الديمقراطية في مسقط رأس جماعة الإخوان المسلمين

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • جنود مصريون أمام ملصق انتخابي لمرشح إسلامي - (أرشيفية)

نيكولاس كريستوف – (نيويورك تايمز) 10/12/2011

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

الإسماعيلية، مصر– عندما كتبت على "تويتر" قبل أيام أنني كنت أتناول العشاء مع أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين هنا في مصر، أرسل الأصدقاء رسائل على التويتر أيضاً، تعبر عن القلق على سلامتي.
ويبدو أن العديد من الغربيين (وبعض المصريين الليبراليين)، ينفرون صراحة من صعود الإخوان المسلمين والإسلاميين الآخرين الأكثر تطرفاً، المعروفين باسم السلفيين في الانتخابات المصرية. وحتى أفهم لماذا فازوا بنحو ثلثي الأصوات، ذهبت إلى هذه المدينة الواقعة على قناة السويس، الإسماعيلية، حيث تأسست جماعة الإخوان المسلمين في العام 1928.
المؤشر الأول على سبب نجاح الإخوان: أن مكاتبهم هي وكالات للخدمات الاجتماعية. كان المواطنون يتقاطرون لطلب البطانيات لفصل الشتاء، والجماعة تزودهم بها -إلى جانب كتيبات ومنشورات الحملة الانتخابية. وقد طلب العديد من الناس المساعدة في دفع الفواتير الطبية، وحصلوا عليها. وفي المساء، جاءت النساء لتلقي درس مجاني عن العلوم. واعترف أحمد قناوي، وهو نفسه عامل اجتماعي لم يكن قد قرّر بعد لمن سيصوت: "إنهم يقومون بنشاطات اجتماعية جيدة".
تحصل الأحزاب الإسلامية على المال لتقديم هذه الخدمات الاجتماعية جزئياً من العشور الدينية التي يقدمها المسلمون الورعون. ولا يبدو أنصار الأحزاب العلمانية كرماء بقدر مشابه حين يتعلق الأمر بنقودهم. وبنفس الطريقة، تتواجد الجهات السلفية في كل مكان في الأزقة الخلفية بطريقة لا تتواجد بها الأحزاب العلمانية.
تقول سماح عبد الكريم، وهي مدرسة عمرها 25 عاماً، والتي قالت إنها تدعم السلفيين: "الأطراف الأخرى، لا نراها. أو إذا رأيناهم، فإن ذلك يكون فقط خلال موسم الانتخابات". وقد سألتها عما إذا كانت الأحزاب السلفية ستحدّ من حرية المهنيات من أمثالها، فبدت عليها الحيرة. وقالت: كلا، إن السلفيين جيدون مع المرأة لأنهم يساعدون النساء المحتاجات.
وقد عكس ذلك ثيمة مشتركة: إن الناس لا يصوتون للأحزاب الإسلامية لأنهم يريدون القمع الديني من الطراز الوهابي أو الإيراني. لكنهم يصوتون للأحزاب الإسلامية لنفس السبب الذي جعل الألمان يدعمون الحزب الديمقراطي المسيحي، أو الذي جعل الأميركيين الجنوبيين يفضلون المسيحيين المحافظين: إنه يُنظر إلى المرشحين الورعين على أنهم يعكسون القيم التقليدية.
يقول عبد الوهاب سيد جمال، وهو متطوع في مجموعة مستقلة لتثقيف الناخبين: "يشعر الناخبون بأن الأحزاب العلمانية في الماضي كانت فاسدة، ولم ترفع مستويات المعيشة. ويعتقد الناس بأنه إذا كان المرشحون يخشون الله، فإنهم لن يأخذوا رشاوى". ويضيف: "سعر السكر، وسعر الأرز –هذا هو ما يهتم به الناخبون. وإذا تمكن الإسلاميون من فعل شيء إزاء ذلك، فإنهم سوف ينجحون. أما إذا لم يستطيعوا فعل شيء، فسيسقطهم التصويت في الانتخابات المقبلة. لا نريد أن ينتهي بنا المطاف لنكون مثل الصومال".
كان بعض قادة السلفية قد أصدروا بيانات متطرفة –تقترح أن النساء والمسيحيين غير لائقين ليكونوا قادة، وتثير تساؤلات حول معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل، وتشجب الأديب المصري الكبير الحائز على جائزة نوبل في الأدب، نجيب محفوظ، لمساسه بالمقدسات. لكن الناخبين الذين تحدثت إليهم كانوا أكثر اعتدالاً. وقال البعض منهم إنها لا تعجبهم فكرة إقامة دولة إسلامية أو اعتماد بعض مبادئ الشريعة الإسلامية، لكن المعظم نظروا إلى هذه الأمور على أنها رمزية، شيء مثل عبارة "بالله نثق" المنقوشة على قطع العملة الأميركية.
وبدا الكثيرون ساذجين ومنعزلين بشكل مذهل، غير قادرين على فهم السبب في أن الأقلية المسيحية في مصر تبدو عصبية في أعقاب الهجمات على الكنائس. وقد أصر المسلمون المحافظون على أن جماعة الإخوان المسلمين غير تمييزية، وأنها الموئل المثالي للمسيحيين الورعين -وشريك رائع للغرب.
وقال أيمن هشام، وهو سلفي عمره 24 عاماً، وقد بدت عليه أمارات حيرة حقيقية: "ما الذي يخاف منه الغرب؟" وقال إن العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ستستمر بدون تغيير تحت الحكم السلفي، وأن العلاقات مع أميركا ستتعزز.
كانت مترجمتي في الإسماعيلية امرأة شابة مصرية-أمريكية ترتدي الملابس الأميركية ولا تغطي شعرها. ولذلك، سألت بعض المحافظين عما إذا كان عليها أن تغطي نفسها إذا سيطرت الأحزاب الإسلامية على مصر.
"هذا قرار يعود إليها"، قال الدكتور هشام الشولي، وهو أحد مرشحي الإخوان المسلمين للبرلمان. وأضاف: "إن الدولة لن تملي كيف ينبغي أن يعيش الناس". (كان أحد السلفيين قد اقترح أن بوسع الدولة استخدام بعض "الإرشاد"، فيما هرب اثنان من السلفيين الآخرين مرعوبين من فكرة إجراء مقابلة مع كافر وامرأة).
في كثير من الأحيان، لا يثق العلمانيون المصريون بتأكيدات الأحزاب الدينية. وهم يشعرون باليأس، وقد وجدوا أنفسهم عالقين بين جيش ذي نزعة دكتاتورية، وحركة دينية محافظة تكسب أصوات الناخبين.
وفي رأيي، هناك أسباب معقولة للقلق، ولكن دعونا لا نبالغ في الأمر. دعونا نتذكر أيضاً أن الجيش المصري يظل يمثل قوة للعلمانية. وهناك فرصة معقولة لأن يتم انتخاب رئيس أكثر علمانية مثل عمرو موسى، وزير الخارجية السابق والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، والذي سيعمل على تحقيق التوازن مع الأحزاب الدينية في البرلمان.
غالبا ما تعكس مخاوفنا عفاريت عقولنا الخاصة. فطوال جيل كامل، كنا مرعوبين من القوميين العرب العلمانيين، مثل جمال عبد الناصر الذي حكم مصر في الستينيات. وقد ثبت أن تلك المخاوف من العلمانيين كان مبالغاً فيها. وأعتقد أن الأمر نفسه ينطبق على المخاوف بشأن الأحزاب الإسلامية في مصر اليوم.
على أي حال، تظل الديمقراطية خطوة إلى الأمام، حتى عندما يخيّب الناخبون آمالنا. وقالت لي رنا عبد الحي، وهي طالبة في الثامنة عشرة من عمرها، إنها لن تصوت أبداً لصالح مرشح للإخوان المسلميين أو للسلفيين. لكنها أضافت بحكمة:"هذه هي الديمقراطية الآن. علينا أن نحترم الذي يختاره الآخرون، حتى لو كانوا يذهبون إلى الخيار الخاطئ".
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Democracy in the Brotherhood’s Birthplace

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق