إصلاح مجالس إدارة الشركات ضرورة ملحّة

تم نشره في الأحد 2 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

مفلح عقل*
عمان- تكررت الأخبار السلبية عن تصرفات وممارسات لمجالس إدارة وإدارات تنفيذية لبعض الشركات المساهمة العامة؛ حيث تم القيام بمخالفات متكررة للقانون ولمبادئ الثقة التي تقوم عليها العلاقة بين مجالس الإدارة والمساهمين الذين وكلوا هذه المجالس لإدارة أموالهم لما فيه مصلحتهم، وفقا لنص وروح القانون الذي يحكم هذه العلاقة. تم ذلك رغم أن أي خرق لمبادئ الثقة التي تقوم عليها علاقة المساهمين بالإدارة العليا يشكل مخالفة قانونية وأخلاقية تستوجب المساءلة على من تسبب بها أو سكت عنها أو شارك فيها.
ويعود تكرار ما نقرؤه من أحداث الى عدم الحزم والردع للقائمين بها رغم الفداحة القانونية والأخلاقية والمالية لما يرتكبوه بحق المساهمين وبحق الاقتصاد من سوء تصرف وسوء إدارة وسوء استعمال لموجودات الشركة لغير مصالح مساهميها. في أميركا، وإثر ظهور حالات فساد في شركات كبيرة مثل Enron وWorldcom وغيرهما، أسرعت الحكومة الأميركية بسن قانون Sarbanes Oxley Act المتعلق بحوكمة الشركات ردعا لحالات الفساد في الشركات وحماية للمساهمين من الممارسات الاحتيالية.
واستحدث هذا القانون معايير جديدة للمسؤولية؛ بما فيها معاقبة التصرفات الخاطئة؛ حيث ألغى هذا القانون العذر القائم على عدم الاطلاع على الأمور المالية، كما أدخل تعديلات تشريعية تبنت قواعد مساءلة متشددة بغرض تحسين دقة وموثوقية إفصاحات الشركات المطلوبة بموجب القوانين؛ مثل طلب شهادة رئيس مجلس الإدارة والمدير المالي على دقة الحسابات ومنع أعضاء مجلس الإدارة من الاقتراض من الشركات وضرورة الإفصاح عن العمليات بين الشركة وأعضاء مجلس الإدارة، كما تناول عقوبات بالسجن لمدة عشر سنوات وغرامة مالية (مليون دولار) لمن يقدم معلومات غير صحيحة حتى لو كان ذلك خطأ وضاعف عقوبة السجن الى 20 عاما اذا كان ذلك متعمدا ورفع الغرامة المالية الى (5) ملايين دولار.
من العوامل التي شجعت على مثل هذه التصرفات الخارجة عن الأصول ضعف ممارسة أعضاء مجلس الإدارة لدورهم وتخليهم عنه لصالح رئيس مجلس إدارة مهمين أو رئيس تنفيذي قوي لأن انتخابهم وإعادة انتخابهم يتقرران من قبل الرئيس الذي يحرصون على إرضائه رغم معرفتهم أن هذا الإرضاء يمثل خرقا للأصول والمبادئ العامة التي تحكم دور أعضاء المجلس وواجباتهم. هذا الأمر يستدعي إعادة نظر سريعة في المبادئ التي تحكم تركيبة مجالس الإدارة وكيفية تشكيلها ومؤهلات الأعضاء وقدراتهم ومسؤولياتهم عما يتخذ من قرارات، كما يستدعي أيضا التشريع لفكرة الأعضاء المستقلين في مجالس الإدارة ضبطا لحسن سيرها.
ولم تقتصر الممارسات الخارجة عن روح القانون في تكوين مجالس الإدارة على قيام حملة أكثرية الأسهم على اختيار أعضاء يسهل التأثير عليهم، بل أضيفت إلى ذلك مخالفات أخرى لروح القانون وللحوكمة؛ كقيام بعض المساهمين من أصحاب المصالح المؤثرة باختيار الأقارب والأصدقاء لعضوية مجالس الإدارة أو تعيينهم في الإدارات التنفيذية، مما يشكل إضعافا للمساءلة والمحاسبة وخروجا عن الأصول المتعارف عليها في اختيار أعضاء مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية.
إن بعض الممارسات الخاطئة التي نشرتها الصحف مؤخرا تستوجب اهتماما من صانعي السياسات ذات العلاقة بمجالس إدارة الشركات المساهمة، كما يستوجب قيامهم بفرض العمل بالممارسات الأفضل وبشكل مختلف كليا عما هو سائد الآن بهدف تحسين أداء هذه المجالس وشفافية عملها حماية للاقتصاد الوطني وحماية للمستثمرين وتعزيز الثقة بالأسهم وللشركات المساهمة.
لا أريد الإشارة عما قيل ويقال حول ما يحدث من تسلط أصحاب الملكيات المؤثرة في بعض الشركات المساهمة العامة، التي من المفترض أن تقوم على مبدأ الفصل بين الإدارة والملكية وعلى الفشل في انتقاء الكفاءات القادرة على قيادة الشركة للنجاح لمواقع الإدارة، ولا أن أعدد الممارسات التي أهدرت الملايين وأساءت التصرف بها بسبب عدم الكفاءة وبسبب تقديم المصالح الذاتية على مصلحة جمهور المساهمين وعدم الفصل بين جيوبهم وجيوب الشركات التي يستنزفونها ماليا وبشريا بتعيين الفاسدين مساعدين لهم، وإنما ما أريد قوله هو أن الفردية وعدم السير بمسار الحوكمة وغياب القدرات والكفاءات وأصحاب المواقف الشجاعة عن مجالس الإدارة واستبدالهم بالأبناء والأقارب والأصدقاء والمنتفعين تكون دائما أسبابا للفشل والإفلاس؛ مثل فشل بنك البتراء وبنك عمان وبنك فيلادلفيا وشركة النسيج وشركة الدخان وغيرها من شركات قادمة على الطريق تعد أمثلة على هذه الظاهرة.
ومنذ أن تعزز الإيمان بأن نوعية قيادة الشركة هي العامل الحاسم في نجاحها، ركزت الأدبيات في العديد من الدول، ومنذ زمن بعيد، على كيفية انتقاء مجالس إدارة نوعية للشركات المساهمة العامة الحريصة على النجاح، وقد أسفرت الجهود عن ابتداع عدة لجان؛ منها لجنتا الترشيح والتعويض (Nomination and Compensation Committees) تم خصهما بصلاحيات قوية وواضحة في تحديد من يصلح لعضوية مجلس الإدارة ولموقع الرئيس التنفيذي، لإبعاد التأثير عن هذه اللجنة يتم تكوينها عادة من ثلاثة أشخاص؛ اثنان منهم على الأقل من الأعضاء المستقلين ضمن تعريف محدد مسبقا لمفهوم الاستقلالية. تتولى لجنة التعويض مسؤولية سياسات التعويض لمجلس الإدارة والإدارة العليا والأسس التي تقوم عليها هذه التعويضات، بينما تتولى لجنة الترشيح مهمة التوصية بتحديد أعضاء مجلس الإدارة المؤهلين للانتخاب مع الحفاظ على موازنة دقيقة بين تنوع الخبرات والكفاءات التي على المجلس أن يضمها لتحسين فعاليته ونشاطه. عند انتخاب أعضاء مجلس الإدارة المستقلين يجب أن لا تشارك الملكيات العائلية المتحالفة في هذا الانتخاب حتى لا تحول دون اختيارهم أو إيقاعهم تحت تأثيرهم.
بالإضافة لما تقدم، تتولى لجنة الترشيح مراجعة أداء أعضاء المجلس منفردين وأداء المجلس ككل مرة في السنة على الأقل باجتماع لا يحضره بقية الأعضاء، ويكون التقييم على أساس مدى تحقيق الأهداف وعلى مدى الالتزام بما هو مطلوب الالتزام به.
كذلك تشرف هذه اللجنة على الإفصاحات التي يعدها المجلس ضمانا لدقتها.
الاستقلالية تعني استقلال العضو عن الإدارة وعدم الارتباط بها بعمل أو علاقة يمكن أن تؤثر على رأيه وحكمه، كما تعني أيضا أن لا يكون العضو المستقل موظفا سابقا في الشركة أو يمثل أصحاب حصة مؤثرة أو يتقاضى دخلا من الشركة أو مشاركا بأي خيارات لشراء أسهم أو قريبا (لغاية الدرجة الثانية) من رئيس مجلس الإدارة أو الرئيس التنفيذي، بالإضافة الى هذه الاعتبارات في تحديد الاستقلالية، تؤخذ أيضا الاعتبارات الموضوعية والتقديرية.
وتراقب استقلالية هؤلاء الأعضاء بشكل دوري حتى لا يصبحوا جزءا من منظومة تسيطر على قرارات الشركة وتنتفي الغاية من تعيينهم. أما اختيارهم فيكون من الأشخاص الذين حققوا نجاحا في العمل أو التعليم أو الخدمة العامة ومن أصحاب الخبرة والذكاء بما يمكنهم من المساهمة الفعالة في نقاشات المجلس وإغنائها والإضافة اليها من خبرتهم.
إلى جانب إغناء النقاش وتقديم الخبرة والمعرفة، فإن لهؤلاء الأعضاء دورا في موازنة التضارب في المصالح الذي قد يحدث بين حقوق الأغلبية والأقلية، وبذا يصبح للأقلية صوت معبر عن مصالحهما يحول دون الإضرار بهما.
ولأهمية دور الأعضاء المستقلين، تحرص بعض البورصات العالمية على ربط الادراج بوجود مثل هؤلاء الأعضاء؛ مثلا تشترط بورصة نيويورك أن تكون غالبية أعضاء مجلس الإدارة من المستقلين وأن يكون لدى كل شركة ثلاث لجان للحوكمة وللتعويضات وللتدقيق، أما بالنسبة لعضوية لجان التدقيق والترشيح والتعويض، فيجب أن تكون كليا من الأعضاء المستقلين.
ويجب أن تحتكم مجالس الإدارة لمعيار سلوكي مكتوب يتناول تشكيل المجلس ونسبة الأعضاء المستقلين فيه مع تأكيد للفصل بين وظيفة المدير العام والرئيس التنفيذي، بالإضافة الى تأكيد ضرورة الالتزام بالقوانين والأنظمة المعمول بها بالنص والروح وتأكيد التزام أعضاء مجلس الإدارة بالعمل لمصلحة الشركة باعتبارها المهمة الأولى التي تم اختيارهم للقيام بها.
كما يجب إلزام أعضاء مجلس الإدارة بالإفصاح عن أي تعارض في المصالح وتفسيره بتفصيل واضح يمكن المساهمين من الحكم السليم عليه، بالإضافة الى توضيح المخاطر المهمة التي تواجهها الشركة حاليا ومستقبلا والانحرافات عن الأهداف بطريقة آنية.
إن اختيار أعضاء مجلس الإدارة على الأساس العائلي والمكانة الاجتماعية أو توفير دخل لشخص فقد وظيفته، يرفع راية حمراء حول استقلالية هؤلاء الأعضاء وقدراتهم ومؤهلاتهم لأن اختيارهم لم يتم على أسس موضوعية.
وإن التطور في أساليب العمل وتعقدها وتزايد المخاطر أصبح يحتاج الى نوعية مختلفة من صانعي السياسات وأصبحت الحاجة ملحة لأعضاء مجالس إدارة يمتلكون الخبرات والدراية بالنشاط الذي تمارسه الشركات المعنية.
أما بالنسبة لدور لجنة التدقيق في ضبط ممارسات مجالس الإدارة، فلدينا نصوص قانونية واضحة بخصوص تكوين مثل هذه اللجنة ودورها واشتراط أن لا يكون أي من أعضائها عضوا تنفيذيا، ومع ذلك لم تحقق مثل هذه اللجان الكثير ولم تمنع استمرار المخالفات لأسباب ربما تتعلق بتكوينها الذي يخضع لرأي الجهة المسيطرة على مجلس الإدارة. من الضروري لتمكين هذه اللجنة من القيام بدور فعال أن يكون أعضاؤها كليا أو غالبيتهم من الأعضاء المستقلين، واثنان منهم على معرفة بالمحاسبة والتحليل المالي وأصول إعداد التقارير المالية، أما العضو الثالث فيجب أن يكون ملما بطبيعة النشاط الذي تمارسه الشركة ومطلعا على هياكل العمل التنظيمية وعلى نشاطها من خلال زيارات متكررة لمواقع العمل. كما يجب أن تحكم عمل هذه اللجنة مرجعية مقرة مسبقا من مجلس الإدارة وتتضمن نظام رقابة داخليا وإدارة مخاطر.
ومن الأساليب الآخذة بالانتشار لحماية الشركات من سوء التصرف ما يسمى بـ(المصفرين Whistle Blowers)، وهم عاملون يتبرعون بالإبلاغ سرا عن أي سوء إدارة أو فساد أو مخالفات لدى علمهم بها. وقد شجعت الكثير من الثقافات هذا الأسلوب في الإبلاغ عن المخالفات وشرعت له حماية لحقوق المساهمين وحماية للاقتصاد وسنت قوانين تحمي هؤلاء المصفرين عن المخالفات من أي مضايقات من إدارة الشركة وحتى ان بعض التشريعات كافأتهم، كما سهلت لهم الاتصال بالجهات المعنية من خلال خطوط هاتفية مخصصة لمثل هذه القضايا.
ورغم أن بعض الثقافات تنظر لهذا الأسلوب بأنه إفشاء للأسرار وخيانة للأمانة، إنما الاتجاه العام هو القبول بهذا الأسلوب لحماية الشركات وقد أدخلته أميركا ودول أوروبا واليابان والعديد من الدول الأخرى منذ زمن بعيد، وتقديرا لهذا الدور وأمثاله سمت مجلة Time الأميركية كلا من Cynthia Cooper من شركة Wordcom وSheron Watkins من شركة Enron شخصي العام 2002 لدورهما بكشف الفساد في هاتين الشركتين بطريقة الإبلاغ السري.
خلاصة ما أردت قوله إن الوسيلة المناسبة لردع التعديات التي تحصل على أموال الشركة المساهمة هي أن تضع القوانين الشديدة للمحاسبة وللرقابة وفرض أعضاء مستقلين على مجالس الإدارة، بالإضافة الى منع وجود الأقارب لدرجة معينة في مجالس إدارة الشركات وإدارتها التنفيذية وأن تسن القوانين التي تشجع على الإبلاغ عن المخالفات من داخل الشركة وحماية المبلغين.

* خبير مالي / عقل للاستشارات

التعليق