لماذا تصعد بريطانيا العقوبات على إيران؟

تم نشره في الثلاثاء 10 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً
  • باراك أوباما وديفيد كاميرون يتبادلان الأنخاب على هامش قمة العشرين -(أرشيفية)

سايمون جنكينز-(الغارديان)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
كان كيبلينغ محقاً عندما قال "الكلب يعود إلى قيئه، وتعود الخنزيرة إلى حمأتها، ويعود إصبع الأحمق المحروق المضمد مرتجفاً إلى النار". ولقد خرجت بريطانيا من العراق وهي تتلهف للخروج من أفغانستان. وإذن، لماذا ترانا نهيئ أنفسنا للقتال ضد إيران، ذلك البلد الفخور ذي الخمسة وسبعين مليون نسمة، والذي لا نستطيع أن نذهب لحرب ضده إلا إذا كنا قد أخذنا إجازة من عقولنا؟
هل يعتقد أي من قادة بريطانيا فعلاً بأن فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية سيوقف البرنامج النووي لإيران؟ لا أستطيع تصديق ذلك؛ فالعقوبات لم تطح بصدام حسين ولا بسلوبودان ميسولوفيتش ولا بمعمر القذافي: لقد أفضت إلى الحرب. وما تزال العقوبات مفروضة على إيران منذ 33 عاماً لأنه لم يكن ثمة شيء آخر لعمله. ولم تؤت العقوبات أكلها وهي بالتأكيد تجلب نتائج عكسية من حيث تعزيزها لحكم الأوتوقراطية.
أعلنت واشنطن عن فرض عقوبات تجارية ومالية على إيران، وإدراج اسم أي طرف يتعامل تجارياً معها في القائمة السوداء. ومع اقتراب إجراء الانتخابات، على الرئيس أوباما أن يظهر للوبي الأميركي المؤيد لإسرائيل أنه شديد في مكان ما في الشرق الأوسط. ويجب على الاتحاد الأوروبي أن يقرر هذا الشهر ما إذا كان سيتواطأ مع الولايات المتحدة في هذه اللعبة الخطيرة، ويحظر بالتالي صادرات إيران النفطية. وكان التهديد حافزاً كافياً لحمل طهران على إجراء تجربة على صواريخ متوسطة المدى في منطقة الخليج، كما وعلى إقدام الرؤوس الأكثر شراسة لديها بإطلاق الغمغمات عن إغلاق مضيق هرمز، لتحجب بذلك ثلث كميات النفط العالمي المحمول بحراً.
لعل هذه الصلصلة بالسيف -في غمرة الكساد- هي ضرب يتجاوز الحماقة وراءً. ولم يسبق لأي أحد أن أبدى شكاً، على نحو جاد، بأن حكومة إيران المحاطة بقوى مسلحة نووية أو بقوات مصطفة نووياً، ستسعى يوما ما إلى الاستحواذ على مقدرة مشابهة. وغني عن البيان القول إن طبيعة الأنظمة ذات المصادر الجيدة، لكن غير الآمنة، هي أن تتوسم الراحة في "السلاح المطلق". ويبدو من دون حساب أن أي قوة نووية لم تخض أي حرب، حتى لو أحست بأن هذا السلاح قد واجه التهديد. ولم يكن ذلك عاملاً في كوريا أو فيتنام أو جزر الفوكلاند (مالفيناس) أو القوقاز أو كشمير أو في عدة نزاعات في الشرق الأوسط. والمرة الوحيدة التي بسط فيها احتمال استخدام هذه الأسلحة على "طاولة البحث" كانت حول كوبا في العام 1962 (أزمة خليج الخنازير) -وفي تلك المرة، ربما يكون ذلك قد ساعد على منع اندلاع الحرب.
قد يقول أي أحمق إنك لا تستطيع أن تكون حذراً جداً. إنه شعار سباق التسلح. ولذلك الوازع ترى إسرائيل تمتلك المقدرة النووية، وهو الوازع نفسه الذي من أجله تريد إيران الحصول على السلاح النووي. وقد تفضي ضربة جوية وقائية إسرائيلية للمفاعلات النووية الإيرانية إلى تأجيل عملها، لكن من شأنها أن تجعل من اندلاع الحرب أمراً حتمياً في نهاية المطاف. وكنت لأفضل لو أنه لم يكن لدى إيران مثل هذه الصواريخ، لكن من الصعوبة بمكان بالنسبة لبريطانيا القول بمتى تطالب إيران "بالحق" في امتلاك صواريخها الخاصة. وفي هذه الحالة، فإن ما يهم هو تجنب التصعيد واللهجة الحربية البوقية التي تجعل بعض القادة الغربيين عرضة إلى "حتمية" الحرب.
لعل السؤال الوحيد بالنسبة للغرب طيلة العقود الثلاثة الأخيرة ما يزال هو كيفية الرد على القيادة المتشددة لإيران، والأكثر حداثة، توقها للحصول على وضع نووي. وما يزال الجواب غير ملائم بشكل مخيف. إذ أفضت المحاولة لتنصيب أنظمة مؤيدة للغرب في العراق وأفغانستان إلى حمل الغرب على قلب ميزان القوى الذي أسسته الحرب بين العراق وإيران ونظام طالبان- الباكستان في كابول. وراهناً، فإن احتلال العراق قد أمن لطهران نفوذاً غير مسبوق في بغداد. كما أن نفوذها يتغلغل عميقاً في غربي أفغانستان فيما يتردد أن دعمها لحركات المقاومة في المشيخات الخليجية آخذ في النمو مع العام. فأين هم اختصاصيو الشؤون العربية المشهورون في وزارة الخارجية؟
تشير التجربة الطويلة للعقوبات إلى أنها تجذب القوى التي تفرض العقوبات نحو المجابهة. ذلك أن فرض هذه العقوبات هو مقدمة إما لإطفاء جذوة الحرب، أو لإشعال فتيلها. فهي تحارب النظام الضحية وتسوق القوة والأموال لكوادره الحاكمة. وفي طهران، كما في طرابلس وبغداد في التسعينيات (من القرن الماضي)، لم تطح العقوبات بأي أحد، بل على العكس، جعلت الحكام والجنرالات أغنياء أثرياء. ولم تفقر الفقراء وحسب، وإنما أيضاً التجار والطبقات الحرفية، منكرة عليهم التواصل مع العالم الخارجي. وقد عجلت من وتيرة هجرة الطبقة الوسطى، وهكذا خفضت حجم ومدى التعددية والمعارضة السياسية.
وكانت المصادر الحكومية قد رفضت في عطلة نهاية الأسبوع كل هذه التجربة. مدعية أن من شأن فرض عقوبات أشد "التعجيل بالانهيار الاقتصادي وتعميق الشقوق في داخل النظام في إيران، على أمل أن الأصوات الأكثر عقلانية ستعتبر أن ثمن حيازة الأسلحة النووية قد أصبح مكلفاً جداً". وهذا يفند الفكرة الخاطئة القائلة إن الدول التوتاليتاريانية (حكم الحزب الواحد) تتفاعل مع الضغط الاقتصادي كما قد تجنح الديمقراطيات. لكن العقوبات لا تبادر إلى هذه العملية، فهي تبني أسواراً وحسب. وفي الأثناء، فإننا نلهب المجتمع العلمي في إيران من خلال ما يبدو أنه تبنٍّ لسياسة الاغتيال السري كطريقة لإعاقة برنامجها النووي.
إن الفكرة التي تقول إن أي أمة تصبح أكثر عرضة للانهيار عندما تهدد من الخارج لا تعدو كونها فكرة عبثية. ويستطيع مراقب متعقل افتراض أن كل تصريح من واشنطن ولندن راهناً، إنما يطلق لتعزيز رسوخ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في عرشه غير المكين. ويجب أن تفضي التهديدات الغربية إلى إنعاش الدماء الشابة للحرس الثوري في مقابل كبت المعارضة. وقد يتلقى المعارضون الدعم من جانب المهاجرين الإيرانيين، لكن الشتات نادراً ما يعتد به كمرشد موثوق به للسياسة في البلد الموطن.
يقال إن العقوبات الاقتصادية هي دبلوماسية الجبان الرعديد. إنها تزعم رفع سوية الموقف المعنوي، لكنها لا تعدو كونها طريقة منخفضة المخاطرة في الاستئساد على العالم. ويكمن الخطر في أنها تشجع لوبيات المتشددين لتصعيد الخطوات والإجراءات التي تفضي إلى نشوب الصراع المفتوح.
ربما يسأل أولئك الذين يحاججون ضد الحرب غير الضرورية ذلك السؤال الروتيني: "وعليه، ما الذي ستفعله؟"، وقد تعلمت منذ العام 1939 أن بريطانيا تحب أن ينظر إليها وأنها تفعل شيئاً ما، وأن البريطانيين مبرمجون للتوسط. وكانت هناك مناسبات في الأعوام الخمسين الماضية، عندما كانت بريطانيا محقة في إعلان الأعمال الحربية ضد دول أخرى -الفوكلاندز وكوسوفو وحرب العراق الأولى. ولكن، عادة ما يكون الجواب عن السؤال "ما الذي ينبغي عمله" حيال الأنظمة الأجنبية التي لا نقر بها هو بمنتهى البساطة؟، لا شيء.
في جزئها الأعظم، لا تعنينا شؤون الأمم الأخرى. وفي الأعوام الخمسة والعشرين الأخيرة، كانت بريطانيا في الغالب غير ذات جدوى في تقويم العالم -فقد ناضلت من أجل تدثير نفسها بالعلم الممزق للإمبراطورية بكلفة ضخمة، لكن بتأثير ضئيل وحسب. وكان من الأفضل، والأفضل كثيراً، الحفاظ على علاقات جيدة مع الدول الأخرى على أمل المساعدة على قضايا ندعي بأننا نكن لها الاحترام. أما بالنسبة لتوجيه ضربة عنيفة كلما دعت واشنطن إلى ذلك، فتلك هي الحماقة الأكثر إذلالاً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Why is Britain ramping up sanctions against Iran?

التعليق