"الذين يظنون أنهم ملاقو الله"

تم نشره في الجمعة 27 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

استوقفني هذا التعبير العجيب وأنا أقرأ قصة طالوت وجالوت في سورة البقرة، حيث القوم من بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام، وتلكؤ بني إسرائيل في طاعة أميرهم طالوت، وقد اصطفاه الله لهم ملكًا، مع أنه لم يؤت سعة من المال، لكنّ الله زادَهُ بسطة في العلم والجسم، إلى آخر الأوصاف التي ذكرها الله في القصة. والذي يعنيني هنا عنوان المقال بالدرجة الأولى، وبعض اللفتات هنا وهناك.
لقد تردد بنو إسرائيل ابتداء في طاعة ملِكٍ لم يظهر عليه الترف المادي، وهم كذلك في نظرتهم المادية. وابتلاهم الله عن طريق ملكهم هذا، فكانت آية ملكه واضحة، دلالة على اصطفاء الله له، فمن الأجدر الطاعة المباشرة دون مماطلة. ثم ابتلاهم بالشرب من النهر، فمن شرب منه فليس من الله، ومن لم يشرب فهو من الله إلا من اغترف غرفة بيده، ولكن الغالبية شربوا.
ثم كان حال الصفوة أن قالوا لما رأوا جالوت وجنوده أن لا طاقة لهم به، عندها انبرت صفوة الصفوة، وقال الله عنهم: "قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين" (البقرة، الآية 249). وذهبت هذه الجملة مثلاً في التفاؤل، وأن الأمر ليس بالكثرة والعدة، إنما بالإيمان واليقين، مع الأخذ بالأسباب.
وأقف عند "الذين يظنون أنهم ملاقوا الله"؛ هنا بيت القصيد؛ هنا رسوخ العقيدة والطمأنينة، إنه اليقين بلقاء الله، ولهذا معنيان رئيسان: حتمية زوال الدنيا، وإعداد الحال أمام رب السماوات والأرض حين الحساب، فلا بد من موت، فليكن في سبيل الله، ولتكن الحياة المحدودة كلها لله تعالى، فمن يكن هذا حاله فعلى ماذا يحزن!؟ وبماذا يتعلق في هذه الدنيا الفانية!؟ فيقيناً إنّ أهمّ ما يفُتُّ في عضد العزيمة تلك النظرة الاسترخائية وطول الأمل في التعلق بالدنيا، هذا هو أكثر ما يقاعس الإنسان عن اقتحام مصاعب الأمور ومعاليها. وإذا أضاف أحدُنا إلى يقينه بالآخرة مسألة يقينه بحتمية القضاء والقدر، حينها يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فما عليه إلا أن يكون مع الله، آخذاً بالأسباب، متوكلاً على الله حق التوكل.
إنه اليقين بلقاء الله. والظن في الآية هنا بمعنى اليقين. ولو صاحَبَ هذا الظنُّ أحدَنا في أحواله كلها لما قَصَّر، سواء في فعل السوء أو ترك الخير، فهو موقن بلقاء الله، يُعِدُّ العدّةَ ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؛ إنه خفيف الحمل، غير متحسر على دنيا، نَظَرُهُ هناك في الجنّة، هَمّهُ وأمله دخولُها وارتقاءُ أعلى درجاتها. فَمِثْلُ هذه النفوس هي التي تضحّي، وهي التي تقْدِم، وهي التي تبذل. وشتان بين معطاء متفان وآخر جشع جبان منطوٍ على نفسه؛ ذاك موقن بالآخرة ولقاء ربه، وهذا في غيه وتيهه ودنوّ همته؛ ذاك نظره بعيد، وهذا نظره قصير لا يرى أبعد من أنفه.
وإذا دققنا في صفة "اليقين بلقاء الله"، لو وُجدت في النفس، فلن تَظلم، ولن تسرق أو تنافق أو تراوغ أو تجامل في دين الله، إلى آخر الصفات السلبية عموماً، باعتبار أنّ هناك يوماً آخر ستجازى فيه على ما قدَّمت. ولو وُجدت، لما تقاعس أحدُنا عن البذل والتضحية واستغلال الوقت والتسامح والعفو والإقبال على سائر الطاعات، لأنه موقن بآخرة ويتطلّع إلى منزلة عالية فيها.
لقد جاءت الآية في معرض الحديث عن الجهاد، لإحقاق الحق وإزهاق الباطل. وكانت هذه الخصلة "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة" من خيرة الخيرة وصفوة الصفوة الموقنين بالآخرة، وهم قبل ذلك موقنون بالله "بإذن الله"؛ قالوا ما قالوه، وأتبعوا يقينَهم بخصلة الصبر "والله مع الصابرين". وهم أيضا يتوجهون -وقد أعدوا ما استطاعوا من قوة- إلى الله بالدعاء: "ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين" (البقرة، الآية 250)، فكانت النتيجة "فهزموهم بإذن الله وقتل داودُ جالوتَ..." (البقرة، الآية 251).
إنّ معالي الأمور بحاجة إلى يقين صادق بالله ولقائه، إلى ثقة بالنفس راسخة، إلى حسن توكل وجميل صبر، يعلم المؤمن من خلالها أنه لا شك راحل، وأن الدنيا كلها إلى زوال، عند ذلك لا تشده علائق الدنيا، بل روحه سامية كريمة. وعجيب أمر هذا القرآن وهو يصوّر الفئة المتقاعسة عن النفير في سبيل الله: "يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل" (التوبة، الآية 38). وانظروا إلى التعبير بـ"اثّاقلتم"، وكأن هناك أثقالاً شدت الجسم إلى الأرض لا تريد له أن يتحرك فضلاً عن أن يسمو.
وصفة أخرى ذكرها الله في معرض الحديث عن المنافقين، وهي أنهم مثبطون معوّقون. فمما يسعون له: "وإنّ منكم لمن ليبطِّئنّ" (النساء، الآية 72)؛ فهمّهم أن يعيقوا ويبطئوا المسير ويشوّشوا التفكير ويعكّروا الصفاء. هكذا ديدن أصحاب النفوس الدنيئة والمريضة، أما النفوس الصحيحة فلسان حالها: "ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين" (المائدة، الآية 23)؛ وهو موقف آخر من بني إسرائل أنفسهم لما تقاعسوا عن دخول الأرض المقدسة.
ولا يظنّنّ ظانٌّ أن هذه دعوة إلى الفهم السلبي للحياة، بتطليقها وعدم استغلالها، وهو فكر طارئ على الأمة خلطت من خلاله بين الزهد واستعمار الأرض؛ فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويحب الشاكرين الحامدين لنعمه، وهو الذي أنشأنا من الأرض واستعمرنا فيها (طلب منا عمارتها)، وطلب منا أخذ الزينة والأكل والشرب، لكن بلا إسراف ولا بطر، وأن لا تلهينا الدنيا عن الآخرة، فنضعها في أيدينا لا في قلوبنا. وقد عاش المسلمون هذا الرقيّ في الفكر والنهضة العلمية فكانوا سادة الدنيا، حين وازنوا بين نظرتهم إلى الدنيا والآخرة، بل إن نظرتهم إلى الآخرة تزداد وضوحا حين تكون نفوسهم عزيزة مستعلية على الدنيا وقد جعلوها لصالحهم، مزرعة للآخرة.
وأختم بما بشّر الله به عباده الموقنين به في شأن معركتهم مع أعدائهم، فقال: "ولا تهنوا في ابتغاء القوم، إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون، وكان الله عليمًا حكيمًا" (النساء، الآية 104).
* عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية

التعليق