الحذر: عنوان خطة لعب أوباما

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

ديفيد إغناتيوس – (واشنطن بوست) 25/9/2011   

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كان من المؤلم مشاهدة الرئيس أوباما الأسبوع الماضي في الأمم المتحدة، وهو يتراجع عن هدف إقامة الدولة الفلسطينية الذي كان قد تبناه عندما تولى منصبه. وكان أفضل ما يمكن أن يقال عن ذلك، هو أنه شكل قليلاً من الواقعية في السياسة الخارجية، والذي أقرّ بالحقيقة السياسية والاستراتيجية القائلة بأن الولايات المتحدة لن تتخلى أبداً عن إسرائيل في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
يلعب أوباما على جانب الدفاع في السياسة الخارجية هذه الأيام، محاولاً عدم ارتكاب أخطاء مكلفة. ومثل فريق لكرة القدم يحمي فارقاً ضئيلاً عن ملاحقيه، يريد أوباما تجنب اللمسات التي قد تكلفه المباراة. وقد أصبحت فكرة التحركات الهجومية الجريئة -وهي مسار محفوف بالمخاطر- ذكرى بعيدة من العام 2009. هذا هو الفريق الذي يهتف بنفسه: "دي-فاع!"
ثمة أشياء أسوأ من اللعب بحذر. وقد تكون المقامرة الكبيرة مغوية، لكنها يمكن أن تؤدي إلى كارثة، كما وجد مناحيم بيغن لدى غزوه للبنان في العام 1982، وكما تعلم جورج دبليو بوش بعد احتلال العراق في العام 2003. وعلى الرغم من أن المعلقين ربما يهدرون مشجعين على تحرك كبير وجريء، فإن الاختيار الصحيح غالباً ما يكون هو الذي يتحوط ويصنع الأسيجة لدرء النتائج السيئة حقاً. وفي السابق، تعرض "بابا بوش" ("41") للإغاظة في برنامج "ليلة السبت على الهواء" بتكرار العبارة الساخرة "لن يكون من الحكمة"، لكنه ردّ بأدب، بنهجه الذي أفضى مباشرة إلى تفكيك الاتحاد السوفياتي.
لا بد من القول إن أوباما يلعب دفاعياً بشكل جيد إلى حد معقول. هناك أخطاء كبيرة ومقيمة تحوم في أفق الربيع العربي-أكثرها أهمية إمكانية حدوث انهيار فوضوي في سورية، والذي يمكن أن يؤدي إلى موجة من المذابح الطائفية على غرار ما حدث في العراق في العام 2006. وقد فهم أوباما ضرورة توخي الحذر إزاء التحول السوري، حتى ولو أنه يتعرض للتقريع على صفحات الافتتاحيات في بعض الأحيان.
ينتهج أوباما طريقة التحوط وبناء الأسيجة، أيضاً، في أفغانستان والباكستان. والخطر هناك هو تصور أن أميركا سوف تغادر، والتدافع الناشئ عن هذا التصور لملء الفراغ في السلطة. وإدراكاً للمشكلة، تحدث وزير الدفاع ليون بانيتا بالفعل عن احتمال أن تبقي الولايات المتحدة بعض القوات في أفغانستان بعد العام 2014. وكان يمكن لأوباما أن يتجنب الكثير من مشاكله الأفغانية الباكستانية الحالية، لو أنه لم يقرن زيادة عدد القوات في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2009 بتعهد ببدء سحب هذه القوات في تموز (يوليو) 2011. وكان المسار الأكثر حكمة سيتمثل في استخدام صيغة الغموض المتعمد.
لا بد أن يكون التراجع في موضوع القضية الفلسطينية دواءً مراً بالنسبة لأوباما. وقد بدت مهمة استعادة دور أميركا كوسيط عادل ومتجرد موضوعة على رأس أولوياته عندما تولى منصبه. وكانت أول مقابلة له كرئيس مع قناة الأخبار العربية "العربية"؛ وكان خطابه في القاهرة في حزيران (يونيو) 2009 بمثابة إشارة بارعة إلى أن أميركا مستعدة لإشراك خصومها المسلمين وصناعة السلام. وقد عرف أوباما أن حاجات أميركا الأمنية، وحاجات إسرائيل، تطلبت إقامة دولة فلسطينية.
فما الذي حدث لذلك الوعد؟ إنها قصة طويلة ومحبطة، لكن الجواب البسيط هو أنه مُني بالهزيمة في لعبة المكر. فقد قرر أن لا يعلن المبادئ الأساسية للاتفاق على الفور، والتي كانت ستبني على التقدم الملحوظ الذي أحرزه إيهود أولمرت ومحمود عباس في العام 2008، وهي القصة التي تنتظر حتى تُنشر مذكرات كوندوليزا رايس. وبدلاً من ذلك، اختار خوض صراع حول المستوطنات الإسرائيلية، وهو ما هبط به في مستنقع سياسات التحالف الإسرائيلي الدبق.
انتظر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خروج أوباما التدريجي. وفي كل شهر استمر فيه الجدل الدبلوماسي، كان أوباما يضعف سياسياً، بينما يصبح نتنياهو أقوى. وكانت الخاتمة هي كلمة أوباما التي ألقاها يوم الأربعاء الماضي، والتي تحدث فيها بأسى تقريباً عن "السلام في عالم غير كامل". وأصبح أفضل أمل له الآن هو أن لا يضطر فعلياً إلى استخدام حق النقض "الفيتو" ضد قرار إقامة دولة فلسطينية. ولك أن تتحدث هنا عن اللعب بشكل دفاعي.
في حين أثني على حذر أوباما، فإنني أود لو أنه يدرس مثال هنري كيسنجر، الذي كان يلعب على الجانب الضعيف في العام 1971 عندما كانت حرب فيتنام تتكشف. ثم تناول كيسنجر مجموعة جديدة من أوراق اللعب حين سافر سراً إلى الصين. وهو يشير في مذكراته إلى أنه اختار -بحذر- في أول لقاء له مع تشو أن لاي، خوض مناقشة واسعة وفلسفية حول "تصوراتنا للشؤون العالمية، وخاصة الآسيوية".
"إن رجل الدولة يجد الفرصة،" حتى في الشدائد، يلاحظ روبرت بلاكويل، وهو جمهوري من خبراء السياسة الخارجية الذين عملوا لكيسنجر والرئيسين بوش. وهي وصفة جيدة لأوباما. إنه في وضع "الحد من الأضرار" –وهو تصرف عاقل بما يكفي في زمن عدم اليقين، لكنه لا يشكل استراتيجية حقيقية. فما هي الفرصة -في الباكستان، والهند، وتركيا، وسورية- ونعم، في الدولة الفلسطينية التي سيتم إعلان قيامها حتماً؟
إن اللعب الدفاعي ينفع إذا كنت قد أحرزت فارقاً تريد أن تحافظ عليه وتحميه. لكنه لن يكون كافياً إذا كان هذا الفارق يتلاشى باطراد.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Caution fills Obama’s playbook

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق