نحو رأسمالية متحضرة .. دور أوروبا في عالم معولم

تم نشره في الجمعة 16 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً
  • العالَم المعولَم.. صورة متشابكة الملامح - (أرشيفية)

ديبيش شاكرابارتي*- (لوموند) 2012/3/8

ترجمة: مدني قصري

ما تزال فكرة "نواة أوروبا الصلبة" فكرة صامدة. وكان الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، والمفكر الفرنسي جاك دريدا قد طرحا في العام 2003 هذه المسألة من زاوية سياسية فلسفية: هل يجب بناء دولة أوروبية عملاقة تطبق سياسة خارجية خاصة بها، حتى تستطيع أوروبا أن تتحدث بصوت واحد؟ وقد أحيت الأزمة التي تجتازها منطقة اليورو النقاش من جدديد حول هذه المسألة: هل  ينبغي تحقيق مركزية قوية في اقتصادات منطقة اليورو من أجل تفادي الأزمات في المستقبل، أم أنه يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتحرك نحو مزيد من النظام الفيدرالي؟
على أي حال، ينبغي أن يمر أي نقاش حول مسألة المركزية من خلال أخذ  التنوع الأوروبي بعين الاعتبار. إن وحدة أوروبا لن تتحقق من خلال فرض تنظيم مالي وتجاري مشترك، ولا حتى من خلال وضع سياسة خارجية مشتركة. إن أوروبا في حاجة إلى مزيد من "الأسمنت" (الذي يربط ما بين ثقافاتها وأفكارها ومؤسساتها)، حتى تصوغ وتبلور شعورا قويا بالوحدة. لكن هذا "الأسمنت" لا يمكن الحصول عليه بسهولة. ولهذا، ينبغي أن نترك للديناميكيات الثقافية الوقت الكافي لكي تتفاعل وتؤتي ثمارها، مع الاعتماد على دفْع قليل من التاريخ.
إذا كانت آثار التوسع الاستعماري الضارة –وما أكثرها- لا يمكن أن تمر مرور الكرام، فإن هذا التوسع قد خلق في الماضي طبقات وسطى في كثير من بلدان العالم، والتي كانت تنظر إلى أوروبا في منتصف القرن العشرين، كجزء من تاريخها. وعندما أعلن الكاتب الأفرو-أميركي ريتشارد رايت في العام 1955 عن نيته المشاركة في مؤتمر باندونغ (أندونيسيا) الذي جمع رؤساء وملوك البلدان المستعمرة السابقة والحائزة على الاستقلال حديثا، حذره أصدقاؤه قائلين بأن المؤتمر في رأيهم لن يكون سوى كرنفال من المهاترات المعادية للغرب، والمناهضة لأوروبا. لكن المفاجأة التي كانت في انتظار ريتشارد رايت هي أنه غادر المؤتمر مع الشعور بأنه التقى مع زعماء متأوربين (أي متأثرين بالغرب)، كانوا على الرغم من معاداتهم للإمبريالية شديدي الانبهار بأوروبا، ويتمنون استلهام "الحداثة" على الطريقة الأوروبية والغربية.
ومما لا شك فيه أن فرانز فانون (1925-1961)، المفكر الكبير الذي عرف بمناهضته الاستعمار، يجسد هذه الظاهرة خير تجسيد. ويعتبر "معذبو الأرض" (1961) ، الذين يصفهم في هذا الكتاب الثوري، هم أيضا ترنيمة من ترانيم عصر التنوير. أما الزعيم جواهر لال نهرو، الذي كان أول رئيس للوزراء في الهند، فقد شكر مرارا البريطانيين، لأنهم وسّعوا كثيراً "الأفق الذهني لدى الشعب الهندي".
لقد تميزت الهيمنة الأوروبية، في الواقع، عن حالات إمبريالية أخرى في التاريخ، بالهالة الفكرية العالمية التي كانت تتمتع بها الحداثة على الطريقة الأوروبية. وليس هناك حاجة لأي بلد كان، أو أي شعب كان، لأن يعيش تحت السيطرة الأوروبية حتى يستلهم حداثته من آداب وأعراف القارة القديمة. وحسبنا، مثالا على ذلك، اليابان أو تايلند اللتان لم تكونا يوما مستعمرتين أوروبيتين. ومع ذلك، فإنه لا يمكن تصور تاريخ حداثتهما من دون تأثير الهيمنة الثقافية الأوروبية عليها.
ليس هناك شك في أن أوروبا هذه كانت دوما أشبه بأسطورة، وإنما أسطورة قوية وهائلة.. أسطورة أوروبا النهضة والتنوير، والثورة الصناعية، والديمقراطية والحداثة؛ أسطورة أوروبا التي نقلت إلى العالم مفاهيم التطور ومفاهيم متتناقضة في آن أيضاً: مفاهيم القومية والتحررية والليبرالية والماركسية. كانت أوروبا هذه أسطورة بالفعل، لأنها أخفت جوانب محرجة كثيرة في التاريخ الأوروبي خلال القرون الخمسة الماضية: التدمير المنهجي للمجتمعات الأصلية، وخلق أشكال حديثة من العنصرية، وتطوير أنظمة قمع تمثلت في استعباد الناس في العالم الجديد، وفي إرسال "بعثات نشر الحضارة"، ناهيك عن حربين عالميتين، وجروح عميقة تسببت بها النازية والفاشية. لكن هذه الأسطورة تظل أسطورة جزئية، لأنها جعلت من أوروبا الغربية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا أساسا) مهد الحداثة، مع إقصاء بقية القارة في الوقت نفسه.
اليوم، تعيش أسطورة أوروبا هذه حالة احتضار حقيقية. لا سيما أن العالم الذي صنعه أسياد الاستعمار وتلامذتهم القوميون، وبعد أن تفكك في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تحت تأثير الصراع ما بين القوى العظمى، ما لبث أن تحول تحولاً عميقا لكي يستحيل إلى العولمة التي نعيش فيها حاليا.
وقد ساهم سقوط جدار برلين، ثم سقوط الاتحاد السوفياتي والبلدان التابعة له، في ظهور عصر العولمة. ولا شك في أن صعود الصين والهند والبرازيل، والصعوبات الاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، هي كلها أمور تنبئ اليوم بميلاد عالم متعدد الأقطاب، والذي سوف يواجه هو أيضاً أزمات ذات أبعاد عالمية، سواء تعلق الأمر بارتفاع حرارة كوكب الأرض، أو بالأمن الغذائي، أو بالنمو السكاني، أو بتوفير إمدادات الطاقة بأسعار معقولة.
ولا يدل هذا إلا على شيء واحد، لا غير: إن هذا العالم المتعدد الأقطاب سوف يضطر لأن يستند إلى هذه الفوارق حتى يستجيب لمتطلبات اللحظة. كيف لأوروبا، مع كل فوارقها وتنوعها، أن تجد مكانا لائقا بها في عالم اليوم؟ أو إن شئنا أن نطرح المسألة طرحا فكريا، ومن زاوية ما بعد الاستعمار، نقول: ما الذي بقي (وما الذي ينبغي الاحتفاظ به) من الإرث الأوروبي الذي كان موضع إعجاب وتقدير فيما مضى؟ إنها بلا شك مفارقة من مفارقات التاريخ، لكنها مفارقة إيجابية لأن نهاية عصر الإمبريالية يوفر لأوروبا التي باتت تشمئز وتتقزز من الحرب، فرصة لأن تصبح رأس الحربة في قيم التنوير التي كانت تلوّح بها فيما مضى، ولو تناقضت في ذلك، حتى تبرر إمبراطورياتها.
إن لدى القوى الأوروبية اليوم، على عكس الولايات المتحدة، فرصة لتشعر أن لا حاجة إلى لعب دور شرطي العالم. ولهذا الأمر أثر إيجابي عليها، إذ يتيح لها أن تفرض ثقل قيم التنوير التي تحتفظ بأبعاد عالمية على أكثر المناقشات حدة وحرارة. وفي مسألة التغير المناخي، والطاقات المتجددة، صارت السياسة والنقاش العام في العديد من البلدان الأوروبية متقدمَين كثيرا على ما وسعني رؤيته من سياسة ونقاش في الولايات المتحدة، وأستراليا، والصين أو الهند. إن ميراث دولة الرفاه في أوروبا، مهما كان اليوم مهددا، يجعلنا نستشعر ميلاد رأسمالية متحضرة، وهي ذات الرأسمالية التي تخلت عنها الاقتصادات الأنجلوسكسونية منذ عقود عديدة.
يعتقد البعض أن أوروبا لن تستوعب المسألة استيعابا كاملا إلا باقترابها من الأنموذج الرأسمالي الأميركي. لكنني أشك في ذلك حقا. وعلى أي حال، فلا شيء، حتى هذا التطور نفسه، يمكن أن يحدث من دون نقاش حول ما تبقى أو لم يتبق من ميراث أوروبا. وظني أنه من هذا النقاش تحديدا سوف تطفو أوروبا الغد، حية، متحضرة، وما بعد استعمارية حقا.
*أستاذ التاريخ في جامعة شيكاغو.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Vers un capitalisme civilisé
Quelle Europe dans un monde globalisé ?

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق