نقطة تحول في العقيدة السياسية الأميركية

تم نشره في الأحد 18 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

بينيت رامبيرج *
(بروجيكيت سنديكيت) 7/9/2011

لوس أنجلوس- بينما تتعثر الولايات المتحدة الأميركية وهي تحاول جاهدة مواجهة تحدياتها الاقتصادية في الداخل، فإن ضغط الأحداث العالمية لن يقل. لكن قدرة أميركا على التعامل مع تلك التحديات قد تغيرت. ويحد ضعفها المالي من قدرتها على التصرف كشرطي للعالم. ورغم الإطاحة غير المكلفة نسبيا بنظام القذافي، فإن تدخلات أميركا المطولة في أفغانستان والعراق قد أثرت بشكل كبير على قدرة الناس في أميركا على تحمل سياسة خارجية نشطة.
ورغم ذلك، سوف تبقى الولايات المتحدة الأميركية اللاعب الأهم في العالم للمستقبل المنظور، لكنها تبدو اليوم ممثلاً بدون نص؛ فأميركا تفتقر لدليل استراتيجي مقارنة بعقيدة الاحتواء المرتبطة بالحرب الباردة، وذلك من أجل تحديد الأولويات فيما يتعلق بالسياسة.
إن صنع سياسات محددة حسب الظروف، كما حدث في التدخلات في البلقان والصومال وجنوب غرب آسيا والشرق الأوسط في العقدين الماضيين، لن يكون كافيا في هذا العصر الجديد الذي يمتاز بالقيود. ويعني هذا أن على أميركا السعي لوضع استراتيجية شاملة من أجل ضبط اندفاعها نحو خوض الحروب أو الانخراط في جهود بناء الأمم.
وتغذي استراتيجية الرئيس باراك أوباما للأمن القومي لسنة 2010 طموحات السياسة العامة -"يجب أن نضع الولايات المتحدة الأميركية في موقع يؤهلها لدعم المصالح المشتركة بين الشعوب والناس"- لكنها لا تعد بمثابة دليل إرشادي عملي. ولذلك اقترح استراتيجية بديلة، وهي استراتيجية راسخة في التاريخ الأميركي رغم أنها غير معروفة إلى حد كبير، لكن التصريح علنا بما هو ضمني قد يعزز من عملية اتخاذ القرار في الولايات المتحدة الأميركية.
وأنا أسمي هذه الاستراتيجية "عقيدة نقطة التحول". فعندما واجهت أميركا "نقطة تحول سلبية" -أي تهديد خطير للبلاد- قامت بتخصيص موارد مالية وبشرية كبيرة من أجل التعامل مع تلك الأخطار. وتتطلب نقاط التحول الإيجابية اغتنام الفرص من أجل إدارة تغيرات كبيرة في الشؤون السياسية العالمية أو الإقليمية من خلال بناء الأمم أو استخدام المساعدة الاقتصادية والعسكرية من أجل منع حصول نقاط تحول سلبية -تتطلب تلك النقاط التزاماً مماثلاً.
ويعطي مفهوم نقطة التحول لصناع السياسة معياراً يمكن استخدامه -أو على أقل تقدير مناقشة هذا المفهوم، باعتباره أداة تنظم عملية صنع السياسة: هل يكون تحدياً دولياً ما بمثابة نقطة تحول أم لا؟ إذا كان كذلك، فإننا سوف نتدخل. وإن لم يكن كذلك، فإننا سوف نبقى بعيداً.
وقد مررنا بنقاط تحول على مر التاريخ الأميركي، وتشكل حرب سنة 1812 والحرب الأهلية من الأمثلة الواضحة على ذلك. فلو لم تقم القوات الأميركية بطرد البريطانيين من الأراضي الأميركية، ولو لم يتمكن أبراهام لنكولن والاتحاد من الانتصار، لتفتتت البلاد، ولم تكن لتصبح قادرة على أن تكون القوة المهيمنة في القرن العشرين.
وعلى النقيض من ذلك، فإن اهتمام أميركا بالإمبريالية في الحرب الإسبانية الأميركية وتدخلها في المكسيك وأميركا الوسطى ومنطقة البحر الكاربيبي طيلة القرن العشرين وحتى مشاركتها في الحرب العالمية الأولى، لم يكن بمثابة نقاط تحول بالنسبة لأميركا. لكن عدم قدرة أميركا بعد الحرب العالمية الأولى على التغلب على سياسات العالم القديم في فرساي والانعزالية في أميركا نفسها شكلت فشلاً في اغتنام فرصة الترويج لنقطة تحول إيجابية.
إن هذا الفشل قد وضع العالم في طريق أدى إلى نقطة تحول سلبية شكلتها ألمانيا النازية واليابان الإمبريالية. لم يكن هناك أي شيء يوحي أن الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها سوف ينتصرون. ولكن، لو نجحت نقطة التحول السلبية للمحور، لأصبحت أميركا دولة مختلفة تماماً.
كانت نقطة التحول الإيجابية، والتي لا يتم تقديرها جيدا اليوم، قد تطورت في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية مع التحول السياسي في ألمانيا واليابان. وكان استثمار أميركا المذهل للموارد من أجل تحقيق تلك النتيجة قد جعل من الدولتين ديمقراطيات مستقرة ومسالمة. وهكذا، تم تحييدهما كخصوم، وجعلهما قلاعاً حصينة ضد ما كان ينذر بأن يكون نقطة تحول سلبية، وهو الاتحاد السوفياتي.
بخلاف المعركة ضد المحور، قاتلت أميركا خلال الحرب الباردة بعدة طرق وعلى عدة جبهات وطيلة عقود طويلة، مستخدمة في ذلك السياسة والاقتصاد والردع النووي، بالإضافة إلى العمل المسلح المحدود من أجل التحقق من احتواء الاتحاد السوفياتي. وقد اضطرت الولايات المتحدة الأميركية مع مرور الوقت إلى القبول بأن كل نزاع سياسي أو معركة عسكرية تخسرها لم تكن تشكل نقطة تحول بما أن مصالحها الأساسية في أوروبا والشرق الأقصى وأميركا اللاتينية لم تكن مهددة. ومن خلال التجربة والخطأ -وبدعم من نظام سياسي واقتصادي متين- انتصرت الولايات المتحدة الأميركية وتفتت الاتحاد السوفياتي.
يشكل صعود نجم الأصولية الإسلامية تهديداً تاريخياً آخر، رغم أنه تهديد أقل اكتمالا بكثير من أي تهديد واجهته الولايات المتحدة الأميركية في السابق. وفي أزمنة أخرى، لم يكن مثل هذا التحدي ليعد نقطة تحول. لكن خطر أن يتم توجيه أسلحة الدمار الشامل ضد أميركا يجعل من ذلك التحدي بمثابة نقطة تحول. أما بالنسبة للربيع العربي، فهو يشكل نقطة تحول يمكن أن تكون إيجابية، والتي تتطلب من الولايات المتحدة الأميركية أن تقرر مدى ونطاق التزامها السياسي والاقتصادي والعسكري من أجل العمل على تحقيق نتائج إيجابية.
لقد أصبحت أميركا اليوم دولة أكثر رصانة وواقعية، مقارنة بذروة فترة ما بعد الحرب الباردة. ولكن، بعد حدوث انتكاسات في المناطق التي تدخلت فيها، ومع زيادة المصاعب الاقتصادية في الداخل الأميركي، تجد أميركا نفسها غير متأكدة كيف يمكن أن تتجاوب مع الأحداث العالمية المتغيرة. وقد يوفر اتباع سياسة "عقيدة نقطة التحول" الحل.


*الكاتب: عمل في مكتب الشؤون السياسية- العسكرية في إدارة جورج بوش الأب. هو مؤلف عدة كتب تتعلق بالأمن العالمي.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع  "بروجيكت سنديكيت".

التعليق