حرب العراق انتهت، لكن ستارة الختام لم تسدل بعد!

تم نشره في الاثنين 26 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • جنود أميركيون ينسحبون من العراق - (أرشيفية)

مايكل وير - (ذا ديلي بيست) 19/12/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

قيل لي إن حرب العراق قد وصلت إلى نهاية. ويبدو مما أقرأ وأسمع أن الحرب التي كانت قد بدأت في العام 2003 ستنتهي خلال أسبوعين قصيرين. ومتى ما عادت بضعة الآلاف من القوات الأميركية إلى الوطن نهائياً؛ وبمجرد أن ينتصف ليل رأس السنة الميلادية، فستحل تلك اللحظة المقدرة التي ينفد فيها حق أميركا في البقاء في العراق بموجب القانون الدولي.
ومع ذلك، فإنني ما أزال مشوشاً بعض الشيء. لأنه وفي مكان ما في داخلي، كقلب بين سائر القلوب، أعرف أن الحرب في العراق ربما لن تنتهي بالنسبة للبعض منا أبداً. في رأس السنة، أعرف أين سأكون. سيكون قدحي في يدي وأنا أنظر إلى واحدٍ من الشواطئ الأسترالية المفضلة، مستمعاً إلى الصاخبين على الرمل بينما تدق الساعة معلنة انتصاف الليل. ومع ذلك، فإنني أشك كثيراً في أنني سأكون متواجداً بالمقدار نفسه في بغداد. وفي الفلوجة؛ وفي الرمادي وتلعفر؛ وحلبجة؛ وفي العديد والعديد من الأماكن الأخرى.
ثم، ربما سأشهد السنة برفقة الكابتن شين سمز، الأب الشاب الفخور؛ ومع اللفتنانت إدوارد أيوان. وربما مع عمر، مترجمي القديم. وأبو عبدالرحمن أيضاً، الصديق الجيد وقائد التمرد. وسألعب مع ابنه الطفل لساعات مدركاً أن الطفل كان بالضبط في عمر ابني نفسه الذي تركته في الوطن. كان ذلك القائد في التمرد قد أنقذ حياتي ذات مرة. وربما أكون مع بول موران، رجل الكاميرا في التلفزيون الأسترالي الذي كان يكن حباً عميقاً لكردستان. وربما حتى مع الفتى الذي يبدو جدياً، والذي كنت قد شاهدته ذات مرة في مستشفى مدينة الصدر المحاصر. وأنا متأكد من أنه سيكون هناك المزيد. لأن هؤلاء ليسوا سوى قلة من موتاي في العراق. وقد عرفت بعضهم باعتزاز. أما الآخرون، فقد قابلتهم بعد الموت.
وغالباً ما أفكر أنه إذا كان ثمة شيء، فيجب علينا أن ننتحب على الحياة. على أولئك الذين خلفناهم وراءنا من دون أب أو أم. وأولئك الذين يجب أن يواجهوا الآن باقي أيامهم وهم يعيشون حرباً لا نهاية لها؛ مثل الشاب الذي تحدث معه ذات مرة النائب الراحل جون مورثا في مؤتمر صحفي في واشنطن العاصمة، بعد أن كان قد زار مستشفى عسكرياً. وقد فقد الفتى بصره وفقد كلتا يديه وهو يعالج القنابل الصغيرة التي تخرج من القنابل الانشطارية. وحافظت والدته على البقاء معتصمة عند سريره. ويقول مورثا إنه سألها: "هل هناك شيء ما أستطيع تقديمه لك؟"، وكان جواب الأم: "أحضر له وسام القلب الأرجواني". ولأنها كانت قنابل انشطارية "ودودة"، لم يحظ الفتى الذي تشوه على نحو سيئ بالشرف. وقال مورثا وهو يقف متسمراً أمام الكاميرات: "قلت لقائد الوحدة العسكرية: إذا لم تعطوه وسام القلب الأرجواني، فسأعطيه واحداً من عندي... فأعطوه قلباً أرجوانياً". وأحياناً عندما أسمح لخيالي بالتحليق، أتساءل عن الذي ينتظر ذلك المتقاعد الشاب، فما تزال جل حياته في قادم الأيام أمامه، من دون أيادٍ لتلمس، ومن دون عيون لترى.
تسرقني تلك القصة بطرق شاذة لأفكر بما يجب علي أن أواجه. وتلهمني شجاعة الفتى وعقيدة حب تلك الأم. وفي بعض أيامي السيئة، يدفعني التفكير فيهما إلى الإقدام على خطوة للأمام، وأن لا أسعى إلى نسيان كل شيء، حتى لو كان ذلك هو كل ما أريد فعله.
جرح في ليلة مرعبة في معركة الفلوجة في العام 2004 صديق عظيم عزيز كنت قد ارتبطت معه للأبد. لكنني حصلت له فقط عندما عاد إلى الولايات المتحدة على صورة له مغمسة بالقذارة وممزقة من تلك الأيام الطويلة التي قضيناها من دون نوم على أجنحة المعركة، وأنا أستخدم هاتفي النقال للاتصال بالوطن عبر الأقمار الاصطناعية. وقد سجلت قوله لزوجته وأم أولاده: "أحبك". وعندما عاد إلى الوطن، أعرب الوالدان عن القلق حول ما إذا كان صديقي سيصاب باللعنة، أو يصبح عدائياً لأنه كان في العراق. وأعتقد أن ذلك قد أربكه. إنه لم يستطع تصديق ذلك. وبعد كل شيء. فقد عاش بعد كل شيء. وبعد كل ما فعله من أجل الوطن. وهذا ما انتهى إليه المآل.
ذلك الصديق هو الرقيب ديفيد بيلافيا. وسواء كان مرتدياً الزي الرسمي أم لا، فمن الصعب أن تجد رجلاً أفضل وأكثر لباقة. وينبغي أن أعرف، لأنني أشعر بالفخر لدى القول إنني ساعدت على تسمية هذا الجندي غير المعقول لنيل وسام الشرف. وفي يوم عيد ميلاده التاسع والعشرين. وفي ليلة داكنة وقاتمة من ليالي تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2004، رأيته يفعل الأشياء الأكثر استثنائية، انطلاقاً من الحب، أو من الخوف أو من البسالة غير الاعتيادية.
في معركة الفلوجة، طلب من فصيله تفتيش قاطع معتم يضم بين 20 أو 30 منزلاً بأسوار عالية، كان قد هرب إليه ستة إلى ثمانية من أعضاء القاعدة، كما شوهدوا، وحيثما علقوا. وبدأت عملية التفتيش عند الساعة 7 مساء، منزلاً في إثر منزل، كلها كانت معتمة وفارغة بشكل يبعث على الاستغراب. ولم يستطع الفصيل الدخول إلى البيت رقم 20 حتى الساعة الواحدة صباحاً؛ حيث كان يعاني من الإعياء وقد جف لديه كل شيء سوى مجرد غريزة البقاء. وتم الدخول عبر البوابات الحديدية مروراً بالحديقة وكراج السيارة، ومن ثم إلى غرفة المعيشة. ولم نجد مقاتلي القاعدة إلا عندما استطاع جندي صغير غض العبور من باب إلى ردهة صغيرة تفضي إلى المطبخ والسلالم، التي تفضي بدورها إلى الطابق الثاني حيث وجدنا المكان الذي يكمن فيه مقاتلو القاعدة.
كان الزوج الأول من المقاتلين في الانتظار أسفل السلالم، متمترسين خلف أكياس رملية وحواجز من الطوب. كانوا مستعدين ومجهزين برشاش مغذى بحزام من الطلقات وببنادق وقنابل مدفوعة صاروخياً. وفي العتمة فتحوا النار علينا من مسافة قريبة.
كانت طلقات الرصاص تأتي حرفياً من الجدران. وقد تراجع الفتى إلى غرفة المعيشة. وشاهدنا لاحقاً فتحة طلقة اخترقت أسفل قميصه. ثم تم اصطياد الفصيل عن بكرة أبيه ولم يستطع التراجع إلا عندما قبض ديفيد على رشاش أتوماتيكي وتراجع إلى الردهة. وحينئذٍ خرج الفصيل من المنزل. وفي نهاية المطاف، توصلت وديفيد إلى اتفاق غير مكتوب. لا بد وأن يعود أحد ما إلى المكان، وسيكون نحن. وبينما كاميرتي الصغيرة تدور (وهي تصلح فقط للسمع؛ حيث كانت الإضاءة الوحيدة تأتي من ومضات الأسلحة التي تطلق علينا على بعد أقدام وحسب)، عزم ديفيد على قتل أولئك المقاتلين أو الموت دون ذلك. وقبل أن يستكمل العمل، كان القتال مستعراً وانتشر في عموم البيت: واختبأوا في الخزانات وفي السقف متلهفين على الموت وأخذنا معهم إله. وقال ديفيد لفريق توثيق أسترالي في العام الماضي: "لقد صعقنا كلنا. لقد كانوا مثل البعبع". ومع حلول ذلك الوقت، استطعت أخيراً تحويل كاميرتي إلى الرؤية الليلية ووثقت عملية جرنا لست جثث تعود لأولئك المقاتلين إلى خارج البيت وتكويمها على الرصيف. وزحف آخر كان مصاباً بجرح مميت وهرب من نافذة ليلقى حتفه.
وقد منح ديفيد وسام صليب الخدمة المميزة. ولكن، ما يجعلني أشعر بالاشمئزاز بينما أجلس هنا الآن مع أصوات تسجيلي وهي ترعد من حولي؛ بينما الرشاشات تئز وأنا وديفيد نومئ لبعضنا بعضا وقد تقطعت أنفاسنا، لأن صديقي لم يمنح وسام الشرف. ولدي الكثير من العمل غير المستكمل من الحرب، ويجب علي أن أكمله قبل أن أستطيع تعليق الأمل على أن تنتهي الحرب ورؤية ديفيد وقد منح ذلك الوسام.
لكن ما تزال هناك نصف دزينة أو نحو ذلك من العائلات التي يتوجب علي أن أنقذها من العراق: أولئك الذين ينتمون لفصيلي، وكل أولئك الذين سيتعرضون للموت لو كشف أمر أنهم عملوا لصالح أجنبي مثلي. وثمة الكثير جداً من المواضيع التي تتعلق برعاية المتقاعدين، سواء هنا في أستراليا أو في الولايات المتحدة، والتي لم أرفع صوتي للحديث حولها بعد. وثمة ليالي النوم الهادئة التي ما يزال علي أن أجدها بعد. وكما يأمرني الجنرال جورج أس. باتون، فإن ثمة الكثير من الحيوات التي ما يزال علي بعد أن أشكرها لأنني بقيت على قيد الحياة.
لكن الحرب، كما يقولون لي، توشك على النهاية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Iraq war Is over ,closure Is Yet to come

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق