"الشياطين الحمر" القاهريون.. من مشجعي كرة إلى أبطال ثورة

تم نشره في الجمعة 2 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً
  • "الشياطين الحمر"، مشجعو فريق النادي الأهلي المصري - (أرشيفية)

دانيال شتينفيرث - (ديرشبيغل) 23/2/2012

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

 

لطالما ظل مشجعو النادي الأهلي القاهري لكرة القدم يلعبون دوراً بارزاً في تحدي السلطات، سواء خلال ومنذ الثورة المصرية. وعلى الرغم من أن لهم أعداء أشداء وعلى الرغم من أن العديد منهم قد مات في حوادث العنف الأخيرة، فإنهم يرفضون الخضوع مع ذلك.
في مساء بارد من أمسيات شباط (فبراير) في ميدان التحرير القاهري، يغطي عمر وجهه بكوفية سوداء وبيضاء، وهو يرتدي سروال جينز باهتاً وقميصاً فضفاضاً مقبعاً. وما تزال عيناه حمراوتين ومنتفختين من الغاز المسيل للدموع الذي واجهه في الليلة السابقة.
ويشير عمر إلى شارع جانبي يفضي من ميدان التحرير إلى وزارة الداخلية. وتوجد على طول الطريق الجانبي إطارات سيارات نصف محروقة وحاويات نفايات مقلوبة رأساً على عقب. ويقول عمر: "ما نزال نقاتل في هذه الشوارع منذ أشهر"، ويضيف: "في تشرين الثاني (نوفمبر) ألحقوا أذى بالغاً فعلاً بأحد شبابنا، وهو ضرير الآن، لكننا ما نزال نأخذه معنا إلى كل المباريات".
ويعد هذا الشاب النحيل، عمر، مشجعاً متعصباً ومتحمساً لكرة القدم، ومن "غلاة" أنصار النادي الأهلي، أكثر نادٍ معروف في كرة القدم في مصر. والغلاة هم المشجعون العنيدون الذي يعطون كل شيء لناديهم. وعلى الرغم من أن أشباه هذه الحركة كانت قد بدأت في أوروبا، فإنها آخذة في التجذر في أوساط أكبر الأندية في أفريقيا في الأعوام الأخيرة. ويعد الغلاة عاطفيين ومحدثي شغب وعنيفين بين فترة وأخرى. ويصف غلاة الأهلي أنفسهم بأنهم "الشياطين الحمر"، وعادة ما يرحبون بفريقهم ويستقبلونه في الملعب بأنوار ساطعة. ويعنى هؤلاء الشباب، على نحو رئيسي، بالتسلية والترفيه. لكنك تراهم الآن وهم يدخلون عين العاصفة السياسية في مصر.
حرب في الرمال
في وقت مبكر من شهر شباط (فبراير)، قضت أكبر كارثة في تاريخ كرة القدم المصرية مضاجع البلد والعالم أيضاً. ووقتها، خاض الأهلي، الفريق كرة القدم القاهري الذي هيمن على الدوري المصري لسبعة مواسم، مباراة ذهاب ضد منافسه، النادي المصري. وكان ذلك في مدينة بور سعيد التي تبعد مسافة 200 كيلومتر على قناة السويس إلى الشمال الشرقي من القاهرة. لكن، ومباشرة بعد انطلاق صافرة النهاية، اقتحم الملعب آلاف المشجعين المسلحين بالمدى والعصي، بل وحتى المسدسات، مما اضطر القوات الأمنية إما إلى الانسحاب أو الاكتفاء بالمراقبة فيما كان الرعاع يهاجمون مشجعي النادي الأهلي في الجزء الخاص بهم من الاستاد.
وهناك، تم إلجاء الشباب إلى جدار وضربهم. ثم تفجر الرعب بين الجماهير، وتحول الاستاد مع إغلاق البوابات الخلفية إلى مصيدة موت كان من المستحيل الهروب منها. وفي النهاية، أسفرت الاشتباكات عن مقتل 74 شخصاً وإصابة أكثر من ألف بجروح.
ولا تفوت عمر أي من المباريات التي يخوضها ناديه، وكان حاضراً في استاد بور سعيد في ذلك اليوم أيضاً، فتابع التطورات وهو فاقد الوسيلة والحيلة بينما كان أصدقاؤه ينزفون حتى الموت، حتى هوجم هو نفسه شخصياً. وقد اقترب منه رجل بيده موسى وأمره بأن ينزع كنزة الأهلي، فظن عمر أن لحظته قد حانت، وناجى نفسه بالقول: "لقد حان أجلي"، لكنه خرج متعثراً من المدرجات وركض ناجياً بنفسه إلى أن فقد المهاجم أثره. ويستعيد عمر الواقعة بصوت متهدج: "لقد أرادوا شن حرب علينا في تلك الليلة".
ثقافة المشجعين العنيدين
يبلغ عُمر 18 عاماً من العُمر، وكان قد تخرج في المدرسة الثانوية قبل عام. والشاب الذي يفضل عدم ذكر اسمه الحقيقي ينتمي إلى "الشياطين الحمر" منذ أعوام. وينظر هؤلاء الغلاة إلى أنفسهم على أنهم طلائع ثقافة المشجعين. وتتسم هذه المجموعات بأنها منظمة بشكل صارم ومحتوية للذات. ويستخدم زعيمهم الذي يعرف باسم "كابو" مكبر الصوت ليقود الهتافات التي يكررها المشجعون بتناغم في الاستاد.
وعلى الرغم من أن عمر ليس متأكداً كم عدد الشياطين الحمر بالضبط، فإنه يقدر عددهم بما يتراوح بين 5000 و10000 مشجع. ولا يعرف الرقم الحقيقي أحد سوى "كابو". ومعظمهم من الطلاب أو الأشخاص العاطلين عن العمل أو العمال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و26 عاماً. وفي الأثناء، يعهد لكل واحد من الشياطين الحمر بدور معين، فترى البعض يهتف أو يقرع الطبول، بينما يتولى الأقوى فيهم أحياناً افتعال عراك مع الشرطة أو المجموعات التي تنتمي إلى المشجعين المنافسين. وعمر واحد من حاملي الرايات.
أبطال الثورة
في البداية، لم يكن عمر متأكداً مما إذا كان يريد التحدث مع صحفي. فبالنسبة للغلاة لا تعتبر وسائل الإعلام حليفة. وفي أعقاب الهجوم في بور سعيد، أصبح الشياطين الحمر يبدون حذراً أكثر، ولم يعودوا يثقون بأحد. ويقول عمر: "يريد المجلس العسكري والبوليس والنظام القديم تصفيتنا لأننا دعمنا الثورة".
وكان غلاة مشجعي النادي الأهلي قد تأسسوا في العام 2007. وأعلنت المجموعة عن نفسها بأنها "المعارضة الأصلية الوحيدة من المصريين الشباب" أصلاً خلال فترة دكتاتورية حسني مبارك. وكانوا ينظمون الاشتباكات مع الشرطة من دون خوف من هراواتهم أو من قنابل الغاز. وكان الشياطين الحمر في القاهرة هناك أيضاً عندما تفجرت الاحتجاجات الجماهيرية ضد نظام مبارك يوم 25 كانون الثاني (يناير) 2011. ووقعت أهم معركة لهم بعد ذلك مباشرة في يوم الثاني من شباط (فبراير)، اليوم الذي شهد ما يسمى بموقعة الجمل. وقد حاول التابعون لنظام مبارك اقتحام ميدان التحرير ممتطين الجمال والخيول، وقاتل الشياطين الحمر بعزم وتصميم وطردوا راكبي الجمال والجياد من الميدان. لكن الأهم من كل شيء آخر هو أنهم ساعدوا المتظاهرين الآخرين على التغلب على خوفهم -وبعملهم ذلك أصبحوا أبطال الثورة.
وتدعي الإشاعات التي تروج في القاهرة راهناً بأن النظام القديم هو من رتب الهجوم في بور سعيد كطريقة للانتقام من الشياطين الحمر. ويقول شهود عيان إن مشجعي النادي الأهلي دون غيرهم هم من خضعوا للتفتيش عن السلاح قبل بداية المباراة. وعشية المباراة، استرعى الانتباه بشكل ملحوظ وجود عدد أقل من الاعتيادي من رجال الشرطة في الاستاد، حتى إن البعض ألمح إلى أن مجموعات من الأشرار سيقت سراً إلى داخل الاستاد خلال سير فعالية المباراة. وفي أعقاب هجوم بور سعيد، علق الاتحاد المصري لكرة القدم وإلى أجل غير مسمى جميع مباريات الدوري الممتاز في كرة القدم في مصر.
مولودون من أجل المواجهة
يقع مقر النادي الأهلي في مساحة مترامية الأطراف من الحدائق والمتنزهات في جزيرة "الجزيرة" التي تقع على نهر النيل وسط القاهرة. وتقول شاخصة ضخمة مثبتة فوق مدخل النادي "البقاء لله" لتخليد ذكرى مشجعي النادي الذين قتلوا في بورسعيد. ويتوقف سائقو التكسيات الذين يمرون أمام النادي للترحم على القتلى. وثمة بائع متجول على جانب الطريق يبيع تذكارات للنادي، مثل سلاسل مفاتيح تحمل أسماء نجوم النادي بالإضافة إلى ربطات رسغ وألعاب نارية.
ويعد النادي الأهلي أضخم ناد لكرة القدم في مصر، وواحداً من أكثر الفرق نجاحاً في القارة الإفريقية. وفي العام 2000 اختاره الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ليكون "نادي القرن". وتجدر الإشارة إلى أن طلبة وطنيي الاتجاهات كانوا قد أسسوا النادي في العام 1907، خلال زمن كانت فيه كرة القدم والسياسة في مصر غير قابلين أصلاً للتفريق بينهما. ورغبة منهم في إرسال رسالة لحكامهم المستعمرين البريطانيين، سمى مؤسسو النادي النادي بالنادي الأهلي. كما أنهم اختاروا اللون الأحمر لقمصان النادي، وهو لون علم مصر ما قبل علم الاستعمار.
وكان الند اللدود للنادي الأهلي، نادي الزمالك، يتمتع بتأييد الحاكم غير الشعبي لمصر، الملك فاروق. وكان النادي فريقاً للضباط البريطانيين والمصريين الأثرياء. وكانت قمصانهم بيضاء، وهو اللون الرمزي للكولونيالية.
 وحتى بعد أن كسبت مصر استقلالها في العام 1953، قوى نادي الزمالك من سمعة أنه نادي الطبقتين الوسطى والعليا، بينما أصبح النادي الأهلي نادي المزيج من إسلاميي الطبقة العاملة والوطنيين. ويعرف عن مشجعي الناديين بأنهم "يكرهون" بعضهم البعض بشدة حتى اليوم، كما إن مبارياتهما تتحول إلى معارك شوارع بانتظام. ومن جهتهم، يصف غلاة الزمالك أنفسهم بأنهم "الفرسان البيض". ويميل عمر، حامل راية النادي الأهلي، إلى التجهم عندما يناقش موضوع أنداد ناديه. ويقول "نحن لا نحب الفرسان وهم لا يحبوننا".
رص الصفوف في وجه عدو مشترك
ومع ذلك، ظلل عدو مشترك جديد العداوة بين المجموعتين من الغلاة، حتى أنهم توصلوا قبل أسابيع قليلة وحسب إلى اتفاقية مصالحة. وفي بيان على موقعهم العنكبوتي، عرض الفرسان البيض هدنة "خدمة لمصالح مصر" وقبل الشياطين الحمر العرض بوضع أيقونة وجه باسم على صفحتهم.
ويقول عمر: "لدينا عدو مشترك يزدريه كلانا بشكل عميق: المفترسون"، مشيراً بذلك إلى القوات الأمنية التي ترتدي زيا أسود اللون والمكروهة كلية، حتى إن النادي الأهلي خرج بهتاف عن "المفترسين". ويقول مقطع من الهتاف: "كان دايما فاشل.. في الثانويه.. يادوب جاب.. 50 % .. بالرشوه خلاص الباشا اتعلم.. وخد شهاده بـ100 كليه.. يا غراب ومعشش.. جوا بيتنا.. بتدمر ليه.. متعة حياتنا.. مش هنمشي علي مزاجك.. ارحمنا من طلة جنابك .. لفق لفق.. في القضيه.. هي دي.. عاده الداخليه.. ممسوك مكتوبلي ارهابي دولي .. ماسك شمروخ وبغني أهلي".
 وهذا الهتاف واحد من كثيرات تهدف إلى وصم الشرطة، حتى إن عمر بات يعتقد بأن تلك الهتافات ربما تكون قد دفعت الشرطة إلى الانتقام من مشجعي النادي الأهلي في تلك الليلة التراجيدية في بور سعيد.
وفي الأعوام الأخيرة، درجت كرة القدم على أن تكون مشكلة دائمة بالنسبة لأولئك في السلطة في مصر. فقد تحولت الاستادات إلى فضاءات مفتوحة ينفث فيها الناس "سمومهم" -ومعظمها غضب موجه نحو النظام الحاكم. وفي جهد منها للحفاظ على احتجاجات المشجعين، عمدت الدولة إلى نشر شرطة وجنود مكافحة الشغب في المباريات. وفي نفس الوقت يحاول الساسة والعسكريون استيعاب الأندية حتى يكونوا أكثر قدرة في السيطرة عليها. لكن أولئك الذين في السلطة لم يستطيعوا أبداً لجم حركة الغلاة.
تخليد الذين سقطوا ومتابعة القتال
تمتلك العديد من الأندية المصرية الكبيرة قواعد مشجعين شديدة المراس، والتي لا تنكفئ أمام المواجهات العنيفة مع الشرطة. ويقول عمر: "إننا نحب نادينا بشغف ومن دون شروط". لكن الغلاة باتوا الآن يقاتلون أيضاً من أجل بلدهم ومن أجل فكرة المجتمع الجديد. وتمكن مشاهدة راية الشياطين الحمر حالياً كل يوم في ميدان التحرير. وفي الأثناء، لم يسمح المشجعون لأنفسهم بأن يتملكهم الخوف من الهجمات في بور سعيد. وفي الحقيقة، فإنك تراهم وقد أصبحوا حتى أكثر قوة.
وكان عمر قد شارك في معارك الشوارع مع الشرطة في الأيام التي أعقبت مجزرة بور سعيد. وقد انضم إلى آلاف المتظاهرين الآخرين فيما كانوا يحاولون اقتحام وزارة الداخلية. فرجموا سيارات الشرطة بالحجارة وطالبوا بـ"رأس المشير" في إشارة إلى قائد المجلس العسكري للقوات المسلحة المصرية الحاكم، محمد حسين طنطاوي. وبينما أماطوا اللثام عن غضبهم، كان الشياطين الحمر من النادي الأهلي يقاتلون جنباً إلى جنب مع الفرسان البيض من نادي الزمالك.
وفي الحقيقة، ينوي كلا الناديين الآن إرسال رسالة. فقد أعلن رئيسا الناديين عن إجراء "مباراة ودية تخليداً للشهداء" في بور سعيد. وستكون المباراة الأولى التي تجري منذ الكارثة. وينوي لاعبو النادي الأهلي ارتداء قمصان سوداء تخليدا لأولئك الذين سقطوا منهم.
ولن يكون عمر من بين اللاعبين. ويقول إنه من المبكر جداً بالنسبة له التفكير في كرة القدم. فهو يريد أولاً الانتقام لمقتل أصدقائه. وهو بانتظار أوامر "الكابو".


*نشر هذا التحقيق تحت عنوان: Cairo's Red Devils: From Football Fans to Revolutionary Heroes

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق