عليهم، لتقدم الدليل العملي على صحة دين الإسلام الذي وعد أتباعه بالنصر والتمكين؛ ولتقدم الدليل العملي على صحة دين الإسلام الذي تكفل بسعادة البشرية بتحقيق العدل والرحمة إذا حكمهم؛ ولتقدم الدليل العملي على فضل الصحابة، ولماذا اختصهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، إذ صدقوا في تبليغ الرسالة والقيام بإقرار الحق والعدل في تلك البلاد والأقوام؛ ولتقدم الدليل العملي على أن الصحابة/ السلف فهموا عن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الوحي الإلهي، ولذلك تمكنوا من الاجتهاد في الحوادث الجديدة، وتمكنوا من مسايرة المستجدات بسبب توسع رقعة بلاد الإسلام وتقدم الحضارة والعمران، بما يوافق الشريعة الإسلامية؛ ولتقدم البرهان العملي على أن النص الشرعي والفهم السلفي قادر على مواجهة المستجدات وتقديم الاجتهادات السديدة. ولذلك كان منهج السلف المنهج الوحيد الذي فتح باب الاجتهاد دوماً في وجه الجامدين والمقلدين.
ومن الدلائل على سلامة منهج السلف/ الصحابة في فهم الوحي الإلهي والنص الشرعي، أن مرور الزمان لم يثبت إلا صواب اجتهادات ومواقف الصحابة رضوان الله عليهم وأثرها الإيجابي البنّاء، بخلاف الأفكار الوافدة والبدع الطارئة على المسلمين والتي لم يتدنس صحابي واحد بها، وكانت من أسباب ضعف المسلمين وهوانهم، مثل بدع الجبرية وغيرها.
إن فهم السلف/ الصحابة رضوان الله عليهم للنص الشرعي والوحي الإلهي يشمل فهمهم لأصول الدين الكلية وفروعه، ويشمل فهمهم لنص محدد من القرآن والسنة، ويشمل اجتهادهم في المسائل الحادثة.
وهذا الفهم قد تكفل العلماء بجمعه وتدوينه في مصنفاتهم في التفسير والحديث والفقه. وقد بذل العلماء على مر العصور جهوداً كبيرة، يشكرون عليها، في جمع وتنسيق وعرض فهم الصحابة. ولعل من أبرز هذه الجهود في عصرنا موسوعات فقه السلف التي قام بها د. محمد رواس قلعه جي. 
ومن أبرز قواعد السلف/ الصحابة في فهم الوحي والنص الشرعي، قاعدة التسليم للنص الشرعي، وفهمه وفق مقتضيات اللغة العربية، وعدم معارضة النص الشرعي بآراء الرجال وعقولهم.
وهذا ناتج من حقيقة الإيمان بالغيب؛ فإن كان المسلم يؤمن بأن القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل، ويؤمن بأن السنة الصحيحة هي من الوحي لقوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى" (النجم، الآية 3)، فإن الإيمان يقتضي منه التسليم للنص الشرعي ومقتضاه اللغوي، ولو لم تثبت مادياً من مضمونه.
فكم رأينا من أناس أنكروا بعض ما جاءت به النصوص الشرعية من أشياء لم تبلغها عقولهم، لكنهم اليوم طأطأوا رؤوسهم لها، ولكن بعد أن أثبتت المعامل والمختبرات صحة ما قررته النصوص الشرعية، فهل إيمان هؤلاء بالوحي والغيب كامل؟ مثل غسل الأواني التي ولغت فيها الكلاب بالتراب، ومثل ضرورة التزام فترة العدة للمرأة المطلقة أو الأرملة حتى لا تصاب بالأمراض وهكذا. فضلاً عن ظهور حكمة بعض الأوامر والنواهي؛ فلقد ثبت أن الأمر بالختان للرجال فيه وقاية صحية من كثير من الأمراض، كما ثبتت مخاطر الربا حتى على الدول العملاقة والمؤسسات المالية الكبرى، وهكذا.
ورأينا إلى أين وصل الغرب والشرق حين ركنا إلى الإلحاد والإباحية، كما يقول عباس العقاد: "في الطبع الإنساني جوع إلى الدين كجوع المعدة إلى الطعام".
وفي هذه المرحلة التي نشهد فيها عودة ظهور الإسلام، لنحذر من فهم الدين بغير منهج السلف، لأن الوحي الإلهي (القرآن والسنة الصحيحة) جاء لسعادة البشرية، وحين فهمه الصحابة/ السلف وطبقوه، قدموا للبشرية النموذج الذي تبحث عنه بالسعادة والرقي. وإذا أردنا إعادة هذه التجربة البشرية، فعلينا بسفينة السلف في فهم النص الشرعي، ففيها النجاة.
*كاتب أردني

التعليق