الأزمة السورية ومستقبل مبدأ "الحق في الحماية"

تم نشره في الجمعة 23 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً
  • سوريات وأبناؤهن بشاحنة هربا من جحيم القمع في بلادهم - (أرشيفية)

زاك بيوتشامب*
 (فورين بوليسي) 16/3/2012
فيما تتجاوز الحملة الوحشية في سورية العام الأول من عمرها، لا تلوح في الأفق سوى بوادر قليلة على وجود حل، في الوقت الذي لا يستطيع المتحفظون والمروجون لاستخدام مبدأ "الحق في الحماية" الاتفاق على شيء. لقد وضعت سورية في أزمة ذلك المبدأ الذي يفرض على الدول أن تشعر بالقلق على حياة أولئك الذين يعيشون خارج حدودها. ويطعن المنتقدون في استخدام المبدأ باعتباره أنه وضع يتطلب التدخل على غرار السابقة الليبية، ما يضعف مبدأ "الحق في الحماية،" ويجعل منه حملة طوباوية تفرض حرباً سرمدية من أجل التوصل إلى السلام. ويبدي الداعمون قلقاً من أن المبدأ سيتحول إلى تمثيلية بلا مصداقية لو سمح لبشار الأسد بارتكاب المذابح ضد الأبرياء بذريعة الحصانة ومن دون تفعيل المبدأ. وفي تعبير زاهٍ، ثمة "الحق في الحماية، ومسؤولية الحصانة والحماية".
وكلاهما على خطأ. فالتدخل العسكري في سورية سيكون إساءة تطبيق وحسب للحق في الحماية، لكن من شأنه أن يضعف بشكل راديكالي دور المبدأ في بناء شرق أوسط أفضل وعالم أفضل على حد سواء. وتقضي مسؤوليتنا عن حماية السوريين ومبدأ الحق في الحماية نفسه على حد سواء، أن نبقى بعيدين عن اللعبة.
ثمة سوء فهم عام بأن "الحق في الحماية" هو ببساطة مسوغ مناسب للتدخل العسكري ضد أعمال العنف. لكن الأمر على العكس من ذلك، لأن صلب المبدأ (كما صيغ رسمياً في تقرير اللجنة الدولية الخاصة بالتدخل وسيادة الدول)، ينص على أن سيادة الدولة تقضي بأن الدول تكون مسؤولة عن أرواح ورفاه مواطنيها. ويتم تأسيس هذا المبدأ بثلاث طرق أو ثلاثة أعمدة: أولها، من خلال الدول نفسها؛ وثانيها، من خلال مساعدة الدول في محاولاتها الرامية لتقديم الاحتياجات الأساسية لمواطنيها؛ وثالثها، من خلال اتخاذ إجراء مباشر عندما تكون الدول "بشكل واضح" غير قادرة أو غير راغبة في فعل ذلك.
تظل وثائق مبدأ "الحق في الحماية" واضحة من حيث أن عمل الركن الثالث لا يكون مقتصراً على التدخل العسكري. وفي الحقيقة، فإن تقرير اللجنة الدولية الخاصة بالتدخل وسيادة الدول يسمح بالتدخل في "الحالات المفرطة" فقط. وحتى عندها، فإن تحديد الحالة المفرطة في حد ذاته يجب أن يمر في اختبارات قاسية. وتعكس تلك المعايير الاختبارات الأخلاقية للحرب في نظرية الحرب العادلة الكلاسيكية، بما في ذلك محدد رئيسي واحد: إن أي حرب يجب أن تنطوي على "احتمالات معقولة" لإنجاز النجاح، وهو ما يعني في "الحق في الحماية" توفير حماية أفضل للحياة المدنية مقارنة مع الوضع الراهن.
وتلك هي المشكلة مع التدخل في سورية: فالخيارات على الطاولة لا تبدو في أفضل الحالات وأنها ترجح كفة وقف سفك الدماء، لكنها قد تفضي في أسوأ الحالات إلى مفاقمتها بشكل كبير. وستكون الضربات الجوية وحدها بمثابة كارثة. فالكثير من القتال يجري في المدن المتوترة المعادية للأسد، كما أن قصف الأحياء المكتظة مع توفر معلومات استخبارية محدودة، سيفضي إلى إيقاع خسائر مدنية كبيرة. وما يجعل الأمور تبدو أكثر سوءاً حقيقة أن قوات الأسد تظل قوية جداً، فيما تعتبر المقاومة مقسمة جداً، وبالتالي يصعب إلحاق الهزيمة بقوات الأسد كما كان الحال مع القذافي، ما يعني أن تنفيذ حملة جوية ينطوي على إطالة أمد إعلان الأسد النصر، وزيادة عدد الإصابات والخسائر.
ولكن، ماذا بشأن استخدام القوات الدولية لإقامة "مناطق آمنة،" حيث يمكن تسليح وتدريب المقاومة؟ عندها لن يقتصر الأمر على ترك الناس خارج المناطق تحت رحمة الأسد، لكن حماية المدنيين فيها ستتطلب قوة برية قوية بشكل كاف لردع أي هجوم موال، أو التزاماً موثوقاً بالتصعيد لدرجة تغيير النظام في حال تعرضت المنطقة لهجوم كثيف، نظراً إلى أنه ليس من الواضح تماماً ما إذا كانت الضربات الجوية المستهدفة خارج المنطقة ستفضي إلى تقييد أي تقدم لقوات الأسد. ومن شأن انتداب قوة دولية ضعيفة أن يفضي إلى التغلب عليها (كما حدث من قبل). وقد يفضي حتى إرسال قوة مساوية لما يمكن للأسد التغلب عليه ببساطة إلى تحويل "المنطقة الآمنة" إلى منطقة قتال، ما يؤدي إلى خطر إلحاق ضرر جمعي بما كان يفترض أن يكون ملجأً للاجئين. وما لم تبد المجموعة الدولية رغبة في الالتزام بقيادة تواجد بري ضخم ،وهو احتمال متلاش وغير مرجح، فإن المناطق الآمنة ستكون وصفة لعنف مكلف على نحو أكبر. حتى أن ذلك لا يأخذ في الاعتبار مخزون النظام الضخم من الأسلحة الكيميائية، والذي يشك المرء بأن النظام لن يساوره التردد في استخدام هذا المخزون في حال تعرضه لتهديد جدي.
ويبدي العديد من المنتقدين إعجابا بالإشارة إلى كل هذا. ومع ذلك، تراهم يدعون في نفس الوقت بأن الحق في الحماية توفر تفويضاً مطلقاً للتدخل في كل مكان وفي أي مكان. لكن، وكما شاهدنا، فإن المبدأ يشتمل على خطوط إرشاد واضحة قيد العمل لمنع هذا النوع من التفسير ذي النتائج المعاكسة الخطيرة. وكما يقول تقرير اللجنة الدولية بخصوص التدخل وسيادة الدولة، فإن ما يبعث على الأسف بما يكفي "أن بعض البشر لا يمكن إنقاذهم ببساطة، إلا بكلفة غير مقبولة". إنه لا يمكن وقف كل الأشياء المرعبة بالقوة، بالقدر الذي نرغب أن يتم.
ويعتبر فهم حدود القوة العسكرية في الحالة السورية حاسما بالنسبة لحيوية اللجنة الدولية كمنصة دولية. وسيلطخ التدخل الفاشل -والذي سيفضي بالتأكيد تقريباً إلى موت أفراد من القوات الدولية- الفكرة السائدة عند القوى الصاعدة، مثل البرازيل والهند، والتي تعتبر قوى حاسمة بالنسبة لجعل القوة مقبولة على نطاق عريض كجزء من ممارسة الدولة في القرن 21. وتتملك الهواجس هذه الدول المتفتحة على مبدأ الحق في الحماية فيما يتعلق باستخدامها. ومن الممكن أن يفضي استحضار مشوش للحق في الحماية في سورية إلى تدمير المشروعية الدولية للمبدأ في الوقت الذي يجري فيه بناؤها، ما يمنع مبدأ الحق في الحماية من أن يصبح إطار عمل مشتركاً لفهم الدور القانوني والأخلاقي للسيادة.
تتطلب المسوغات لقابلية الحق في الحماية أن تكون الشرعية الدولية مستقيمة بشكل مباشر. وتستطيع النماذج الدولية المقترحة في العادة تأطير سلوك الدولة فقط إذا أراد قادة الدولة بالفعل التمسك بها، أو إذا كان هناك بعض المحفز للعمل وفق إملاءاتها. ولم يعزز المؤيدون لمبدأ الحق في الحماية الوضع المعياري في القانون الدولي أو في الممارسة، محددين المحفزات التي تتبعها. ويتطلب توسيع سلطة مبدأ الحق في الحماية، في هذه اللحظة، إقناع الدول بالالتحاق بركب المبدأ. ونظراً لأن روسيا والصين تعدان من خصوم الحق في الحماية، واللتين لا سبيل لإصلاحهما في المستقبل المنظور، فإنه يجب ضم مجموعة أوسع من الدول لخلق "كتلة حاسمة" لتقديس مكانة الحق في الحماية كإجراء دولي ملزم. وإذا كنت تعتقد بأن الحق في الحماية يمكن أن تكون الأساس لنظام دولي أكثر عدلاً، فإن دفع لاعبين مؤثرين بعيداً عن المبدأ على الرغم من شروعه في التأثير الفعلي على النقاش الدولي حول الحقوق الإنسانية وأعمال القتل الجمعي، فإن ذلك يعد خطأً رهيباً.
وتوجد لدى المدافعين عن فكرة التدخل في سورية نقطة، عندما يقولون إن تجاهل سورية يمكن أن يلحق الضرر بموثوقية المبدأ. ولحسن الطالع، ثمة أرضية وسط صديقة للحق في الحماية، تقع بين عدم الانخراط وبين استخدام القوة العسكرية. وقد اقترح عدد من المحللين تكتيكات دبلوماسية وقانونية واقتصادية تستطيع أن تلعب دور القابلة القانونية لوقف العنف. وتشتمل بعض الأمثلة على إحالة الأسد و/أو قادة آخرين في النظام إلى المحاكمة في محكمة الجنايات الدولية، وتقديم تأكيدات لروسيا بأنه سيتم احترام مصالحها في سورية في حال سقوط الأسد، وذلك في مقابل الكف عن تقديم الدعم له، أو خلق اتفاقية دولية لشطب أي ديون مستقبلية يتم تحملها خلال الحملة، باعتبار أنها "دين كريه". ويمكن لجهد دولي منسق يضم بعضاً من هذه الاقتراحات وتقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها أن يكون أفضل طريقة بإمكان المجموعة الدولية أن تتبناها لإنهاء العنف.
ويجب أن يرسى هذا الجهد السياسي على نحو صريح في الركن الثالث من الحق في الحماية. وثمة شبه إجماع بخصوص ممارسة ضغط سياسي على الأسد، كما جرى في التصويت الذي أجرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 137-12 صوتاً ضده. وباستطاعة إنشاء حملة على أساس الركن الثالث للحق في الحماية، والتي تتركز على ردود غير عنيفة على الأعمال العدوانية السورية المساعدة في تقوية عناصر الحق في الحماية، مثل متطلب "الفرص المعقولة" للحرب، والذي يحصل على اعتراف قصير في المباحثات المعمقة للإجراء. وسيعامل التدخل العسكري على أنه مجرد آلية في عداد مباحثات الحق في الحماية، بدلاً مما يدعو إليه المبدأ كله.
وبينما لا ينطوي كل جزء من الركن الثالث للتدخل السياسي في سورية بالضرورة على عمل منسق متعدد الأطراف، فإن بعض الأفكار، مثل اقتراح مارك لينش لعقد منتدى دولي يسلط الضوء على الأعمال العدوانية للأسد، تفعل ذلك. وعبر وضع هذه الجهود العريضة تحت عنوان الحق في الحماية، فإن الدول القلقة من أن الحق في الحماية هو ببساطة ذريعة للتدخل العشوائي سيعهد إليه بدور في تأطير مستقبل المبدأ. ويشير دفع البرازيل من أجل وضع ملحق حول "المسؤولية أثناء الحماية" وانتشار خطاب الحق في الحماية في كل الجنوب الكوني، إلى أن استراتيجية ضم الدول المتفتحة، وإنما المتسائلة حول الحوار الذي يحيط بالإجراء، يمكن أن يجعلها راغبة أكثر في المصادقة عليه.
ولن تضر حقيقة أن هذه الحملة ستكون على نحو صريح غير عسكرية بالطبع، على ضوء المخاوف الجادة التي أثارتها دول رئيسية حول عسكرة الحق في الحماية خلال وفي أعقاب مشكلة ليبيا. وفي الحقيقة، بالكاد كان ممثل الهند لدى الأمم المتحدة، هارديب سينغ بوري، أكثر وضوحاً عندما أشار في معرض قلقه من الاستخدام "الانتقائي" للحق في الحماية لتغيير النظام قائلاً: "إنني أخشى من تثليم سمعة الفكرة النبيلة للحق في الحماية. وفي الحقيقة، أعطت الحالة الليبية أصلاً الحق في الحماية اسماً سيئاً". ولا يعد هذا تأنيب ضمير لما يليه —لطالما انطوت الهند والقوى الصاعدة الأخرى بشكل مشابه على مخاوف تتعلق باستخدام الحق في الحماية لتبرير استخدام القوة العسكرية. ولذلك تعد الاستجابة لمخاوفها حيوية بالنسبة لمستقبل المبدأ.
إن سورية تشكل مأساة لا نملك حيالها أي إجابات شافية. ولا يحظى التدخل المسلح بتبرير أخلاقي في سورية، على ضوء الوقائع العسكرية الراهنة، على الرغم من أنه يعد في بعض الحالات السبيل الحيوي الوحيد لوقف الجريمة الجمعية. ويتيح احتضان نقاش التدخل في مضامين الحق في الحماية لنا مشاهدة ذلك والمضي قدماً نحو افتتاح فضاءات من أجل وضع طرق خلاقة للاستجابة لحالات الرعب في سورية. ولا يفضي خفض الحق في الحماية للدفاع عن التدخل الإنساني -في هرولة إما للعمل بالمبدأ أو تمزيقه- إلى أي شيء لمساعدة السوريين الذين يعانون. ومن الممكن أن يفضي إلى إفساد وعد مبدأ الحق في الحماية ببناء عالم أفضل. ولعلنا نفعل خيراً إن نحن قاومنا ذلك الوازع.


*كاتب يسهم في مجلة "ديلي بيست".
 *نشرت هذه الدراسة تحت عنوان: Syria's crisis and the future of R2P

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

التعليق