هل يمكن أن يحل السلام في الشرق الأوسط؟

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً
  • الرئيس السوري بشار الأسد في اجتماع مع مبعوث الأمم المتحدة كوفي أنان - (أرشيفية)

باتريك سيل* - (ميدل إيست أونلاين) 

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
بعد كل هذه العاصفة من التهديد والوعيد بالعدوان في الأسابيع الأخيرة، ثمة فرصة ضعيفة في أن تتراجع موجة مد الحرب في الشرق الأوسط في طور الانحسار -خاصة في النقطتين الساخنتين: إيران وسورية. وتشير أحدث التطورات في هذين البلدين إلى إمكانية فتح مرحلة جديدة من الحوار، وليس النزاع.
وقد شهد هذا الشهر طرح مبادرتين من جانب كاثرين آشتون، مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي، وكوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة. وإذا ما حققتا النجاح، فإنه سيمكن لهما أن تتغلبا على دعوات الصقور وتسكتا طبول الحرب. ومع ذلك، يبقى رهن الانتظار ما إذا توفرت لدى الأطراف المعنية النية لانتهاز الفرص التي عرضت عليها.
لكن غزة، تبقى الاستثناء الرئيسي لهذه الصورة الأكثر وعداً بعض الشيء. فالضربات الجوية التي تنفذها إسرائيل -تحت يافطة سياستها القاسية والاستفزازية من القتل المستهدف أو الاغتيالات التي تتم خارج الإطار القضائي- أزهقت في هذا الأسبوع الماضي حياة نحو 25 فلسطينياً (حتى التوصل إلى التهدئة التي رعتها مصر يوم الاثنين الماضي)، وجرحت ما يقترب من مائة شخص آخر. وقد ردت الفصائل الفلسطينية بإطلاق الصواريخ على المناطق الجنوبية الاسرائيلية، ما أفضى إلى جرح دزينة من الإسرائيليين. لكن هذه التطورات المؤلمة يجب أن تصرف الانتباه عن الصورة الأكبر.
تماماً عندما كان بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في أوج تصنعه وهجومه في المؤتمر الأخير للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (ايباك) في واشنطن -يقارن إيران على نحو يخلو من الخجل باوشفتش (المعسكر الذي ارتكب فيه النازيون الهولوكوست ضد اليهود)، كانت آشتون تفرغ أشرعته من الريح عبر عرضها استئناف المفاوضات مع إيران حول الموضوع النووي. وجاءت مبادرتها على شكل رسالة موجهة إلى طهران يوم 9 آذار (مارس)، وتضمنت عرض تجديد المفاوضات مع القوى الخمس + 1 (الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا)، "خلال الأسابيع المقبلة في مكان ملائم لكل الأطراف". وشددت على أن الغاية من المفاوضات تظل "التوصل إلى حل شامل طويل الأمد ومتفاوض عليه، يعيد الثقة الدولية للطبيعة السلمية بشكل حصري" للبرنامج النووي الإيراني. وكانت رسالتها بمثابة رد على رسالة كان سعيد جليلي، الأمين العام لمجلس الأمن القومي الأعلى في إيران، قد بعث بها إلى آشتون في شهر أيلول (سبتمبر)، والتي أعرب فيها عن استعداد إيران لاستئناف المفاوضات.
وفي الأثناء، وفقط في اللحظة التي بدت فيها سورية وأنها تغوص في أتون حريق الحرب الأهلية الطائفية، شرع كوفي أنان، بتفويض من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية على حد سواء، في مهمة تستهدف وقف عمليات القتل وخلق الظروف المواتية لتحقيق تسوية متفاوض عليها. وبعد اجتماعه مع الأمين العام لجامعة الدول العربية في القاهرة، عقد اجتماعين مطولين مع الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق يومي 10-11 آذار (مارس) الحالي، قبل أن يتوجه إلى الدوحة لإجراء مباحثات مع الأمير (ما يزال القطريون ينادون بصوت عال بتسليح الثوار السوريين)، ثم توجه إلى تركيا للاجتماع مع المجلس الوطني السوري.
هل تحظى مبادرتا آشتون وأنان بفرصة للنجاح؟ إنهما تتمتعان على الأقل بمزية وضع الأجندة الدولية لبرهة من الوقت. لكن من الممكن بسهولة نسفهما. ولن يستسلم الصقور بسهولة في المقابل.
إن إسرائيل تشمئز من فكرة قيام القوى العظمى بالتفاوض على تسوية مع طهران، نظراً لأنها تدرك أن المفاوضات لا بد وأن تفضي إلى الاعتراف بحق إيران الحتمي في تخصيب اليورانيوم، ولو بمستويات متواضعة وللغايات المدنية الصرفة. ويريد نتنياهو لبرنامج إيران النووي برمته أن يقفل -هدفه: "صفر تخصيب"- وهو مطلب لا يستطيع أي نظام إيراني، مهما كان لونه، أن يقبله.
وفي زيارته الأخيرة لواشنطن، حاول نتنياهو الحصول على تعهد من الرئيس باراك أوباما بمهاجمة المرافق النووية في إيران، أو تقديم الدعم الأميركي لضربة إسرائيلية ضد إيران، لكنه أخفق في الحصول على التعهد المرغوب. وعلى الرغم من أن أوباما أعاد التأكيد على منع إيران من حيازة الأسلحة النووية، فإنه أوضح لنتنياهو على نحو لا لبس فيه أنه يجب منح العقوبات والدبلوماسية الفرصة للعمل أولاً.
ويبقى من غير المرجح إلى حد كبير أن تتجرأ إسرائيل على مهاجمة إيران وحدها، على الرغم من كل كلام نتنياهو الفظ. وما تزال الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على حمل الولايات المتحدة على القيام بالمهمة نيابة عنها -بنفس الطريقة التي كان المحافظون الجدد المؤيدون لإسرائيل، مثل بول فولفوفيتز ودوغلاس فيث، قد تلاعبوا بها في الاستخبارات من أجل دفع الولايات المتحدة إلى الحرب ضد العراق في العام 2003 نيابة عن إسرائيل.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن إسرائيل تريد، وبغض النظر عن الكلفة، أن تحمي احتكارها الإقليمي للأسلحة النووية. وتمتلك إسرائيل ترسانة نووية تقدر بما يتراوح بين 75 و150 رأساً حربياً، وطائفة من أنظمة الإطلاق المتطورة، وقدرة توجيه ضربة ثانية تستند إلى صواريخ طويلة المدى تثبت على غواصات قدمتها ألمانيا. وفي المقابل، ليس ثمة من حجة مقنعة بإن إيران تنوي بناء سلاح نووي. ولطالما أكد تقرير الاستخبارات القومية الأميركية السنوي -الرأي الجمعي لست عشرة وكالة استخبارات- على أن إيران لم تقدم حتى الآن على اتخاذ مثل هذا القرار.
وفي الحقيقة، فإن الحديث عن أن إسرائيل تواجه "تهديداً وجودياً" لا يستند إلى أي أساس. لا بل إن جيران إسرائيل هم من يواجه خطر الفناء. وكما قال الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ذات مرة: لو فكرت إيران أبداً في إطلاق صاروخ مشبوه باتجاه إسرائيل، فإن إيران ستمحى في الحال (من الوجود).
لا يتعلق الموضوع، ولا كان يتعلق في أي وقت بضمان استدامة إسرائيل، بل بضمان تفوقها العسكري الإقليمي -وهو تفوق منحها على مدار العقود الماضية مزية وحرية ضرب جيرانها متى شاءت من دون مواجهة أي رد. وإذا قدر لإيران أن تحوز سلاحاً نووياً -أو مجرد القدرة على بناء سلاح- فإن إسرائيل تخشى أن يحد هذا من حريتها في العمل. وقد يكون ذلك بمثابة خطوة نحو خلق ميزان قوى إقليمي جديد تبدو إسرائيل مصممة على الحيلولة دونه.
 وكان رئيس إيران محمود أحمدي نجاد قد قال إنه إذا تم تزويد إيران بنسبة 20 % من اليورانيوم المخصب لمفاعل الأبحاث في طهران وللغايات الطبية، فإنها ستوقف في الحال تخصيب اليورانيوم لذلك المستوى، مقيدة نفسها بنسبة 3.5 % من التخصيب لغايات توليد الكهرباء. (وكرر هذا التعهد أمام لالي واي ماوث من صحيفة الواشنطن بوست يوم 13 أيلول (سبتمبر)، كما وأمام نيكولاس كريستوف من النيويورك تايمز يوم 21 أيلول 2011، وأمام وكالة رويترز يوم 22 أيلول 2011. كما قال في محطة التلفزيون الإيراني في تشرين الأول (اكتوبر) من العام 2011: "لو أعطونا وقود الـ 20 %، فإننا سنوقف في الحال التخصيب بنسبة 20 %"). وفي المقابل، مع ذلك، فإنه ما من شك في أنه يتوقع الحصول على ضمانة أميركية بأن لا تسعى الولايات المتحدة إلى الإطاحة بالنظام الإيراني من خلال تشجيع الانقلاب أو بالقوة. ولذلك، فإن الخطوط العريضة لعقد صفقة مع إيران هي مطروحة على الطاولة أصلاً.
بالنسبة للنزاع السوري، يبدو أنه لا الرئيس بشار الأسد ولا معارضوه على استعداد حتى الآن للتوصل إلى حل وسط. وبعد أن طرد الثوار من حمص، يسعى بشار راهناً إلى إبعادهم عن نقاطهم القوية الأخرى قبل أن يتأمل في موضوع التفاوض. ومن جهتهم، يبدو الثوار وأنهم يعتقدون بأنهم سينتصرون في نهاية المطاف -مع تدفق مقاتلين وأسلحة وأموال جديدة عليهم. ويلاحظ أن الجانبين مخطئان تقريباً. وتكمن مهمة كوفي أنان في إقناعهما بأنه لن يكون هناك حل عسكري للنزاع، وبأنه سيترتب عليهما، إن عاجلاً أو آجلاً، الجلوس والتفاوض على طريقة ما للخروج من الأزمة التي تقوم بتدمير بلدهما باطراد.
لقد حان الوقت بالتأكيد لأن يضع الرئيس أوباما كل وزنه خلف دعم مبادرتي كاثرين آشتون وكوفي أنان. ولا شك في أنه يدرك تماماً الحاجة الملحة لإنقاذ المنطقة -وكذلك الولايات المتحدة نفسها- من كارثة كبيرة أخرى على غرار الحربين في العراق وأفغانستان.

 * كاتب بريطاني مختص في شؤون الشرق الأوسط. من كتبه "النضال من أجل الاستقلال العربي: رياض الصلح وصانعو الشرق الأوسط الحديث"، (مطبعة جامعة كيمبردج)
*نشر هذا المقال تحت عنوان
 Could Peace break Out in the
 Middle East?

التعليق