ما الذي تنتظره سورية من أوروبا؟

تم نشره في الأحد 16 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً
  • فتاة سورية تطالب بالحرية - (أرشيفية)

إيمانويل فالون، وفاروق ماردام باي *
(ليبيراسيون) 2011/10/12

ترجمة: مدني قصري

أكثر من 3000 قتيل، وعشرات الآلاف من الموقوفين، من بينهم أكثر من 15000 معتقل، ناهيك عن عمليات التعذيب والاختطاف والاغتصاب. لقد تجاوزت آلام الشعب السوري منذ وقت طويل عتبات ما يمكن احتماله. ويتحمل هذا الشعب الذي حُرم من النجدة العالمية مصائب مؤلمة. ولذلك، لا بد من تقديم المساعدة له على وجه السرعة، حتى لا تذهب التضحيات التي قدمها منذ آذار (مارس) 2011 أدراج الرياح. ولا شك أن فرنسا والاتحاد الأوروبي يتحملان مسؤولية خاصة في هذا الشأن.
بامتلاكه أدوات القتل والفساد معاً، أضحى نظام الأسد على استعداد لممارسة أقصى أساليب التطرف، حتى يحافظ على امتيازاته. وقد أصبح عملاؤه المتوحشون غير مبالين إزاء تأنيبات معلمي الفضيلة ودعاتها. وأصبحت التصريحات المُعبرة عن "القلق العميق"، والنداءات المطالبة بـ"ممارسة أقصى درجات ضبط النفس" تنفجر مثل فقاعات الصابون على أسوار فلل المسؤولين المحصنة. وفي المقابل، يظل القادة والجنرالات، والمصرفيّون، ورجال الأعمال، المرتبطون بالعائلة الحاكمة التي استولت على البلاد، مُعرضين للإجراءات الانتقامية التي قد تضرب مصالحهم. لكنهم ما يزالون لحد الآن في منآى عن كل هذه الإجراءات.
أما الأمم المتحدة فهي أمام طريق مسدود، مع الأسف! فلم يتوصل مجلس الأمن الذي تُطرَح عليه على التوالي مشاريعُ كثيرة -بعضها يطالب بضرورة إجراء الحوار رغم ردّ بشار الأسد بعد كل عرض، بتشديد القمع على شعبه، فيما يتذرع البعض الآخر من هذه المشاريع بخطر اتخاذ الإجراءات ضد سورية، وهي الإجراءات التي تؤجل في كل مرة، فيما الحصيلة تزداد يوما بعد يوم- قلت لم يتوصل مجلس الأمن إلى اتفاق لحد الآن حول أي قرار ملزم.
أما الفيتو المزدوج لكل من روسيا والصين؛ الدولتين المموّلتين لسورية بالأسلحة، والمُؤيدتين لحق الدول في التحكم في مصير حياة مواطنيها، فهو أمر لا غرو فيه. فمواقفهما الرجعية، بالمعنى الكامل للكلمة، ينبغي إدانتها علنا. فهُما، أوّلا، تناقضان "مسؤولية الحماية" التي كرستها القمة العالمية للأمم المتحدة العام 2005، والتي جاءت امتدادا للاتفاقية التي كرست في أعقاب الإبادة الجماعية في العام 1948، والتي تنص على أن سيادة الدولة لا يمكن التذرع بها بأي حال من الأحوال، لعرقلة تدخل المجتمع الدولي في حال حدوث إبادة جماعية، أو جرائم حرب، أو جرائم ضد البشرية. فالدولتان تكرسان الرؤية الشمولية التي عبّر عنها "جوزيف غوبلس" أمام عصبة الأمم العام 1933: "أيها السادة، كل فحّام سيدٌ في بيته. إننا نفعل ما نريد باشتراكيينا، ومُسالمينا، ويهودنا!". بعد ذلك، تعرقل هاتان الدولتان اندفاع الشعوب المتطلعة إلى الحرية والكرامة، من حول حوض المتوسط. وأخيرا، وربما كان هذا أخطر، وبدعوى الحيلولة دون انزلاق عسكري في الصراع، كما فعلتا مع ليبيا، يفتح دعاة اللامبالاة الطريق لمغامرات أكثر خطرا على السلام في الشرق الأوسط. برازيليا، ودلهي، وبريتوريا، عليها أن تعي هذه الحقيقة، وأن تنظر إلى التاريخ... وجها لوجه.
يواجه المجتمع الدولي، بالفعل، أربعة مخاطر كبرى، إنْ هو أحجم عن التحرك سريعا. أما الخطر الأول فقد تحقق بالفعل: إنه تصاعد العنف، وأعمال قتل المتظاهرين المسالمين، وقد رافق هذا التصعيد اغتيال شخصيات معتدلة، وقصف المدن المتمردة. أما الخطر الثاني فهو يتسع يوما بعد يوم  كلما ضاعفت السلطة استفزازاتها لإثارة مشاعر المسيحيين، وإثارة التوتر بين السنّة والعلويين، وإثارة النعرة العرقية بين العرب والأكراد: إنها المواجهات بين الطوائف والديانات. أما الشبح الثالث فهو احتمال انفجار حرب أهلية، حيث يُوجه عددٌ متنام من المنشقين أسلحتهم ضد السلطة. لكن خطرا رابعا يرتسم في الأفق، وهو تصدير الصراع. فإذا فشلت استراتيجية المصالح الاستخباراتية السورية في إثارة التوتر فسوف تكون على استعداد لزعزعة استقرار كامل المنطقة، بالتواطؤ مع الحلفاء والموالين. فما أكثر فضاءات الشجار، من إسرائيل إلى إيران، مرورا بلبنان، وتركيا والعراق. يكفي جذوة واحدة لكي تشتعل المنطقة!
فبكثير من النضج استطاع شباب لجان التنسيق، لحد الآن، أن يُبعدوا الرغبة في الانتقام. لكن، أيا كان مستوى يقظتها، فإن المقاومة لن تستطيع أن تتفادى الضربات القاسية من قبل النظام المتربص بها. فلا شيء أكثر خطرا من التخلي عن هذه المقاومة. إن معظم مكوّنات المعارضة الديمقراطية في الداخل، أو في الخارج، عرفت كيف تتوحد لكي تطالب الهيئات الدولية بأن تستعمل الوسائل المشروعة كافة لحماية السوريين من فظاعة قادتها. يجب على الاتحاد الأوروبي أن يدل الأمم المتحدة بلا تأخير، على الطريق الملائم، باستخدام أقسى العقوبات التي يمكن تطبيقها.
تجميد الأصول المالية، ومنع التأشيرات التي طالت اليوم أقل من ستين شخصية، ونحو عشرين مؤسسة، ينبغي أن تطال مجموع الشخصيات ذات الصلة مع المؤسسات التي تقع تحت مراقبة حزب الأسد. كما يبنغي أن يُدرج في هذه القائمة، كل المسؤولين في الهيئة التنفيذية، من مدنيين وعسكريين. وفضلا عن الحظر المفروض على المحروقات، والأسلحة، والبراءات، والمواد القابلة لمساعدة القمع، فقد حان الوقت لإلغاء التصدير في اتجاه سورية، للمنتجات والخدمات التي ليست ضرورية للسكان. أي لا بد من تقليص صارم لأنشطة الشركات الموالية للنظام. كما يجب أيضا إيقاف أنشطة عمليات هيئات القرض الأوروبية ذات الصلة مع هذا النظام.
 وإذا كان يجب تكثيف التبادلات الثقافية مع الفنانين والمثقفين السوريين في إطار غير حكومي، فإن التعاون الرسمي مع المؤسسات الحكومية السورية قد أضحى، في المقابل، غير أخلاقي في مثل هذه الظروف. وهكذا ينبغي أن تتوقف الشراكة بين متحف اللوفر والمتحف الوطني السوري، فورا.  لقد اقترفت أعمالٌ جديرة بأن توصف بالجرائم ضد البشرية: وتبرر هذه التصرفات إطْلاع المحكمة الجنائية الدولية بهذه الجرائم، والتحرك المستقل لكل هيئة قادرة على القيام بمتابعات قضائية ضد موظفي السفارات الذين، كما فعلوا في باريس، يسهمون في مطاردة المعارضين. فلا يسع أوروبا أن تنتظر مزيدا من تفاقم الأوضاع حتى تقدم مساعدتها لشعب يتعرض للخطر.
*أستاذ في جامعة باريس.
**ناشر وكاتب.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Syrie  qu’attend l’Europe ?

التعليق