أسباب أقل لتركيز اهتمام الغرب على الشرق الأوسط

تم نشره في السبت 7 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً
  • بترول الشرق الأوسط يجعله مطمعاً لنفوذ الغرب الصناعي - (أرشيفية)

وليام فاف* – (أول فويسز) 30/12/2011
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ثمة أسباب ثلاثة وجيهة فحسب، والتي تجعل من الشرق الأوسط الذي يقع في مركز الانتباه الدولي في بداية العام 2012، مهماً للولايات المتحدة والدول الأوروبية. وهذه الأسباب هي: الطاقة، والهجرة، وإسرائيل. وفيما عدا ذلك، لا يوجد أي سبب واضح لإيلاء هذه المنطقة اهتماماً أكثر من المناطق الأخرى في العالم، مثل أفريقيا وأميركا اللاتينية أو آسيا الغربية.
لكن هذه الأسباب نفسها أصبحت تضعف بقدر يعتد به في هذه الآونة. ففي المقام الأول، لم تعد الدول النفطية العربية في موقف شبه احتكاري، وهناك اليوم مناطق أخرى كثيرة تمتلك احتياطيات حالية ومستقبلية كبيرة من النفط والغاز الطبيعي، وهي تنتج بحجم تنافسي لما تحتاج إليه السوق الدولية المتنوعة والمفتوحة. وبذلك، لم تعد الولايات المتحدة بحاجة إلى الاعتقاد بأن "امتلاك" العربية السعودية أو أي دولة أخرى منتجة للنفط والدفاع عنها عسكرياً هي أمور ضرورية لأمن الولايات المتحدة. وكان العرب قد جربوا فكرة مقاطعة منتجي الطاقة لديهم للغرب بدوافع سياسية في العامين 1973-1974، ووجدوا أنها فكرة لا تجدي نفعاً. ومن المستحيل أن تنفع اليوم. وربما تتنافس شركات النفط الإيطالية والفرنسية والأميركية والبريطانية وغيرها اليوم على تأمين عقود النفط الليبي (أو العراقي)، لكن هذه المنافسة تجارية، وليست جيو-سياسية.
من جهة أخرى، تقع أوروبا الغربية تحت ضغوط كبيرة وجدية من جهة سكان حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا فيما يتعلق بالهجرة. وعلى أنها تترتب على ذلك عواقب اجتماعية وثقافية كبيرة، إلا أنها تجري إدارتها. وكان هناك ربط بين الهجرة والإرهاب الإسلامي -الذي يبقى في حد ذاته ظاهرة هامشية وعابرة وقابلة للاحتواء على الأرجح، لكنها ظاهرة عالجتها الحكومة الأميركية في فترة 11/9 وكذلك حكومات ما بعد 11/9، وما تزال تواصل معالجتها بشيء يشبه الهستيريا.
وأخيراً، يشكل الشرق الأوسط العربي والإيراني مركزاً لصراع عسكري محتمل بسبب المواجهة المستمرة بين إسرائيل وفلسطين على الأراضي الفلسطينية، فقط لأن الولايات المتحدة تلتزم بالدفاع عن إسرائيل من كل التهديدات، وبحيث تصادق بذلك ضمنياً على الاحتلال الإسرائيلي الذي يستمر في التوسع للأراضي الفلسطينية. وقد أصبح هذا الواقع الآن موضع سؤال في الولايات المتحدة، كما أن إسرائيل نفسها تتغير بطريقة تعمل على إضعاف هذا الارتباط.
فما هو بالضبط ذلك الشيء الذي "يستيقظ" الآن في الشرق الأوسط؟
إنه الناس. وهم يطلبون العدالة. ولكن، هل هم قادرون على خلق حكومات عادلة وحديثة؟
إن لدى الإسلام مشكلة ثيوقراطية، بينما لم تكن لدى الغرب المسيحي مثل هذه المشكلة؛ فقد تم الاعتراف للبابا والإمبراطور منذ وقت مبكر جداً بحيازة سلطة وشرعية منفصلة في وظائفها المميزة والمعروفة. وقد استند ذلك إلى كتاب المسيحية. لكن القرآن لا يسمح بمثل هذا التمييز في المقابل؛ فهو يعتبر النص الذي يمتلك كل الحقيقة عن المجتمع. وبذلك، يكون الطرف الذي يقدم الحقيقة هو القيادة الدينية، كما هو الحال في إيران اليوم.
في أعقاب هزيمة وانهيار الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، كانت هناك عدة محاولات لخلق حكومات علمانية حقيقية، والتي كان ينبغي أن تحل محل السلطة العثمانية. وكانت إحدى هذه المحاولات هي علمنة تركيا القسرية التي قام بها كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية. وقد شكل ذلك نجاحاً، وقام الجيش التركي بحماية طابع تركيا العلماني، لكنه ما يزال تحت ضغط القادم من القوى الدينية. وبالإضافة إلى ذلك تم بذل جهد آخر من جهة المثقفين السياسيين السوريين اللبنانيين والعراقيين (من المسلمين والمسيحيين على حد سواء)، الذين قاموا بتأسيس حركة البعث التي كان من المفترض أن تشمل جميع الطوائف في بلدانهم. لكن ذلك انحدر في السنوات التي أعقبت ذلك، إلى دكتاتورية عشائرية، طائفية أو عسكرية. ومما لا شك فيه أن صدام حسين الذي رحل، وبشار الأسد الذي يحتفظ بالكاد ببقائه في هذه الآونة، يمثلان آخر الصيحات اللاهثة للبعثية العلمانية.
كما كان هناك انقلاب عربي اشتراكي في مصر، قام به البكباشي جمال
عبد الناصر، وكذلك انقلاب قام به الضباط الثوريون في ليبيا، والذي منح إدارة الشؤون العالمية للعقيد الراحل معمر القذافي. لكن جهود العلمنة هذه فشلت أيضاً. ومن الناحية الأخرى، ما تزال الممالك: المغربية، والعربية السعودية، والأردنية، حية وقائمة حتى هذا اليوم، مع أنها تقوم بتقديم الحد الأدنى من الإصلاح السياسي، وهذا أمر بالغ الأهمية. إنها توحد الدين والسياسة بطريقة تقدم الاطمئنان للناس العاديين.
وهكذا، يكون السؤال الكبير حول الصحوة العربية هو ما إذا كان يمكن أن تؤدي إلى جلب نظم سياسية توفر الحرية لكل فرد في المجتمع. وفي حقيقة الأمر، كانت شعوب الشرق الأوسط الإسلامية تصارع هذه المشكلة منذ فترة طويلة قبل 2011-2012. ويبدو الناس هناك وأنهم يشتبكون مع المشاكل التي كان قد واجهها الغرب في حقب الإصلاح والإصلاح المضاد. ويمكنك القول إنهم يبحثون اليوم عن نموذجهم الخاص من حركة التنوير الأوروبية. وإذا كان هذا القياس صحيحاً، مع ذلك، فإن زمن المتاعب الإسلامية يكون قد بدأ لتوه، فحسب.
*كاتب، آخر كتبه هو: "مفارقة القدر الواضحة: مأساة السياسة الخارجية الأميركية".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Fewer and Fewer Reasons for the West to Fixate on the Mideast

التعليق