كيف يمكن لإيران أن تضرب القوة العسكرية الأميركية المتفوقة

تم نشره في الأحد 5 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً
  • جندي إيراني يراقب أسرابا من القوارب أثناء تمرين عسكري في مضيق هرمز -(أرشيفية)

سكوت بيترسون- (كرستيان سينس مونيتور) 26/1/2012
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

إسطنبول - صعدت طهران من وتيرة تحذيراتها القوية من نشوب نزاع في الخليج العربي، في الوقت الذي يحتمل فيه أن تكون الموافقة قد صدرت على فرض عقوبات جديدة يفرضها الاتحاد الأوروبي وأميركا على صادرات النفط الإيرانية وبنكها المركزي، والتي يفترض أن تشلّ الاقتصاد الإيراني.
لكن الولايات المتحدة تحدت التحذير قوي اللهجة الذي أصدره جنرال إيراني رفيع المستوى مؤخراً، وأرسلت حاملة الطائرات إبراهام لنكولن -تحيط بها سفن حربية بريطانية وفرنسية – لتبحر عبر مضيق هرمز عند مدخل الخليج. وقد علق مشرع إيراني رفيع المستوى ساخراً بأن الولايات المتحدة "لم تجرؤ" على إرسال سفينتها وحدها، بسبب الخطر الذي تشكله الجمهورية الإسلامية. وقال المشرع إنه في حال قامت إيران بإغلاق الممر المائي الاستراتيجي، كما هددت، فإن حاملات الطائرات الأميركية "سوف تصبح غنيمة حرب لإيران".
وليس التهديد من هذا القبيل مجرد كلام على إطلاقه. فمع أن الولايات المتحدة تنفق في مجال الدفاع أكثر من الجمهورية الإسلامية بما يقرب من نسبة 90 إلى 1، تحتفظ إيران، وريثة ابتكارات بلاد فارس القديمة في البحرية، باستراتيجية جيدة الإعداد، ومصممة للتغلب على تلك الميزة.
وقد أثبت تمرين عسكري للبحرية الأميركية أجري في العام 2002 والذي يحاكي مثل هذا الصراع، أنه يمكن أن يكون مدمراً على السفن الحربية الأميركية. وفي واقع الأمر، يمكن أن تسبب إيران ضرراً هائلاً، كما يقول المحللون، بدون أن تواجه مباشرة نظيرتها القوات الأميركية التقليدية المتفوقة عليها بكثير. ويمكن حتى لعدد قليل من المسائل -مثل الألغام المزروعة في منطقة الخليج، أو تكتيكات حشد زوارق إيران الصغيرة بكثافة ضد ناقلات النفط أو السفن البحرية الأميركية، يمكن أن تثير مخاوف من تصاعد انعدام الأمن إلى مستويات عالية وغير مقبولة. كما يمكن أن تكون لها أيضاً عواقب اقتصادية بعيدة المدى، بما في ذلك التسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط، خاصة وأن ما يقرب من ثلث إجمالي شحنات النفط العالمية المنقولة بحراً تمر عبر مضيق هرمز -مما يجعله أهم نقطة اختناق لناقلات النفط في العالم.
ويقول دبلوماسي أوروبي سابق رفيع المستوى، والذي أنهى مؤخرا جولة خدمة مدتها ست سنوات في طهران: "إن هدف إيران النهائي هو عدم إغلاق [المضيق] فيزيائياً لفترة طويلة جداً، وإنما رفع قيمة التأمين على النقل البحري وغيره من التكاليف إلى مستويات فلكية –وهو ما يشكل نفس المردود، من حيث الخسائر الاقتصادية، الذي سيجلبه الإغلاق المادي للمضيق،" كما يقول.
ويضيف الدبلوماسي: "إذا لم تكن متأكداً مما إذا كنت ستُضرب أم لا، أو إذا لم يتم ضربك بواسطة القوة التقليدية، وإنما بواسطة قارب عائم على سطح البحر -أو بواسطة لغم أو اثنين- فإن من شأن ذلك أن يخلق لديك انعداماً في الأمن أكثر بكثير من مسار اشتباك واضح يتم فيه إغلاق المضيق".
ولن تكون تكتيكات المضايقة الإيرانية هذه سوى البداية فحسب، كما يضيف. وتشمل طبقات أخرى من الاشتباك استخدام المدفعية والصواريخ المتمركزة في مضيق هرمز، وغواصات "كيلو" والغواصات الصغيرة التي يمكن منها إرسال غواصين لتدمير السفن.
خيارات عديدة تقصُر عن نطاق الحرب الشاملة
تعاني القوات العسكرية الإيرانية التقليدية من الشيخوخة ومن قدرة محدودة في كثير من الأحيان. فقد أنفقت إيران 7 مليارات دولار فقط على الدفاع، مقارنة مع ميزانية الدفاع الأميركية التي بلغت 619 مليار دولار في العام 2008، وهي السنة الأخيرة التي كانت فيها بيانات إيران متاحة، وفقاً لقاعدة بيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام. وتدرك استراتيجية إيران للحرب غير المتكافئة أن لدى إيران، منذ قيام الثورة الإسلامية في العام 1979، فرصة ضئيلة جداً في الفوز بأي مواجهة عسكرية وجهاً لوجه مع أعداء أقوياء مثل الولايات المتحدة.
وبدلاً من ذلك، تسعى إيران إلى "استغلال نقاط ضعف العدو من خلال استخدام تكتيكات "الاجتياح الكثيف بالزوارق الصغيرة المسلحة تسليحا جيداً والمتمتعة بمهارة الهجوم السريع، لشن هجمات مفاجئة في أماكن وأوقات غير متوقعة"، الأمر الذي سوف "يدمر في نهاية المطاف قوات العدو المتفوقة تقنياً". كما كتب الخبير العسكري الإيراني فاريبورز هاغشيناس في دراسة أجريت في العام 2008، وبنيت على أساس الأفكار المنشورة لفيلق حرس الثورة الإسلامية (الحرس الثوري الإيراني).
وفي أي قتال سينشب في المستقبل، يرجح أن إيران سوف "تتجنب تصعيد الصراع بطريقة من شأنها أن تعمل لصالح قوة الولايات المتحدة على شن أعمال حربية متوسطة إلى عالية الكثافة- وذلك من خلال استخدام تكتيكات سرية مثل زراعة الألغام الخفية، واستخدام خيارات الغواصات المحدودة، وأحيانا شن هجمات محمولة تنطلق من الشاطئ"، كما كتب السيد هاغشيناس في دراسة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
وفي واقع الأمر، توجد لدى إيران خيارات تقصر عن مستوى التحدي المباشر في منطقة الخليج العربي.
"قد تسعى إيران إلى خلق عدم استقرار دائم منخفض الوتيرة في المضيق، في الغالب من خلال وسائل غير متكافئة، بهدف جعله "أرضاً مائية حراماً" لا تعود لأحد. ويضيف: "بالنسبة لإيران، فإن الخيار ليس "أن نغلق" أو "لا نغلق" وإنما بالأحرى "أن نعيق". ثمة نقطة خنق عالمية رئيسية كانت تعتبر آمنة، والتي لن تكون كذلك بعد الآن". وسوف يتم جر الولايات المتحدة "لتوفير القوة البشرية وتحمل التكاليف الباهظة لإزالة العوائق"، كما يضيف السيد ساناتي، في حين إن خطر إثارة الحرب عن غير قصد "سوف يتضاعف بشكل كبير".
نتيجة مدمرة بالنسبة للولايات المتحدة في لعبة الحرب
ليس تركيز إيران على الصراع غير المتكافئ سراً، فقد سعت دائماً إلى تعزيز الردع من خلال الادعاء بتحقيق الانتصارات المتكررة خلال المناورات العسكرية الكبيرة، وعن طريق نشر معدات جديدة، من الطوربيدات فائقة السرعة إلى الطائرات الكاميكازي بدون طيار.
وخلال عملية "النبي العظيم 5" في نيسان (أبريل) 2010، على سبيل المثال، هللت بحرية الحرس الثوري لإطلاق الزوارق الجديدة "فائقة السرعة"، وادعت بأنها أقل قابلية لكشفها بواسطة الرادار. وعبر مياه الخليج المتلألئة، نشرت إيران 300 قارب في هجوم كاسح، مع تجربة هبوط قوات الكوماندوس على ظهر واحدة من السفن الحربية المستهدفة.
وفي ذلك الوقت، قال الناطق العسكري علي رضا تنصيري: "إن مضيق هرمز ينتمي إلى المنطقة، والأجانب يجب ألا يتدخلوا فيه". وقد ردد ذلك التحذير صدى كلمات رجل دين إيراني رفيع في العام 2008، من أن "الطلقة الأولى" التي تطلق ضد إيران ستحول العاصمة الإسرائيلية تل أبيب والأسطول الأميركي في الخليج الفارسي إلى "أهداف سوف يتم حرقها في سياق الرد الإيراني الساحق".
وقبل أكثر من عقد من الزمان من ذلك الوقت، في العام 1997، قال قائد الحرس الثوري آنذاك، محسن رضائي: إن "إيران لن تبدأ أي حرب"، ولكن، إذا هاجمت الولايات المتحدة "فإننا سوف نحول المنطقة إلى مسلخ لهم، وليس هناك مكان أعظم من الخليج الفارسي لتدمير القوة الأميركية فيه".
فهل تستطيع إيران أن تفعل ذلك؟ يبدو الأمر ممكناً في ضوء وجود لعبة حرب أميركية سرية بقيمة 250 مليون دولار، تدعى "تحدي الألفية 2002."  ويحرض سيناريو اللعبة الافتراضي الفريق الأزرق (الذي يمثل سفناً حربية أميركية) ضد فريق أحمر يشن هجوماً منسقاً باستخدام زوارق محتشدة بأعداد كبيرة وصواريخ -نوع التكتيكات التي قد تستخدمها إيران.
وفي اللعبة الافتراضية، تم إغراق 16 سفينة أميركية، بما فيها حاملة طائرات ومعظم مجموعتها الضاربة، قبل تعليق التمرين وتغيير المعايير بطريقة مثير للجدل لضمان انتصار الولايات المتحدة.
وقال قائد الفريق الأحمر، اللفتنانت جنرال بول كيه فان ريبير، لصحيفة نيويورك تايمز في العام 2008: "إن الأعداد الهائلة المنخرطة قد استجمعت قدرتها، عقلياً وإلكترونياً على حد سواء، للتعامل مع الهجوم". وقال إنه استلهم دراسات سلاح البحرية عن العالم الطبيعي، حيث ضمّن اللعبة كل شيء -من مستعمرات النمل إلى قطعان الذئاب وهي تنقض على فريسة أكبر حجماً. وأضاف فان ريبير: "إنها ليست مسألة حجم أو قدرة فردية، وإنما تتعلق بما إذا كانت لديك الأعداد الكافية لكي لتأتي من اتجاهات متعددة في فترة قصيرة من الوقت".
ومنذ ذلك الحين، عمل الاستراتيجيون في البحرية الأميركية من أجل التغلب على نقاط الضعف في السفن الحربية التقليدية أمام تكتيكات الأسراب الكبيرة من القوارب. وكان أحد الحلول هو مشروع البحرية الأميركية لبناء "سفينة اشتباك ساحلية" (LCS)، مصممة لتعمل بسرعات عالية بالقرب من الشواطئ الضحلة، والتي تكون قادرة على إطلاق طائرات هليكوبتر وقوارب وغواصات هجومية. وقد تم بناء اثنين منها فقط، ويعاني المشروع الآن من التأخير وتجاوز التكاليف.
وفي المبدأ، تناسب سفن الاشتباك الساحلية طبيعة المياه الساحلية والأساليب الإيرانية، وهي مصممة "لمواجهة تزايد التهديد غير المتكافئ المحتمل للألغام الساحلية وغواصات الديزل الهادئة، والقدرة على حمل المتفجرات والإرهابيين على قوارب مسلحة صغيرة وسريعة"، وفقاً لموقع التقنيات البحرية.
الوحدات الإيرانية تتمتع باستقلالية كبيرة
يبدو أن إيران تعلمت أيضاً من تمرين الولايات المتحدة للعام 2002، تماماً مثلما تعلمت من حادث العام 1988 أثناء حرب الناقلات في الخليج العربي، عندما أغرقت القوات الأميركية أو ألحقت أضراراً بثلاث سفن حربية إيرانية في يوم واحد، في ردها على اصطدام سفينة أميركية بلغم.
ويتضمن جزء من استراتيجية إيران، استخدام اللامركزية في اتخاذ القرارات أثناء المعركة. ويقول الدبلوماسي الأوروبي السابق المذكور: "إن كامل هيكل "الحرس الثوري" -إذا نظرتم إلى كيفية تنظيم الدفاع الجوي، القوات البرية، ومزيج من "ميليشيات" الباسيج و"الحرس الثوري"- يتجه كله نحو ما يسمونه استراتيجية الفسيفساء، حيث لديك وحدات عسكرية مفردة، والتي تمتلك قدراً كبيراً من الاستقلالية في تحديد ما يمكن القيام به من دون الرجوع إلى المركز".
ويشرح هاغشيناس إحدى الطرق التي يمكن أن يتجسد بها ذلك في منطقة الخليج. فيقول: "في الساحة البحرية، سوف يتم إخراج زوارق سريعة من مواقع اختباء ساحلية أو مخابئ داخلية مموهة، ويتم حملها على قاطرات إلى نقاط الإطلاق الساحلية، وسوف يتم إعطاؤها أوامر عن نوع المهمة، والتي لن تتطلب منها أن تبقى على اتصال مع سلسلة قيادتها". لكنه ليس من المرجح أن يكون رد إيران الانتقامي مقصوراً على المضيق. فحسب
"هذا ليس سوى جانب واحد من استراتيجيتهم للردع. فهناك التهديدات حول العراق وأفغانستان... وهناك حزب الله وحماس الذين من الممكن أن ينشطوهما،" يقول الدبلوماسي، في إشارة إلى الجماعات المسلحة النشطة على حدود إسرائيل. ويضيف: "هناك مجموعة كاملة من استراتيجيات الردع التي وضعت موضع التنفيذ، ولا يعدو مضيق هرمز سوى أن يكشل جانباً واحداً منها فقط. لقد جعلوا من الواضح جداً خلال السنوات القليلة الماضية أن لديهم هذا الملف كله، وسوف يستخدمونه كله في حالة وقوع هجوم عسكري".
متاهة من الموانئ وتفوق "روحي"
تاريخيا، أبحرت أساطيل بلاد فارس القديمة إلى مناطق بعيدة، واستخدمت في البحر الأبيض المتوسط "سفن الجواسيس، متنكرين في زي تجار أجانب، وسفناً حربية صغيرة للعمليات السرية،" كما يلاحظ تحليل هاغشيناس. وقد ابتكر الفرس القدماء، في عهد زركسيس "مفهوم مشاة البحرية".
ولم تتغير جغرافية ساحل إيران الجنوبي بطبيعة الحال، حيث توجد 10 من الموانئ الكبيرة و60 من الموانئ الصغيرة -ومتاهة لا نهاية لها من قرى الصيد، والمداخل، والخيران- وهي جغرافية مثالية لتنظيم هذا النوع من الكر والفر، وعمليات التسلل التي تتوخاها الاستراتيجية الإيرانية. ومع معدل عبور يومي لحوالي 3000 من القوارب والسفن في المضيق، يمكن أن تواجه القوات الأميركية مشكلة في التفريق بين الصديق والعدو، مما يعطي لإيران اليد العليا.
ويعتقد القادة الإيرانيون بأن لديهم ميزة أخرى، إذا حدث وأن تحولت الخطابة والكلام عن مضيق هرمز في أي وقت إلى صراع حقيقي. "يضع الحرس الثوري المعتقدات الدينية في صميم المفهوم الإيراني للحرب غير المتكافئة"، يكتب هاغشيناس. ويضيف: "في مفهوم إيران للحرب غير المتكافئة، يعتبر التفوق الأيديولوجي أو "الروحي" لمجتمع المؤمنين مهماً مثل أي عامل آخر".
وهذا يعني، كما يضيف، أن الحرس الثوري الإيراني يعتقد بأن "سلسلة أوامره تمتد من خلال المرشد الأعلى علي خامنئي إلى الله، ولذلك يقوم باستثمار ربط الأوامر العسكرية بسلطة معنوية متسامية...".


*نشر هذا التقرير تحت عنوان: How Iran could beat up on America's superior military

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق