قصف إيران هو آخر خيارات إسرائيل الآن

تم نشره في الأحد 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • التنافس النووي هو عنوان الصراع الحالي بين إسرائيل وإيران - (أرشيفية)

كاميل غراند* - (لوموند) 17/11/2011

ترجمة: مدني قصري

أثارت التطورات الأخيرة حول البرنامج النووي الإيراني، جدلا واسعا في داخل إسرائيل، حول ملاءمة أو عدم ملاءمة القيام بضربات عسكرية، من خلال تصريحات كبار المسؤولين في البلاد. غير أنه إذا كان هذا الجدل ليس جديداً، فإنه يتخذ اليوم طابعا خاصا في سياق التقرير الجديد للوكالة الدولية للطاقة النووية الذي يؤكد، باستناده إلى عناصر مادية جد قوية، وجد دقيقة، الغايات العسكرية للبرنامج النووي الإيراني.
في هذا الصدد، يدور الجدل الإسرائيلي حول الخيار العسكري في أجواء تختلف اختلافا جذريا عن الأجواء التي يمكن أن تطفو أحيانا في الولايات المتحدة الأميركية، أو في دول أوروبا. فبالنسبة للدولة العبرية، يظل التهديد النووي الإيراني ذا طابع وجودي. ويستند هذا التصور إلى حقائق جغرافية لا جدال فيها، إذ يقع مجموع الأراضي الإسرائيلية اليوم في متناول الصواريخ الإيرانية. وكما قال مسؤول إيراني عالي المستوى فإن "إسرائيل بلد قنبلة نووية واحدة". ويعني ذلك أن ضربة نووية واحدة على الأرض الإسرائيلية سيكون لها عواقب مهولة. ثم إن التهديدات المتكررة التي يوجهها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى إسرائيل، تضفي على هذا التهديد واقعا ملموسا جدا. وأمام وجود خطر حيوي على الأمن القومي، فإن النقاش القائم حول أفضل رد ممكن يبدو نقاشا مشروعاً.
ولكن، هل باتت فرضية الضربات الإسرائيلية محتملة حقا على المدى المنظور؟، وهل هي قابلة للتصديق حقا؟ فيما يتعلق بمصداقية التوجه العسكري الإسرائيلي، لا بد أوّلا من الإشارة إلى أن إسرائيل سبق وأن شنت هجومين جريئين بذريعة الدفاع من أجل عدم انتشار الأسلحة النووية. ففي العام 1981 كشف قصفُ إسرائيل للمفاعل العراقي أوزيراك (الذي بنته فرنسا) عن البرنامج النووي العراقي، بضرب الموقع الأكثر عرضة للقصف. وحسب الإسرائيليين، فقد أخّر هذا القصف تقدم البرنامج النووي العراقي لسنوات عديدة. وقد أكدت عمليات التفتيش التي قامت بها الوكالة الدولية للطاقة النووية، في أعقاب حرب الخليج الأولى (1991) واقع التطلعات النووية العسكرية لصدام حسين. وفي أيلول (سبتمبر) 2007، وبدون أن يؤكد الإسرائيليون ذلك بصورة رسمية، حتى وإن كانت مسؤوليتهم لا تثور حولها أي شبهة، ضرب الطيران الإسرائيلي المفاعل النووي السوري، لتكشف إسرائيل بذلك للعالم عن وجود برنامج نووي سري تنفذه دمشق بمساعدة كوريا الشمالية، وهو البرنامج الذي ما يزال خاضعا لتحريات مكثفة من قبل الوكالة الدولية للطاقة النووية.
لا شك أن دروسا كثيرة يمكن استخلاصها من هذه التجربة الإسرائيلية المزدوجة الناجحة. فعسكرياً، استطاع الطيران الإسرائيلي أن ينفذ عمليتين معقدتين، بدون خسائر ولا أضرار كبيرة. وسياسياً، لم تؤد الضربات الإسرائيلية إلى صدور ردود فعل سياسية أو عسكرية ذات دلالة، بل وكانت العمليتان موضوع تأييد خفي من بلدان المنطقة نفسها، أو أبعد من ذلك. وإذا لم تؤدّ هذه الضربات، إلى إنهاء مسألة الطموحات النووية العراقية والسورية بشكل نهائي، فقد أخّرت فعالية هذه البرامج، وكشفت للجميع عن طموحات هذين البلدين، وحققت الهدف الاستراتيجي المنشود.
فهل يمكن أن يطبَّق هذا النموذج على إيران؟ يناقش الخبراء هذا الموضوع بحيوية في إسرائيل، وفي أماكن أخرى أيضا. فمن الناحية التقنية، ستكون عملية من هذا النوع في إيران أكثر صعوبة وتعقيدا بسبب كثرة المواقع النووية التي يقع معظمها تحت الأرض، والتي لا تُعرَف قائمتها الكاملة. ومن الناحية الجغرافية، فإيران التي تقع على مسافة بعيدة تمتلك وسائل دفاعية أرض جو، وقدرات ردع متنوعة، من صواريخ، وإرهاب، وتحريض لحلفاء طهران (حزب الله، حماس..)، بالقرب من إسرائيل. أما سياسيا فالكثير من المعلقين يخشون من عواقب استراتيجية خطيرة قد تنشأ نتيجة لصراع جديد في الشرق الأوسط، عندما تُقْدم دولة غربية على ضرب دولة إسلامية. ثم لا بد أيضا من أن لا يغيب عن أذهاننا أن أي عملية إسرائيلية ضد إيران سوف يكون هدفها محدودا، ولن يكون طموحُها حل المشكلة نهائيا، بل ربح الوقت ليس إلا.
لكن، هل مثل هذه العمليات باتت محتملة ووشيكة؟ بالتأكيد لا. فالإسرائيليون مرتاحون لصرامة التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة النووية الذي لا يخفي الطموحات العسكرية الإيرانية، المتناقضة مع لغة الحقائق التي نُشرت في التقرير السابق في عهد المدير العام السابق للوكالة في فيينا، المصري محمد البرادعي. فإسرائيل تتمنى بحماس أن يتيح التقرير سلسلة جديدة من العقوبات المكبلة لإيران. وفي هذا الصدد من الممكن أن يكون الجدل العام غير الاعتيادي الذي يجري في إسرائيل حول الخيار العسكري منذ الأسابيع الأخيرة، قد أدى إلى هدف دبلوماسي، وهو تنبيه المجتمع الدولي بأن إسرائيل تتمنى أن يظل الملف النووي الإيراني يحظى بالأولوية الكاملة.
وفي النهاية يبقى الحل العسكري في إسرائيل هو الخيار الأخير الذي ينبغي أن يستجيب لمعايير كثيرة، ومنها التأثير الملموس على البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يتطلب توفير معلومات دقيقة، وعملية جد معقدة (حتى وإن لم تشن إسرائيل ضربات جوية طويلة المدى)، وضوءًا أخضر أو حتى أصفر من الولايات المتحدة الأميركية، ثم التأكد من أن الطريق الدبلوماسي قد بات مسدودا، وعلى الخصوص اليقين بأن إيران بصدد اجتياز عتبة حساسة في برنامجها. فهذه الشروط ليست مجتمعة لحد الآن، وإسرائيل تتمنى، على غرار شركائها الغربيين، أن لا تقع في مأزق الخيار ما بين "قصف إيران والقنبلة الإيرانية"، كما جاء على لسان نيكولا ساركوزي.
في غضون ذلك سوف تواصل إسرائيل حملاتها الدبلوماسية، وأعمالها غير المشروعة التي تهدف إلى كبح البرنامج النووي الإيراني، عبر شن هجمات إعلامية (الموساد متهم ببث فيروسات Stuxnet  وDuqu، أو بالتصفيات الجسدية لمسؤولين عن الأنشطة النووية أو الباليستية الإيرانية).
وفي النهاية، تظل أفضل الفرص لتفادي الضربة الإسرائيلية ذات النتائج المشكوك فيها، وذات العواقب التي من الصعب التنبؤ بها، هي التعبئة الجادة للمجتمع الدولي الذي يبدو اليوم، بحكم التردد الروسي والصيني، متباطئا في تفاعله مع تقدّم البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يجعل قادة الجمهورية الإيرانية أنفسهم يعتقدون بأنهم يستطيعون الوصول إلى العتبة النووية، بدون أن يدفعوا في المقابل ثمنا سياسيا واقتصاديا باهظا.

*مدير المعهد الفرنسي للبحوث الاستراتيجية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
"Pour Israël, l'usage de la force reste pour l'heure la dernière option"

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لن تجرؤ (هاني سعيد)

    الخميس 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2014.
    لن تجرؤ إسرائيل على ضرب المفاعل النووي الإيراني ولو كان باستطاعتها لما انتظرت الى الآن ، ولم تستطع هزيمة حزب الله الدي يهددها لو فكرت في ضرب المفاعل النووي الإيراني - كلام جعجعة فقط ! وستزول إسرائيل بخطأ بسيط جدا وهو وارد