إعادة ابتكار العلاقات الصينية الأميركية

تم نشره في الأربعاء 2 أيار / مايو 2012. 02:00 صباحاً
  • علاقة "الزواج" الإجباري التي تفرضها المصالح بين الصين وأميركا - (الإيكونوميست)

مايكل سبنس*
ميلانو- الآن، تمر الصين والولايات المتحدة بتغيرات بنيوية كبرى تخشى كل منهما أنها ستكون كفيلة بإنهاء العصر الذهبي الذي كانت الصين تنتج فيه سلعاً منخفضة التكاليف، فتشتريها الولايات المتحدة. وبشكل خاص، يخشى العديد من المراقبين في حال قادت هذه التغيرات إلى منافسة مباشرة بين البلدين، من أن لا يخرج منها فائزاً سوى طرف واحد.
وهو قلق مفهوم، لكن الفرضية الأساسية غير صحيحة. إذ يستطيع كل من الجانبين أن يخرج كاسباً من هذه التغيرات من خلال صياغة علاقة جديدة تعكس الحقائق البنيوية المتطورة: نمو الصين وحجمها نسبة إلى الولايات المتحدة؛ والتغيرات التكنولوجية السريعة التي تعمل على تشغيل الصناعات أوتوماتيكياً وإزاحة الوظائف؛ وتطور سلاسل التوريد العالمية المدفوع بارتفاع دخول الدول النامية. لكنه يتعين عليهما أولاً أن يعترفا بأن النمط القديم القائم على الاعتماد المنفعي المتبادل قد بلغ منتهاه بالفعل، وأن الأمر يتطلب نموذجاً جديدا.
وقد خدم النموذج القديم الجانبين طيلة ثلاثة عقود من الزمان. وكان النمو في الصين مدفوعاً بالصادرات الكثيفة للعمالة التي اكتسبت المزيد من القدرة التنافسية من خلال نقل التكنولوجيا والمعرفة من الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية. وكان هذا، مقترناً بالاستثمارات الصينية العامة والخاصة الهائلة (التي مكنتها المدخرات الضخمة -والمفرطة مؤخراً)، سبباً في تعزيز ارتفاع الدخول بالنسبة للملايين من المواطنين الصينيين.
ومن ناحية أخرى، استفاد المستهلك في الولايات المتحدة إلى حد كبير من انخفاض الأسعار النسبية للسلع المصنعة في الجانب القابل للتداول من الاقتصاد. وبهذا تحول تشغيل العمالة في الولايات المتحدة نحو أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، الأمر الذي دعم بالتالي ارتفاع الدخول في أميركا أيضا.
وقد عملت الشركات المتعددة الجنسيات على تشغيل سلاسل توريد عالمية تتسم بالكفاءة والتعقيد، والتي يمكن إعادة تشكيلها بوصفها النمط المتحول للميزة التنافسية المفروضة. وانتقلت سلاسل الإمداد العالمية من الغرب إلى الشرق إلى حد كبير، وهو ما يعكس تركيبة وموقع الطلب في الجزء القابل للتداول من الاقتصاد العالمي.
لكن كل هذا بدأ يتغير الآن. فالفوائد تتحول من تكاليف إلى نمو. وتجري سلاسل الإمداد الآن في كل من الاتجاهين، ويتم الجمع بينها بأكثر من نحو. فالطلب الصيني لا ينمو فحسب، بل تتحول التركيبة مع ارتفاع الدخول إلى سلع وخدمات أكثر تطورا.
وبالتالي فإن الدور الصيني آخذ في التغير: فبعد أن كانت الصين ذات يوم هي المورد منخفض التكلفة للغرب، تحولت الآن إلى مستهلك رئيسي للمنتجات الغربية. وهذا يشكل فرصة كبيرة تستطيع الاقتصادات المتقدمة أن تستغلها لإعادة التوازن إلى النمو وتشغيل العمالة، شريطة أن تكون في وضع يسمح لها بالمنافسة على الأجزاء المناسبة من سلاسل التوريد المتطورة.
ويعني ارتفاع الدخول الصينية أيضاً حدوث تغيرات بنيوية في الصين، ذلك أن النمو المستمر يستلزم تحولاً إلى أنشطة أعلى قيمة. وسوف تظل التكنولوجيا والمعرفة تشكل أهمية كبرى، ولكن الصين لا بد وأن تبدأ في توليد تكنولوجيات جديدة، بالإضافة إلى استيعاب الأدوات والمهارات الغربية.
ومن أجل مواجهة التحديات التي يفرضها التغير البنيوي، فإن الهدف بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة لا بد أن يمتد إلى نطاق قطاعها القابل للتداول، مع التركيز على تشغيل العمالة. وبالتالي فإن إعادة توجيه سياسة الولايات المتحدة نحو الطلب الخارجي عبر مجمع أوسع من القطاعات يتطلب الانتباه إلى مجالين أساسيين: التعليم والاستثمار.
إن التعليم العالي الجودة وتنمية المهارات الفعّالة من الأمور ذات الأهمية البالغة لتوليد فرص عمل جديدة لأبناء الطبقة المتوسطة، في حين يستطيع الاستثمار أن يصحح الانفصال الأميركي -وخاصة فيما يتصل بالشركات المتوسطة الحجم- عن سلاسل التوريد العالمية. والواقع أن الشركات التجارية والبنية الأساسية التي نجحت الاقتصادات الأصغر حجماً والأكثر انفتاحاً في خلقها من أجل الربط بالأسواق العالمية، ما تزال متأخرة النمو في الولايات المتحدة.
لا شك أن النجاح في هذه المجالات لن يأتي بين عشية وضحاها. لكن الوضع الراهن ليس حالة دائمة أيضا؛ ومن الممكن أن يتحسن من خلال الاستثمار والسياسات الداعمة. فضلاً عن ذلك فإن الولايات المتحدة سوف تستفيد في الأمد القريب من تدابير بسيطة نسبيا، مثل إزالة الحواجز التي تعوق تدفق الاستثمار المباشر الأجنبي إليها، وخاصة من الصين.
وعلى الجانب الصيني، لا تشكل الوصفات السياسية القضية الأساسية. ذلك أن أهمية تطوير نمط مختلف للنمو أمر مفهوم بالفعل، ولقد تم إدراجه في الخطة الخمسية الصينية الثانية عشرة. والتنفيذ الناجح لهذا النمط سوف يتطلب تعزيز حوافز الإبداع، وتعميق القاعدة التكنولوجية، واستثمار المزيد من الموارد في رأس المال البشري، وتنمية القطاع المالي، وتوظيف سياسة المنافسة بالمساواة بين الشركات المحلية والأجنبية والمملوكة للدولة.
ونظراً للمتطلبات على الجانبين، فإن كيفية ضمان إقامة علاقة مثمرة ومفيدة للطرفين بين الولايات المتحدة والصين تشكل شأناً بسيطاً وواضحاً نسبيا. فالصين ما تزال في احتياج إلى الوصول إلى أسواق الدول المتقدمة وتكنولوجياتها، ولكن التركيز بدأ يتحول نحو المعرفة والإبداع والمهارات المحلية. وبوسع الولايات المتحدة، التي ما تزال تشكل قوة رئيسية في عالم الإبداع، أن تساعد في هذا الصدد، ولكنها تحتاج في المقابل إلى الوصول إلى السوق الصينية النامية فضلاً عن تكافؤ الفرص بمجرد وصولها إلى هناك. ويصدق نفس القول عندما نتحدث عن تنمية القطاع المالي.
وفي الولايات المتحدة، تمثل الجهود الحثيثة الرامية إلى استعادة التوازن المالي وتأسيس نمط النمو المستدام -الذي لا يقوم على الاستهلاك المحلي المفرط- أهمية بالغة بالنسبة للصحة الاقتصادية في الأمد البعيد. وإعادة التوازن على هذا النحو تعني ضمناً خفض العجز في الحساب الجاري إلى حد كبير من خلال توسيع نطاق الصادرات، بدلاً من الاكتفاء بالحد من الواردات. وسوف يساعد الطلب الصيني، وخاصة مع نمو اقتصادها في الحجم ومستوى التطور. أي أن توسيع الروابط مع الصين الآن يشكل استثماراً في المستقبل من شأنه أن يدر عائدات أعلى كثيراً مما قد يدره أي حل سريع.
ومن المؤكد أن انخفاض العجز في الحساب الجاري الأميركي من شأنه أيضاً أن يفيد الصين، التي تحولت احتياطياتها من النقد الأجنبي (3,2 تريليون دولار أميركي) -والتي تحتفظ بأغلبها في هيئة أصول مقومة بالدولار- إلى استثمار ضخم ومحفوف بالمخاطر. والتقدم نحو التوازن الخارجي في الولايات المتحدة كفيل بالسماح بالخفض التدريجي البطيء للاحتياطيات الصينية، وبالتالي التخفيف من صداع إدارة الأصول.
إن التوصل إلى فهم أعمق للتغيرات البنيوية الطارئة على الجانبين من شأنه أن يعزز من قدرتهما على تحديد مجالات التعاون المشترك. ولكن جوهر العلاقة بسيط: فالصين تحتاج على الإبداع الأميركي لكي تنمو، والولايات المتحدة تحتاج إلى أسواق الصين لكي تنمو. وإذا لكل من البلدين أن يستفيد من هذا التعايش التكافلي فلا بديل غير التعاون، والاستثمارات الضخمة، والإصلاحات على جانبي المحيط الأطلسي.
*حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وزميل زائر متميز لدى مجلس العلاقات الخارجية، ورئيس المجلس الأكاديمي لمعهد فونج العالمي في هونج كونج، وكبير زملاء معهد هووفر بجامعة ستانفورد. أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "التقارب التالي: مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات".


*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2012.

التعليق