خيارات إيران المحدودة للهروب من الأزمة

تم نشره في الخميس 19 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً
  • مندوب إيران في اجتماعات (1+5) المعنية بالحل الدبلوماسي للمشكلة الإيرانية - (أرشيفية)

كريم سادجادبور— (الواشنطن بوست)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
لم يكن آية الله على خامنئي مقامراً أبداً. فمنذ أن تولى منصب "المرشد الأعلى" لإيران في العام 1989، ظل يسعى إلى الحفاظ على الوضع القائم من خلال تحاشي اتخاذ القرارات ذات الطبيعة التحويلية. لكن، وفيما تعمل الضغوطات السياسية والاقتصادية غير المسبوقة -بما في ذلك العقوبات المفروضة ضد البنك المركزي الإيراني والحظر النفطي من جانب الاتحاد الأوروبي- على دفع ظهره نحو الحائط بلا توقف، يبدو أنه قد أصبح لدى خامنئي مساران فقط للعمل: تسوية نووية، أو تصنيع سلاح نووي. وسيشكل كل منهما خطراًً يحدق به، وسيكون كل منهما قراراً تحويلياً بالنسبة لإيران.
غني عن البيان الإشارة إلى أن معارضة خامنئي للتسوية هي مسألة تتخذ بعداً مؤسسياً بشكل قوي. وطالما ظل يقول إن هدف واشنطن المبيت إزاء طهران ليس تغيير السلوك بقدر ما هو تغيير النظام. وسبق له أن قال: "إذا تضرعت وانسحبت وأظهرت المرونة، فإن القوى المتغطرسة ستجعل من تهديدها أكثر جدية وخطورة". وتماماً مثلما عجلت البريسترويكا في وفاة الاتحاد السوفياتي (السابق)، يعتقد خامنئي بأن التنازل عن المثل الثورية الإيرانية يمكن أن يفضي إلى زعزعة أركان الجمهورية الإسلامية أيضاً.
وفي واقع الأمر، يمنح التاريخ المعاصر الصلاحية لصواب نظرته العالمية. ووفق تفكير خامنئي، كان تخلي الدكتاتور الليبي (الراحل) معمر القذافي عن برنامجه النووي هو ما جعله عرضة لتدخل الناتو، وهو ما أنهى نظامه وحياته في العام الماضي. وعلى العكس من ذلك، ساعدت التجارب النووية في الباكستان في العام 1998 في قلب وجهة الضغط والعقوبات الأجنبية ضدها وتحويلها إلى حالة انخراط ومحفزات أجنبية.
ومع ذلك، وفيما قد يأنف خامنئي من التسويات، فإن طريقه نحو القنبلة النووية سيكون محفوفاً بالمخاطر. ومن المرجح أن تفضي العلامات العلنية على الاتجاه نحو التسلح -طرد المفتشين النوويين أو تخصيب اليورانيوم إلى درجة تصنيع السلاح- إلى استدراج عمل عسكري أميركي أو إسرائيلي. وما لم يكن خامنئي يريد التسبب في شن هجوم عسكري على إيران لتفريغ الاحتقانات المحلية —وهو احتمال غير مرجح، لكنه غير مستبعد- فسيستمر في تحبيذ استخدام أسلوب مثابر واستفزازي. وتترك هذه الوتيرة النظام على بعد عامين من القنبلة.
لكن الوقت قد لا يكون صديقا لخامنئي، إذ يجب عليه أن يحسب ما إذا كان نظامه يستطيع الصمود والديمومة في وجه ضغوط اقتصادية قاسية ومتصاعدة في الفترة الزمنية التي يستغرقها الأمر حتى حيازة سلاح نووي.
كما لن يكون المسار باتجاه السلاح طريقاً مستقيماً. ويجب على خامنئي أن يدرس احتمال أن تكون الاستخبارات الأجنبية قد استطاعت اختراق مرافق إيران النووية وأعدت عوائق وكمائن مختلفة —فيروسات حواسيب وتفجيرات "عرضية،" واغتيالات وانشقاقات غامضة— والتي تستطيع إرجاع ساعة إيران النووية أكثر إلى الوراء.
فهل تعتبر هذه التحديات كافية لإجبار خامنئي على قبول تسوية؟
تجدر الإشارة إلى إن الحالات القليلة جداً التي قدمت فيها إيران تنازلات كبيرة —مثل إنهاء حربها مع العراق في العام 1988 أو تعليق تخصيب اليورانيوم في العام 2003— كانت قد جاءت عندما أحس النظام بوجود خوف وجودي. وبينما تتعرض إيران راهناً إلى ضغط ضخم، فإن هناك عاملين متمايزين.
الأول، عندما شعرت إيران بأنها مجبرة على تقديم تنازلات في الماضي، كان النفط يكلف أقل من 25 دولاراً للبرميل. واليوم تضاعفت أسعار النفط إلى أربعة أضعاف ذلك المبلغ، لتخفف بذلك حدة قوة تأثير العقوبات.
الثاني، هناك حالات تنازلت فيها إيران، والتي لم تكن الريادة فيها لخامنئي المتعنت، وإنما للرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني أو مساعديه. وفي الأعوام القليلة الماضية، مع ذلك، أبعد خامنئي هذه العناصر البراغماتية عن مواقع السلطة، وأحاط نفسه بمتملقين ممن يشاركونه خطه المتشدد والمتشائم إزاء العالم.
وفي الأثناء، من المحتمل أن يقدم خامنئي في المستقبل القريب على محاولة التوصل إلى حل وسط تكتيكي ومؤقت، من أجل تفادي ممارسة الضغوط عليه من جانب، وزرع بذور الانقسامات بين بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والولايات المتحدة (المجموعة 5+1) وتحديداً لسلخ الصين وروسيا بعيداً عن الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي. ولا توجد أي إمارات راهناً، مع ذلك، على أن خامنئي يشعر بأنه مجبر على قبول أنواع التسويات النووية ذات المعنى والملزمة، والتي من شأنها تطمين الولايات المتحدة، واحتمال إرضاء إسرائيل. (ربما تشتمل هذه الخطوات على وقف المستوى الذي تخصب عنده طهران اليورانيوم والبالغة نسبته 5%. والتخلي عن مخزونات اليورانيوم منخفض التخصيب، والموافقة على نظام تفتيش مفاجئ).
دائماً ما يتم التأكيد على أنه من أجل إقناع طهران بعدم السعي لحيازة سلاح نووي، فإنه يجب على واشنطن أن تؤكد لخامنئي أن الولايات المتحدة تسعى إلى مجرد التغيير في السلوك الإيراني، لا إلى التغيير في القيادة الإيرانية. وبينما يحدث هذا عقلانية في الناحية النظرية، فإنه يواجه التعقيد في الممارسة من خلال اعتقاد خامنئي المتجذر عميقاً بأن الخطط الأميركية لإسقاط الجمهورية الإسلامية لا تتوقف على الغزو العسكري، وإنما تعتمد على الانقلاب الثقافي والسياسي الهادف إلى إقامة أركان ثورة ناعمة أو "مخملية" ضد نظام الملالي من الداخل.
ولهذا السبب، من غير المرجح أن يتم التوصل إلى تفاهم نووي ملزم في ظل غياب تفاهم سياسي أوسع. لكن تفاهماً مع الولايات المتحدة يفضي إلى إعادة دمج إيران مجدداً في النظام السياسي والاقتصادي الكوني، يمكن أن يكشف عن تغيرات لا يمكن التنبؤ بها، والتي ربما يكون من شأنها تقويض سلطة خامنئي. ومثل الدكتاتور الكوري الشمالي لأمد طويل، كيم جونغ إيل، والمستبد السوري بشار الأسد، يقدر خامنئي أنه يستطيع ان يحكم عالماً مقفلاً فقط. وبكلمات أخرى، تتدثر معارضة خامنئي للولايات المتحدة في عباءة أيديولوجية، لكنها تظل مقودة بفكرة حفظ الذات.
وهنا يكمن لغز سياسة واشنطن: لا يمكن التوصل إلى صفقة نووية مع طهران من دون خامنئي. ومع ذلك، يبدو من غير المرجح تقريباً أن يمكن التوصل إلى أي صفقة معه. ومن الناحية الفعلية، نرى أن تعنت خامنئي بسبب اعتقاده بأن السياسة الأميركية ترمي إلى تغيير النظام، لا إلى تغيير السلوك، قد أصبحت نبوءة مقنعة للذات.
وفي هذا السياق، لن تكون الفائدة المجتناة من الحوار المستمر والمفاوضات هي حل خلافاتنا مع إيران، وإنما منع صراعنا البارد من التحول إلى صراع ساخن. ولعل إيماءات إدارة اوباما غير المسبوقة والتي لا تقابلها إيران بالمثل، قد ساعدت في تعرية الحقيقة - للعالم وللشعب الإيراني- بأن طهران، وليست واشنطن، هي اللاعب المتعنت في هذه المعادلة. وقد ساعد هذا في تقوية اتساع وعمق الائتلاف الدولي.
يجب أن يكون هدف دبلوماسية القوة القهرية هو تبطيء التقدم النووي لإيران واحتواء نفوذها السياسي في المنطقة، إلى أن يتم تحول النظام في نهاية المطاف أو تغيره من خلال الضغط على تناقضاته الداخلية، وتعميق ضيقه الاقتصادي. أما متى يحدث هذا، فهو أمر لا يمكن التنبؤ به جملة وتفصيلاً، لكن التطورات في العالم العربي في العامين الماضيين تذكرنا بأن الخيط بين من يبدون دكتاتوريين لا يقهرون وزوالهم الحتمي، إنما هو خيط رفيع في نهاية المطاف.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Iran's Limited escape options

التعليق