الصين والتنمية في آسيا.. قاطرة غير آمنة

تم نشره في الأربعاء 25 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 25 كانون الثاني / يناير 2012. 01:21 مـساءً
  • قطار صيني سريع فائق التقنية - (أرشيفية)

مارتن وُولف - (لوموند) 2012/1/16 

ترجمة: مدني قصري

شهد الاقتصاد الصيني ما بين عامي 2007 و2012 توسعا يقارب 60%، فيما شهد اقتصاد آسيا الصاعدة في مجمله توسعا يقارب 50%.
وفي خلال الفترة نفسها، نمت اقتصاديات البلدان مرتفعة الدخل بنسبة 3٪ فقط. فمن يستطيع أن يشكك في أن العالم يمر بتحول عميق؟ إن سرعة تقارب المداخيل عند كل فرد سوف تؤدي إلى تفاوت هائل في النمو ما بين الاقتصاديات المتقدمة والاقتصاديات الصاعدة.
آسيا هي الأكثر ديناميكية
إذا نظرنا بالتفصيل إلى نمو الاقتصاديات الصاعدة، فإننا سوف نلاحظ أن آسيا هي المنطقة الأكثر ديناميكية، وقد كانت الأقل تأثرا بالأزمة العالمية للعام 2008 و2009. ولا يوجد سوى جنوب الصحراء الإفريقية فقط هي التي تقع وراء المعيارين المذكورين. أما أميركا اللاتينية، وأوروبا الوسطى والشرقية، فهي الأقل نشاطا والأكثر عرضة للصدمات الخارجية.
فماذا نفعل الآن إذن؟ كما لاحظ معهد التمويل الدولي -الذي يضم عددا من المؤسسات المالية العالمية- في تقريره الأخير عن مراقبة رأس المال، فإن "القضية الرئيسية في العام 2012 هي معرفة ما إذا كان الطرفان المقاومان لصدمة النظام الاقتصادي العالمي -اقتصادات الأسواق الصاعدة، وقطاعات المؤسسات غير المالية- قويّين بما يكفي لتخفيف الكامن المحتمل من مخاطر الائتمان على الاقتصادات المتقدمة".
فعلى غرار ما نلاحظه بالنسبة للاقتصادات المتقدمة، فإن الاجماع على التوقعات لهذا العام ما انفك يتدهور منذ بداية العام 2011. وقد ظل الخبراء حتى شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي يقدّرون أن الصين سوف تشهد خلال العام 2012 نموا بنسبة 8.3٪ ، بينما ستشهد الهند نمواً بنسبة 7.5٪. وليس من المستغرب، لا سيما بسبب الأخطار التي تهدد الآن منطقة اليورو، أن تُظهر الأرقام انخفاضا في النمو، أعلى نسبيا في أوروبا الوسطى والشرقية. أما الآفاق المستقبلية بالنسبة لأميركا اللاتينية –ولا سيما البرازيل- فهي أكثر قتامة مما كانت عليه قبل عام واحد.
ما هي المخاطر، سواء في حال ارتفاع القيم، أو في حال انخفاضها؟ إن المخاطر بالنسبة للاقتصاديات الصاعدة الرئيسية قد تكون ضعيفة، لأنه من المتوقع منذ الآن أن تسجل بالفعل أداء جيداً في نموها الاقتصادي.
لا شك بأن الصين قد تشهد نموا بنسبة 10٪، وأن الهند قد تشهد بدورها نموا بنسبة 9٪. لكن هذا لن يشكل مفاجأة كبيرة لأن منطقة العالم الصاعدة التي يمكن أن تُحدث المفاجأة على المستوى الإيجابي (الصاعد)، هي أوروبا الوسطى والشرقية، شريطة أن تخرج منطقة اليورو بوضع أفضل مما نخشاه اليوم.
على المستوى السلبي (الهابط)
احتمالات حدوث المفاجأة على صعيد انخفاض القيم تُعد احتمالات أكثر دلالة، ولا سيما فيما يتعلق بالصين التي أصبحت قاطرة الاقتصاديات الصاعدة الأخرى، خاصة بالنسبة للبلدان المصدرة للمواد الخام. ولعل ذلك هو ما ترغب أسواق الأسهم في أن تُعبّر عنه، نظرا لمؤشرات الانخفاض الحاد في هذه الأسواق، وهي المؤشرات التي تمت ملاحظتها منذ صيف العام 2011. إن أسواق الاقتصاديات الصاعدة هي أسواق متقلبة على وجه الخصوص: بعضُها كازينوهات حقيقية.
فما هي إذن مخاطر تخفيض القيم التي يمكن اعتمادها فيما يتعلق بالبلدان الصاعدة الكبرى؟ إن جزءا من ضعف هذه البلدان يأتي من النمو ذاته. فالتنمية تجعل أي مجتمع أكثر ديناميكية، وأفضل ظروفاً، وأفضل تعليما، وأفضل اطلاعا. وهكذا، فإن ثورة التطلعات الشعبية هذه، المتضافرة مع وجود تكنولوجيات جديدة في المعلومات، تميل اليوم إلى تقليل تسامح السكان تجاه الحكومات، بما في ذلك في أي دولة خاضعة لحكم الحزب الواحد.
وبالإضافة إلى ذلك، نلاحظ أن أي تنمية سريعة تكاد تكون غير متوازنة في غالب الأحيان. والصين ليست استثناء على أي حال. فقد وصف رئيس الوزراء الصيني "وين جياو باو"، الاقتصاد الصيني بأنه "غير مستقر، وغير متوازن، وغير منسّق، وفي نهاية المطاف غير مستدام". ومن بين التحديات المطروحة أنه ينبغي إدارة الانتقال من نمو تديره الاستثمارات إلى نمو مدعوم بالاستهلاك، والتحكم في عواقب "الفقاعات" العقارية الهائلة.
وبالإضافة إلى ثغرات الضعف الداخلية هذه، فإن الاقتصادات الصاعدة تخضع لعوامل الضعف الخارجية أيضا. ولعل أكثرها وضوحا في هذه اللحظة هو احتمال أن تنفجر في البلدان ذات الدخل المرتفع أزمة خطيرة يكون منشؤها في منطقة اليورو ذاتها.
انعزالية اليمين الأميركي
إن تركيبة من الأخطاء السيادية، ومن الخسائر المصرفية، بل وحتى خروج بعض أعضاء منطقة اليورو الأساسيين، سيجر بالتأكيد إلى الكثير من الاضطرابات الخطيرة. وإنْ حدث مثل هذا الأمر، على الرغم من ضعف احتمال ذلك، فسيصبح الاقتصاد العالمي المفتوح مهددا بالخطر، وليس من قبل أوروبا وحدها. فقد يؤدي المزاج الانعزالي الذي يتميز به اليمين الأميركي من جديد إلى عودة ظهور النزعة الحمائية التي كانت أميركا تنتهجها في الماضي.
إن القدرة على الحصول على الموارد الأساسية بأسعار في متناول الجميع هي أمر أساسي للاقتصادات الصاعدة. ومن أهم المميزات الرئيسية الجديدة في الاقتصاد العالمي أنه، على الرغم من النمو البطيء في البلدان ذات الدخل المرتفع، فإن المواد الخام فيها باهظة الثمن أيضا. ويتجسد هذا الوضع في التحول الذي يشهده نمط النمو الاقتصادي العالمي. إن أي صدمة عنيفة تصيب السوق البترولية ستكون لها انعكاسات مدمرة للغاية. وبالنظر إلى الأحداث الجارية في منطقة الخليج، فإن هذا الاحتمال وارد ولا شيء يكذبه.
ولكن، علينا عدم نسيان أن الدول الصاعدة تحتفظ بفرص قوية للحاق بركب مستويات إنتاجية البلدان ذات الدخل المرتفع. فقد كان الدخل الحقيقي للفرد الواحد في الصين، في العام 2010 أكثر بقليل من خُمس دخل الفرد في الولايات المتحدة، ودخلُ الفرد في الهند أقل من العُشر. لكن هذه البلدان مستمرة في الاستفادة مما يسميه عالم الاقتصاد "ألكسندر جيرشينكرون" باسم "مزايا التخلف". فالآن، وقد انطلقت هذه البلدان في طريق النمو، هناك فرص جيدة تواصل هذه البلدان استثمارها بسرعة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من هذه البلدان تملك قدرة كبيرة على استيعاب الصدمات: احتياطيات أجنبية ضخمة من العملات الصعبة، وأموال عامة قوية، ومواقف خارجية مساعدة ومشجعة. وفي جميع هذه المجالات الثلاثة، تظل الصين هي الحصن المنيع. فهي تنطوي على مزيج من إمكانات النمو، واقتصاد ديناميكي، مع توفر الضمانات التي تجعل من المرجح أكثر أن يصبح النمو السنوي سريعا في الصين، على الأقل في المدى القصير. أما على المدى البعيد، فقد تصبح الصدمات السلبية الكبيرة ممكنة جداً.
وثمة مسألة مهمة أخرى، وهي معرفة ما إذا كان النمو في البلدان الصاعدة يمكن أن يُخرج  البلدان ذات الدخل المرتفع من سباتها الحالي. والإجابة هي: كلا! إن معظم النمو في البلدان المتقدمة ما يزال يأتي من الطلب المحلي، وسيظل كذلك، لكن الاستمرار في إعادة بناء توازن التصور الحالي للفائض والعجز في الحسابات الجارية، من شأنه أن يصبح عاملا مساعدا بالتأكيد. فالبلدان الصاعدة لن تكون قادرة على دفع البلدان ذات الدخل المرتفع على مسار النمو السريع. وسوف يتعين على هذه البلدان أن تخرج من الأزمة بالاعتماد على وسائلها وقدراتها الخاصة، أولا وأخيرا!

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: L'Asie, locomotive incertaine

التعليق