بشار الأسد: هل هي نهاية اللعبة؟

تم نشره في الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً
  • مسيرة نسائية تطالب برحيل نظام الرئيس بشار الأسد في سورية - (أرشيفية)

بيتر لي* – (كاونتربنتش) 28/9/2011
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
يبدو باطراد وكأن اللعبة قد انتهت بالنسبة لبشار الأسد في سورية. وفيما ينطوي على مفارقة، يأتي ذلك رغم حقيقة أن بشار قد أظهر، على ما يبدو، أن النظام السلطوي يستطيع إذا ما تُرك له استعمال أدواته الخاصة، أن ينجز عملاً جيداً في سحق المعارضة المحلية العنيدة، خاصة إذا كان المتمردون يفتقرون إلى وجود ملاذ آمن، سواء في داخل البلد أو خارجه.
لكن ذلك الوضع ربما يكون على وشك التغيير؛ إذ تقود بعض الدول العربية وتركيا مجموعة القوى الإقليمية التي ترى تلاقياً واضحاً في المصلحة وزيادة في النفوذ بمجرد خروج نظام بشار البعثي من الصورة. وحتى مع ذلك، ولأن الحركة الشعبية في سورية محشورة في الزاوية وظهرها إلى الحِبال، فإن بوسعنا توقع تصاعد التدخل الإقليمي في سورية بهدف إسقاط بشار الأسد.
وقد أعلنت تركيا أنها ستسمح للمعارضة السورية السياسية بفتح مكتب لها في تركيا، ممهدة بذلك الطريق أمام الاعتراف بهذه الحركة في نهاية المطاف. ومع ذلك، فإن الواقع العسكري ربما يتجاوز الطموحات السياسية للمنشقين السوريين.
كنت قد كتبت من قبل عن المبدأ الجديد القائم على "الدبلوماسية الاستباقية" التي روجها بان كي مون بمساعدة متحمسة من جانب الولايات المتحدة. وهي تفتح الباب أمام إلغاء سيادة أي دولة غير مرغوب فيها، حتى إذا/خاصة عندما يكون حاكم أوتوقراطي مستفيداً من أفضل ما لدى الحركة الديمقراطية. ويبدو هذا وكأنه مفصّل على مقاس سورية، بطبيعة الحال. وهو يمثل بطريقة ما فشل استراتيجية الحركة الديمقراطية ذات القاعدة العريضة، ويقترب من الفتح الرسمي لقمقم جنّي الطائفية.
لقد راهنت الحركة الديمقراطية السورية على شرعيتها الأخلاقية من خلال شخصيتها التوحيدية غير العنيفة: السنيون والعلويون، الريف والمدينة، والتكتلات المسلمة والعلمانيون، والأسود والحملان... إلخ. وقد استمدت الإلهام بوضوح من الثورة المصرية.
لكنني أعتقد، لسوء الطالع، بأن الحركة الديمقراطية السورية قد عانت أيضاً من كذبة قاتلة. فمن أجل إدامة شرعيتها الأخلاقية، دعت إلى الحوار. ولكن، عندما عرضت الحكومة السورية الحوار، تم رفض عرضها على أساس أنه "غير صادق،" وأنه "لا يمكن التفكير فيه ما لم يتم الإفراج عن المعتقلين السياسيين" إلخ. وفي كل أسبوع، يبدو أنه كان هناك سخط جديد، وشهيد جديد، وسبب جديد لضرورة تصاعد المطالب من الحكومة قبل أن يستطيع الناس مغادرة الشوارع والشروع في الحوار.
لا شك في أن المشاركة في "حوار" من تنسيق الحكومة كان سيفضي إلى إرجاء تحقيق الطموحات والتطلعات السورية. وربما كان سيتبين أنه إيماءة محبطة، على غرار "المفاوضات" التي توقعها إسرائيل بالفلسطينيين من وقت لآخر عندما تصبح المضار التكتيكية والكلفة السياسية لتجاهلهم كبيرة جداً. لكنْ لم تتسن لنا الفرصة للتحقق من ذلك. فقد كانت الحركة الديمقراطية تعول على ما أصفه بنظرية "الانهيال الديمقراطي المنتشي": سوف تصبح المظاهرات أكبر وأكبر، وسينشق البيروقراطيون والضباط عن النظام، وسوف تملي الحركة الديمقراطية شروطها بدلاً من أن تتفاوض مع الحكومة. ذلك كان ما توقعته الولايات المتحدة والدول العربية والقوى الأخرى المعادية لبشار الأسد.
كما أوضحت هيلينا كوبان، فقد كان بإمكان الولايات المتحدة مُباركة إقامة "الحوار" في سورية كما كنا قد فعلنا عندما كانت جنوب إفريقيا العنصرية، وهي حليف مهم لنا، تواجه استحقاقات تحولها الديمقراطي. وكانت ردة الفعل على مشهد الولايات المتحدة وهي تقول: "عودوا جميعاً إلى منازلكم. اخرجوا من الشوارع قبل أن يُسفك المزيد من الدم. هيا، ابدأوا بالتحاور"، كانت ستشكل شيئاً قميناً بالمشاهدة. 
لكن ذلك لم يحدث. والنظام السوري لم ينهر. وقد حان الآن وقت استخدام الخطة "ب" البديلة. وهكذا، شرع بعض المنشقين السوريين بتجاهل خبرة مصر (التي واجهت مصاعبها الخاصة) لصالح أخذ النمط الليبي: الكفاح المسلح المدعوم، كما يقتضي الحال، بتدخل عسكري أجنبي صريح.
ويستند ذلك إلى افتراض أن الجيش السوري، الذي يتكون في جزئه الأعظم من متطوعين سنة، والذي أصبح منهكاً أصلاً بفعل 6 شهور من المواجهة مع المحتجين من أجل الديمقراطية، سيجد أن تحمسه للدفاع عن النظام العلوي لبشار الأسد يتأرجح بشكل أكثر سرعة عندما يشرع في المعاناة من مزيد من الخسائر.
وهذه استراتيجية أعتقد بأنها كانت ناشئة في سورية منذ بداية الانتفاضة بالنسبة لبعض أعداء بشار الأسد العديدين. وكانت قد صدرت تقارير عن وجود عصابات مسلحة تنصب الكمائن لقوات الجيش منذ بداية الانتفاضة، ربما يقوم بها مؤيدو الرجل القوي المنفي (والملياردير!) عبد الحليم خدام.
لكن الإعلام الغربي الذي اقترن بخط رواية الحركة الديمقراطية غير العنيفة لم يأخذ تلك التطورات على محمل الجد في البداية، ثم عمد إلى وصفها بأنها "هجمات انتقامية" نجمت عن الحملة الأمنية العنيفة، ليتناقض ذلك مع الرواية القائلة لأنها جهود مخططة لتصعيد النزاع وزيادة الاستقطاب بين الأغلبية السنية والطوائف الأخرى.
وبينما استمر القمع، وجانب النصر السريع الحركة الديمقراطية، أصبح الاستقطاب أيضاً ناتجاً ثانوياً حتمياً للحركة السلمية نفسها، رغم الجهود المخلصة للعديدين من القادة المؤيدين للديمقراطية. وتجدر الإشارة إلى أن معظم القوات الأمنية الموالية هي من العلويين، بينما ينتمي معظم المحتجين إلى السنة، وهذه حقيقة أصبحت جلية بوفرة مع استمرار حملة النظام على أرض الواقع.
الآن، إذا قرر الغرب ودول مجلس التعاون الخليجي أن الحركة الديمقراطية السلمية لا تستطيع إنجاز مهمة تغيير النظام بنفسها، فسيكون الدعم العلني الصريح للثورة السورية بين الأوراق، وسيتم نزع شرعية نظام الرئيس بشار الأسد رسمياً بسبب جريمة الدفاع عن حكمه بوحشية مفرطة وبشكل ناجح.
وذلك سيفتح الطريق أمام القصة الطويلة والشاقة لكامل قصة المساعدة العسكرية السرية/ ومنطقة حظر الطيران التي شاهدناها في ليبيا، والتي يكمن هدفها الرئيس في تقطيع أوصال بنى القيادة الخاصة بكبار الموالين للنظام، وإرسال رسالة إلى الوحدات العسكرية المترددة، تقول إن أفضل أمل لها يكمن في التخلي عن النظام.
وفي حالة سورية، لن يكون العنف فقط بين القادة الكبار الموالين والضباط الصغار الثائرين وضباط الصف والأفراد. فالقوات السورية، أسفل القيادة العلوية، هي سنية في سوادها الأعظم. وعليه، سيكون العنف من العلويين على السنة، والعكس بالعكس.
ونظراً لأن غالبية المواطنين المدنيين السوريين هم أيضاً من السنة وغير راضين عن النظام، فسيكون من فائدة المعارضين الأكثر تشدداً للنظام أن يصعدوا العنف وأن يسارعوا من وتيرة استقطاب سورية نحو معسكرين، سني وغير سني.
وذلك خطر تذرع به واستدعاه نظام بشار الأسد بلا توقف كما لو كان في ذلك خدمة للذات، بينما كان النظام يذكي لهيب النار الطائفية من خلال إرساله الموالين العلويين لقتل وسحق العشرات من المدن والبلدات السورية.
من المحتمل أن يبدو أي اشتباك عسكري أكثر شبهاً بثورة سنية وأقل شبهاً بثورة ديمقراطية تتقاطع عبر الخطوط الدينية والاقتصادية. وبفضل التطلعات المتفائلة للناشطين الديمقراطيين، وحملة حكومة بشار الأسد القمعية القوية، واستفزازات المتشددين المعادين للنظام، والنزعة الانتهازية ما بعد الليبية من جانب الغرب وبعض الدول العربية وتركيا، فإن الوقود اللازم لإشعال الحرب الطائفية يكون قد جُهز. وكل ما يلزم هو قيام أحد ما بإشعال عود الثقاب، ربما عبر تشجيع/مساعدة المنشقين السنة على التخلي عن عدم العنف والدفاع عن أنفسهم بشكل استباقي (أو "بشكل وقائي" كما يقول مجلس الأمن). وأتوقع أن يكون الكثيرون سعيدين للقيام بذلك.
وتلك لن تكون أخباراً جيدة للكثيرين من السوريين والقوى المؤيدة للديمقراطية فيها.

*رجل أعمال أمضى ثلاثين عاماً في مراقبة وتحليل الشؤون الآسيوية والكتابة عنها.

التعليق