هل يمكن اعتبار ألمانيا نموذجا لفرنسا؟

تم نشره في الأربعاء 28 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

فدريك لومتر – (لوموند) 2012/3/23

 ترجمة: مدني قصري

حول موضوع المعاشات، والحسابات العامة، والموازنة التجارية، والسياسة الصناعية، وتطور الأجور، وحول العديد من القضايا الأخرى، يصنع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من ألمانيا الأنموذج الذي ينبغي أن يحتذى. ومن المفارقات ذات الصلة أن ثمة ميدانا يهمه مباشرة -السياسة- والذي لا يخضع لأي مقارنة. ومما يثير الدهشة أكثر في هذا الشأن، جانب أشار إليه الرئس نيكولا ساركوزي تحديدا: على الرغم من أنها في السلطة منذ العام 2005، فإن المستشارة أنجيلا ميركل تمثل منذ بضعة شهور الشخصية السياسية المفضلة في ألمانيا. وإذا أجريت الانتخابات في مطلع الأسبوع المقبل، فسوف يحصل حزبها الديمقراطي المسيحي على نحو 37 ٪ من الأصوات، أي بزيادة ما يقرب من 10 نقاط عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي.
من المؤكد أن البلدين لديهما تقاليد سياسية جد مختلفة، لكنه ليس صحيحا أن الفيدرالية الألمانية لا تحمل سوى المزايا. إذ ما تزال السياسة الألمانية الحالية تقدم مادة غنية للتأمل لكل المسؤولين السياسيين الفرنسيين الذين يشعرون بالقلق والانشغال إزاء الفجوة التي تفصلهم عن المواطنين.
هناك أوّلاً الأخلاق العامة. فقد اضطر رئيس الجمهورية كريستيان فولف إلى الاستقالة في يوم 17 شباط (فبراير)، في أعقاب الكشف عن علاقاته المميزة مع رجال الأعمال أثناء رئاسته لمنطقة ولاية سكسونيا السفلى. وإذا كانت الصحافة قد كشفت عن علاقات ومعارف متعددة، فإن العدالة معنية في المقام الأول بقضية قد تبدو في فرنسا مسألة تافهة. ثلاث ليال في الفندق (258 يورو عن كل ليلة) قضاها في العام 2007 الوزير/ الرئيس لولاية سكسونيا السفلى رفقة زوجته على حساب مُنتج سينمائي، قام السيد وولف بتسديدها عنهما نقداً. وسوف يقول التحقيق إن كان في هذه القضية فساد أو محسوبية، ومن دون تأخير. فالسيد وولف، على الرغم من الدعم الذي لقيه من قبل السيدة ميركل، لم يجد بداً من أن يقدم استقالته في النهاية.
ثم هناك العلاقة مع السلطة. ففي يوم 5 آذار (مارس) نشرت صحيفة "بيلد" صورة التقطها أحد القراء تُظهر أنجيلا ميركل وهي تتسوق في برلين، يوم 2 آذار (مارس) في وقت متأخر بعد الظهر، قبل بضع ساعات من عودتها من قمة أوروبية. ومن الواضح أن ثمة شيئا من التظاهر بالبساطة من قبل المستشارة. وإنما شيء من التظاهر ليس إلا. فمعظم الصور التي التقطت في ظروف مماثلة -ليس من النادر أن يراها الناس تتسوق في برلين- هي صور تظهرها جادة وبعيدة عن الناس. وعلى الرغم من وجود جهاز أمني سري، فقلة من الناس فقط هم الذين يجرؤون على الاقتراب منها. ولو كانت هذه البساطة مجرد رسالة لكان السيناريو مختلفا لا محالة.
هناك في المقام الأول ممارسة السلطة نفسها. ففي يوم الأوّل من آذار (مارس)، قارن برنامج "تحقيق إضافي" الذي بثته قناة "فرنسا 2"، بين الوسائل المتاحة للمستشارية (في ألمانيا) وبين الوسائل المتاحة لقصر الإليزيه (في باريس): 500 موظف، و27 سيارة، وموازنة قدرها 44 مليون يورو في برلين. و900 موظف، و105 سيارة، وموازنة قدرها 113 مليون يورو في باريس.
وفيما وراء المبالغ المخصصة وشخصية القادة، فإن الكيفية التي تمارس بها السيدة ميركل السلطة هي عكس الكيفية التي يمارس بها السيد ساركوزي السياسة. ففي مجلة "دير شبيغل" وبتاريخ 23 كانون الثاني (يناير)، يروي آلان مينك، وهو مستشار غير رسمي لساركوزي، أن الرئيس كان في البداية قد قال في اشارة إلى السيدة ميركل "إنها لا تريد". والآن صار يقول: "إنها لا تستطيع". فسلطتها ليست في الواقع سلطة رئيس الجمهورية، وذلك في عين رئيس السلطة التنفيذية ضعف. لكنها بلا شك قوة لا شك فيها!
إذا كان ثمة أنموذج ألماني، فهو يكمن في توزيع السلطات الأكثر توازنا مما هي عليه في فرنسا، ما بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية على السواء، وما بين واضعي السياسات والشركاء الاجتماعيين. وعلى الرغم من أن رئيس الفيدرالية الألمانية للنقابات، مايكل سومر، قريب جدا من المعارضة الديمقراطية الاجتماعية، فإن هذا لا يمنع المستشارة من استقباله رأسا لرأس، ثم إعطاء "ومضة صحفية" يعبّر فيها المسؤولان عن رأيهما على قدم المساواة.
وبالإضافة إلى ذلك، تقيم المستشارة قبل كل قمة للاتحاد الأوروبي مدة نصف يوم في البوندستاغ، لتوضح موقفها، وتستمع إلى مواقف الأحزاب السياسية. وعندما يكون ثمة تصويت، فإنها تقدم دائما القدر الكافي من الضمانات للمعارضة حتى توافق الأخيرة في نهاية المطاف على سياستها الأوروبية. ولو تم اعتماد قرار مهم كقرار إنشاء الصندوق المالي الأوروبي في البرلمان في جلسة ليلية، في جلسة ليلية كما هو الحال في فرنسا حيث عبر أقل من نصف أعضاء البرلمان عن أصواتهم على هذا النص في أيلول (سبتمبر) 2011، لأحدث ذلك فضيحة في ألمانيا، حيث لا وجود هناك لجلسات برلمانية تعقد ليلاً.
هذا السعي في الحصول على الإجماع لا يمنع المستشارة من أن تتخذ القرارات المهمة بسرعة. فهي التي قررت في أعقاب كارثة فوكوشيما (اليابان) في آذار (مارس) 2011، التخلي عن صناعة الطاقة النووية المدنية. لكن هذا التحول الكامل لم يكن ممكناً إلا لأن المستشارة تعلم أنها ستحصل على دعم أغلبية المعارضة في المجلس الاتحادي، وهو مجلس الشيوخ في البرلمان. وخلافا لمجلس الشيوخ الفرنسي الذي لا يملك أبداً حق أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة في الجمعية الوطنية الفرنسية، فإن موافقة المجلس الاتحادي بشأن عدد من القضايا المتعلقة بالولايات الإقليمية يعد أمراً إجبارياً، لا سيما في القضايا المتعلقة بالسياسة الضريبية.
ليست مسائل الوفاق في الديمقراطية، وتوافق الآراء، مسائل رئيسية بالتأكيد. لكنه يبدو أن ألمانيا، سواء من حيث الأخلاق العامة، أو من حيث الشفافية واحترام المعارضة، تتميز بتقدمها على فرنسا بمسافات طويلة، تبررها بلا شك سوية الأداء الاقتصادي.


*نشر هذا المقال تحت عنوان:
L'Allemagne, un modèle d'équilibre?

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق