إيران والرغبة في أن تصبح دولة عظمى

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

هآرتس

تسفي بارئيل 12/4/2012

بعد سنة وأربعة أشهر من اللقاء الاخير بين ممثلي القوى العظمى وايران، في السبت القريب المقبل سينعقد في اسطنبول منتدى الخمسة زائد واحد (الدول الخمسة الاعضاء في مجلس الامن الى جانب ألمانيا) في محاولة لإقناع ايران بوقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم. قبيل الاجتماع-الذي في البداية لم يكن واضحا اذا كانت ايران ستوافق على عقده في اسطنبول على خلفية الخلاف بين تركيا وايران في المسألة السورية-أوضح رئيس سلطة النووي الايراني، فريدون عباسي أن ايران ستواصل تخصيب اليورانيوم الى مستوى 20 %، ولكن فقط بالكميات اللازمة لأغراض البحث الطبي وبعد ذلك ستتوقف تماما عن التخصيب.
عرض هذا الموقف يشكل تلميحا أول بأن ايران مستعدة لأن تلطف قليلا حدة موقفها السابق، ولكن ليس واضحا اذا كانت في جعبتها اقتراحات اخرى. قبيل القمة يطلب الرئيس الاميركي باراك اوباما من طهران "خطوات ملموسة" تشير الى أنها لا تتطلع الى تحقيق سلاح نووي كشرط لموافقته على برنامج نووي لأهداف سلمية. صحيح أن اوباما لم يفصل ما هي تلك الخطوات، ولكن يخيل أنه يقصد تفكيك منشأة التخصيب في بوردو، موافقة ايران على الرقابة في المنشآت التي ليست حتى الان تحت الرقابة، وبالأساس إخراج اليورانيوم المخصب من ايران-الخطوة التي رفضتها ايران حتى الآن.
قبل نحو سنتين فقط وقعت ايران على اتفاق مع تركيا والبرازيل قضى بأنه ضمن امور أخرى تودع طهران في تركيا كمية 1200 كغم من اليورانيوم المخصب (بمعدل 3.5 %-المستوى الأدنى). ولكن رغم الاتفاق، كان يفترض باليورانيوم المخصب أن يبقى بملكية ايران بحيث يمكنها أن تستعيده في كل وقت.
بين هذين الموقفين الأوليين-الايراني والاميركي، سيجرى الحوار بين الطرفين. وذلك في الوقت الذي سيوضع على الطاولة ايضا اقتراح روسي وبموجبه توافق ايران على تقليص تخصيب اليورانيوم بشكل تدريجي، حسب جدول زمني وجدول كميات متفق عليه. وبمقابل تنفيذ كل مرحلة ترفع عنها العقوبات بشكل تدريجي. ومع أن ايران أعلنت قبل بضعة أشهر عن أن الخطة الروسية يمكن أن تشكل نقطة منطلق للحوار-حتى الآن لم تنطلق من طهران موافقة مطلقة عليها.
اللقاء في اسطنبول يجري تحت ضغط عقوبات غير مسبوقة يفرضها الغرب على ايران، وتتسبب بتخفيض كبير في حجم استهلاك المواطنين الايرانيين. ومع ذلك، فإن هذه ما تزال لا تحدث أزمة اقتصادية في الدولة أو توقظ الجمهور للخروج الى الشوارع. وأمس أعلن الرئيس الايراني، محمود أحمدي نجاد أن دولته يمكنها أن تعيش حتى لثلاث سنواته بدون أن تبيع قطرة واحدة من النفط. أما وزير النفط في الدولة رستم قاسمي، فأفاد أن ايران قررت ألا تبيع مزيدا من النفط لليونان. هذا التصريح ينضم الى تصريح آخر قبل نحو شهرين، عن وقف بيع النفط لفرنسا وبريطانيا. ولكن هذا كان تصريحا فارغا من المضمون وذلك لأن هذه الدول على أي حال لا تستورد النفط من ايران.
إعلان أحمدي نجاد ليس مجرد تبجح واستخفاف استعراضي بسياسة العقوبات. فلدى ايران احتياطيات من العملة الصعبة بحجم نحو 120 مليار دولار، مقابل دينها الخارجي الذي يبلغ 23 مليار دولار فقط، نحو 6.5 % من الإنتاج القومي الخام، حجم لا يخرج على نحو خاص عن المعايير الدولية. صحيح أن الاقتصاد الايراني يعتمد بـ80 % من حجمه على تصدير النفط، ولكن حتى مع العقوبات تجدها قادرة على مواصلة تصدير المنتج سواء للصين والهند أم لتركيا. ومع أن أنقرة خفضت حجم مشترياتها من ايران، ولكن مصدر نحو 20 % من استهلاكها ما يزال الدولة الفارسية.
بالمقابل، لم تعد ايران تنجح في تجنيد استثمارات أجنبية مباشرة، ويبدو أن برنامج التنمية للعشرين سنة المقبلة-وبموجبها ستحتاج ايران الى استثمارات اجنبية سنوية بحجم 25 مليار دولار-ستدخل الى التجميد اذا لم يطرأ تغيير على سياسة العقوبات. حقيقة أن هذا الاسبوع ينخفض سعر النفط، هي الأخرى لا تساعد الاقتصاد المحلي. كما أن الفائض الموجود في السوق، ولاسيما على خلفية زيادة الإنتاج في السعودية يبشر بمصاعب في ميزانية طهران.
في الوقت نفسه، بدأت ايران خطوات عملية لتقليص تأثير العقوبات. ضمن أمور أخرى نشرت قائمة 600 منتج استهلاكي ومنتج ترف، محظورة الاستيراد وقائمة إضافية من المنتجات ليست منتجات أساسية ولن تتمتع بتخصيص عملة صعبة لشرائها، وهكذا بحيث أن كلفتها للمستوردين ستكون أعلى بنحو 50 % مما كانت حتى الآن.
الضغط الأساسي للعقوبات يشعر به أساسا المواطنون: كل يوم تقل قيمة العملة التي في حوزتهم (في الاشهر الاخيرة هبط الريال الايراني بنحو 55 %)؛ بناء شقق جديدة توقف ونتيجة لذلك ارتفع جدا إيجار الشقق؛ فتح أعمال تجارية جديدة بات بطيئا؛ معدل البطالة الرسمي، 12 %، أعلى بكثير عمليا؛ والتضخم المالي هو الآخر يرتفع وحسب المعطيات الرسمية يصل الى أكثر من 20 %.
صحيح أن هذه صورة وضع قاتمة، ولكن ما تزال بعيدة عن تحديد الانهيار الاقتصادي الذي قصدته اسرائيل حين طالبت بفرض عقوبات شالة. مقياس مهم آخر لنجاح العقوبات-عصيان مدني أو مظاهرات على الأقل-لم يجد تعبيره بعد. حاليا، أساس الانتقاد  الداخلي ضد احمدي نجاد يوجه للشكل الذي يدير به اقتصاد الدولة: استخدام مبذر للأموال العامة لبناء مشاريع زائدة، إخفاق في تمويل شبكة المترو في طهران أو خطة دعم حكومي مبذرة.
إذا كان هناك خلاف في مسألة النووي، فهو لا يجد تعبيره العلني وكذا منتقدو الرئيس، بمن فيهم المعارضة، يواصلون اعتبار المشروع مشروعا وطنيا لا يجب التنازل عنه.
على هذه الخلفية من المتوقع لايران أن تبدي في اسطنبول موقف دولة لا تتأثر بالعقوبات أو بالتهديدات، وأن تطرح شروطا "لاحترام مكانتها كقوة عظمى نووية"، كما أوضح في بداية الأسبوع رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الايراني، علاء الدين بورجردي. السؤال الأهم سيكون هل ستنجح القوى العظمى وبالأساس روسيا والصين في إقناع ايران بصياغة شروطها بشكل تعتبر أساسا لإزالة تهديد الهجوم الاسرائيلي على ايران وتوفير ما يكفي من الأجواء لمواصلة الخطوة الدبلوماسية.

التعليق