لا نستطيع وقف سفك الدماء في سورية ما لم نتحدث مع الأسد

تم نشره في الخميس 16 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 16 شباط / فبراير 2012. 03:37 صباحاً
  • سوريون يطالبون برحيل نظام بشار الأسد - (أرشيفية)

نيكولاس ناو — (الأوبزيرفر) 12/2/2012

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

مع هبوط سورية إلى درك الحرب الأهلية، والتحرك الأخير في الأمم المتحدة أجهضه الفيتو الروسي-الصيني، يواجه معارضو النظام الإجرامي لبشار الأسد نقطة انعطاف خطيرة في كفاحهم للإطاحة به، والذي مضى عليه عام تقريباً.
ومع ذلك، ولسوء الطالع، وفيما يجري في العواصم الغربية، وبين الدول الإقليمية الداعمة، كما في داخل المعارضة السورية نفسها، بحث جدي عملي عن الطريقة الوحيدة لحل الأزمة، يحوم حول سؤال واحد وحسب: ما أفضل الطرق لرفع وتيرة الضغط من أجل تحقيق "انهيار مضبوط" للهيكل برمته.
في هذه الطريقة المبسطة غالباً، يستند المنطق الكامن بطريقة تنطوي على مفارقة إلى فكرتين محوريتين. الأولى: أن إيران وحزب الله في لبنان لن يهبا لمساعدة حليفهما الصلب في حال سقوطه الوشيك. وثانيهما أنه من الممكن احتواء أي عنف يرتكبه النظام المحتضر والمعزول للأسد بشكل عقلاني.
 وعلى الرغم من ذلك، فإن كلتا الفكرتين تبدوان غير مرجحتين. فسقوط الأسد سيوجه ضربة ضخمة واستراتيجية لكل من إيران و"شريكها الصغير" حزب الله. وببساطة، لا يستتبع ذلك، عندئذٍ، أن يقدم هذان اللاعبان على قضم لسانيهما واستيعاب موقفهما الثنائي في الشرق الأوسط.
وكما أوضح القادة الرئيسيون في طهران وبيروت، جهراً وسراً، فإن الأسد يستضيف "محور المقاومة" الثلاثي الذي يشكلونه. ونتيجة لذلك، فإن كلا البلدين زادا وحسب من حجم دعمهما للأسد شخصياً -حتى مع لجوء نظامه إلى المزيد من العنف واللاعقلانية.
ولكن، ماذا لو كان هذا الرأي السائد صحيحاً؟ وماذا لو كانت إيران ومعها حزب الله لا يريان أنه يخدم مصالحهما أن ينتقلا إلى العمل؟ حتى في تلك الحالة، يبدو من غير المرجح أن تخرج الأمور كما يريد لها الغرب أن تكون. ومن المحتمل أن لا يفضي الانهيار إلى تكرار التجربة الأوروبية الشرقية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، أو سقوط حسني مبارك في مصر. ويعود هذا بشكل رئيسي إلى أن الأسد وداعميه يمتازون بالسيطرة على قدرات عسكرية معقدة تشتمل على أسلحة كيميائية وأنظمة صواريخ باليستية، على العكس مما كان عليه الوضع في العراق وليبيا. وسوية مع الدعم الطائفي الذي سيحتفظ به نظام الأسد العلوي على الأرجح مع مرور الزمن في مقابل أغلبية سنية عنيفة تصبح معسكرة بازدياد، وبالإضافة إلى أي دعم نخبوي وعسكري مستمر، فإن النظام يتمتع بوضع جيد جداً لإطالة ما يصفه العديدون في الغرب على نحو خاص، بأنه هلاك "محتم" ستجلبه حركة التاريخ.
وسيعني هذا البطء في حل العقدة اندلاع حرب أهلية عنيفة جداً، تستغرق وقتاً كبيراً وتكون لها تداعيات إنسانية ضخمة وآثار مضاعفة غير مقصودة. لكن، وحتى لو كان المرء يعتقد بأن نهاية النظام يمكن أن تأتي خبط عشواء وفجأة، فإنها ستنجم مشكلة إضافية وحسب على الأقل. ففي مواجهة انهيار وشيك، من المحتمل جداً أن يكون الأسد ومؤيدوه مستعدين وراغبين وقادرين على إسقاط المعبد برمته على رأس الجميع -خيار شمشون. وفي الحقيقة، ثمة طرق عديدة لدى النظام، إلى جانب حلفائه في طهران وبيروت أو من دونهم، للتسبب في هجوم إسرائيلي ضخم بشكل أكيد، في ضوء المناخ الراهن في الدولة اليهودية الذي يميل إلى تبني فكرة الحرب. وكما أشار وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان مؤخراً، فإن سقوط صاروخ صغير "غير ذي صلة" من جنوب لبنان في الجليل وتسببه في مقتل عدد ضخم من المدنيين الإسرائيليين، سيكون كفيلاً بأن ينجز الخدعة.
وبالنسبة لسورية الأسد التي طالما نظرت إلى التفكير بعقيدة الخلاص بتحفظ كبير، فإن المقامرة ستكون جديرة بالإقدام عليها، لاسيما وأن المحصلة غير الأكيدة لحرب كبيرة في الشرق الأوسط تبدو أفضل بكثير من تلك التي اضطر إلى خوضها العقيد معمر القذافي وتابعوه في ليبيا.
إذا أدركوا هذه الحقيقة، سوف يحتاج معارضو الأسد، وخاصة في البلدان الغربية، إلى الاعتراف والتوقف عن الإنحاء باللائمة على الأسد وروسيا -حتى لو كان كلاهما مسؤولين بشكل جاWمح عما نحن سائرون في اتجاهه. وليس هناك أحد في الولايات المتحدة أو أوروبا أو تركيا أو في المنطقة يرغب بالانخراط في نوع التدخل الضخم والوقائي الذي قد – أكرر قد- يعوق السناريوهات آنفة الذكر، خاصة وأن هذا التحرك سيجلب تداعياته الكارثية الخاصة. ونتيجة لذلك، فإن المسار المسؤول إلى الأمام –أخلاقياً واستراتيجياً- يكمن في البدء بتفحص جدي لسبل إجراء مفاوضات مع نظام السد. ويعني ذلك أولاً التخلص من فكرة أن الأسد قد تجاوز الحدود بحيث أنه لم يعد صالحاً للتفاوض معه. وكانت الولايات المتحدة، مثلاً، قد انخرطت، كما تفعل راهناً، في مفاوضات مع طالبان، تلك الجماعة التي قتلت وأرهبت العديدين جداً، والتي ساعدت وحرضت أسامة بن لادن على شن الهجمات على المدنيين والمسؤولين والقوات الأميركية. وثمة مثال أكثر تطرفاً يتجسد في إقدام الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون على الانفتاح على ماو تسي تونغ، الذي كان مسؤولاً أصلاً عن مقتل مئات الملايين من الصينيين. وحينذاك، كما هو الحال راهناً، يعد أمر التوصل إلى تسوية متفاوض عليها أفضل طريقة لخفض وتيرة العنف تدريجياً، وتأمين مصالح المرء الخاصة، والانتقال بالحالة بالتدريج إلى نقطة من الممكن أن تشرع معها قيم المرء في كسب قوة.
إن النتيجة المباشرة لشعار "تجاوز الحدود" عدم المتساوق هذا، هي أن نظام الأسد، والآن روسيا، هو حصين ضد صنع الصفقات، على الرغم من وجود فرص (ومخادعات ممكنة) يجب استغلالها في ظل الظروف القائمة.
ستكون الخطوة الذكية الأولى هي التراجع عن المطلب بذهاب الأسد الآن، ومن ثم الانخراط بشكل جسور في جهد مشترك يضم الجامعة العربية والأمم المتحدة لإدارة: 1)سحب الأسلحة الثقيلة من الشوارع السورية والإفراج عن السجناء السياسيين؛ 2) الإشراف على عقد مؤتمر مصالحة خارج سورية؛ 3) وضع دستور جديد يصاغ في الشهر التالي؛ 4) عقد انتخابات برلمانية في الصيف؛ 5) إقامة انتخابات رئاسية في العام المقبل. وسيكون من شأن التوصل إلى وقف لإطلاق النار وانسحاب الثوار (ربما إلى مناطق آمنة خالية من الأسلحة في تركيا والأردن)، ومن شأن عقد هذه الصفقة أن يجعلا من الصعب جداً على الأسد، كما وعلى روسيا بالتأكيد، مقاومة ما سيكون بالأساس خياراً غربياً للموقف الذي كان الجانبان قد وضعاه سوية جهاراً. ومع تخفيف ثابت للعقوبات الغربية، سوية مع التزام علني من جانب الولايات المتحدة باستئناف المفاوضات بين إسرائيل وسورية حول مرتفعات الجولان المحتلة، فإن الرفض من جانب الأسد يوفر فعلياً أفضل فرصة لتكريس نوع من التفجر المُسيطر عليه.
في الحقيقة، وإذا كان ثمة أمل على الإطلاق في تسريع ومن ثم احتواء نهاية هذا النظام، فإنه يكمن في اللاعبين السوريين الداخليين الأقوياء الذين يدركون اللاعقلانية المفرطة للنظام، والتي ترى أن أي طريقة عقلانية وكريمة للخروج من الأزمة هي قيد العرض أخيراً، ويجب استغلال اللحظة. وعلى العكس من الصين، فإن السير أسفل هذه الطريق ربما يعني أنه لا يترتب على السوريين أن ينتظروا عقوداً لكي تتحقق تطلعاتهم الديمقراطية بالكامل.
وحتى على الرغم من أن نظام الأسد قد يكون قادراً على التسبب في نشر دمار إقليمي كبير راهناً، فإنه يظل لاعباً ضعيفا بشكل لا يصدق عندما يتعلق الأمر بموازين القوى الإجمالية. وهذا يعني أن بإمكان ائتلاف قوي من القوى أن يسيطر على عملية تقود سورية بثبات وبسلام بعيداً عن الهيمنة والعنف البعثيين. وفي النهاية، ربما لن يكون أمام معارضي الأسد فعلياً أي خيارات عقلانية أخرى. ويعني هذا بالتالي أن الوقت قد حان للشروع في بحث موضوع المفاوضات، الأمر الذي سيكون ابتلاعه شاقاً على العديد منا، وعلى وجه الخصوص معظم السوريين.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: We can’t stop the bloodshed in Syria without talking to Assad

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق