الثمن الذي دفعته أميركا لقاء الحرب على الإرهاب

تم نشره في السبت 17 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً
  • مقبرة آرلنغتون للجنود الأميركيين الذين قتلوا في الحروب الخارجية الأخيرة - (أرشيفية)

آن أبلباوم – (الواشنطن بوست)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يوم 11 أيلول (سبتمبر)، وصلت حقبة ما بعد الحرب الباردة التي كانت قد بنشاط يوم 9 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1989، وصلت تلك الحقبة إلى نهاية مفاجئة. وقد تميز "العهد الطويل" الذي امتد منذ سقوط جدار برلين وحتى سقوط مركز التجارة العالمي بخفض الإنفاق العسكري، وبالفضائح السياسية المحلية، وبشعور عام بأن السياسة الخارجية الأميركية أصبحت بلا غاية. وتحدث الرئيس جورج دبليو بوش عن "النظام العالمي الجديد"، لكن لم تكن لديه سياسة لتجسيد العبارة الذكية. وكانت لدى الرئيس بيل كلينتون مجموعة من السياسات، لكنه لم يتمكن أبداً من العثور على طريقة مرتبة لوضعها موضع التطبيق.
وفي أعقاب هجوم القاعدة على نيويورك وواشنطن، عرض مبدأ تنظيمي نفسه فجأة. وقبل الحرب الباردة، عرفت "الحرب على الإرهاب" كما أصبحت تعرف، في الحال أصدقاء وأعداء أميركا وأولوياتها على حد سواء. ومثل الحرب الباردة، راقت الحرب على الإرهاب للمثالية الأميركية كما للواقعية الأميركية على حد سواء. فقد كنا نحارب أولاداً اشراراً، لكن تدمير القاعدة يقع بوضوح في إطار مصالحنا القومية. وكانت السرعة التي تبنينا فيها هذا المثال مؤثرة، ولو أنها كانت تنطوي على نذر. وفي ذات الوقت، ذهلت لسرعة هذا النظام العالمي الجديد، و"كيف يبدو كل شيء فجأة مثل مقال أكاديمي".
وترددت أصداء تطورات 11 أيلول (سبتمبر) في الحياة الأميركية، لكن على نحو ليس أكثر عمقاً منه في السياسة الأميركية تجاه العالم الخارجي. وبينما تصدر صريراً وآهات، حولت الناقلة العملاقة، وهي المؤسسة الأميركية الأجنبية والدفاعية، حولت نفسها فيما استعد الأميركيون لمواجهة أعداء جدد. وخلقنا بيروقطراطية أميركية ضخمة تضم نحو 1200 منظمة حكومية، و1900 شركة خاصة، و854.000 شخص، سوية مع براءات أمنية وفق تحقيق لصحيفة الواشنطن بوست في العام الماضي. وخضنا حربين في أفغانستان والعراق، ونظمنا عمليات مضادة للإرهاب في أماكن قصية يصعب الوصول إليها مثل الفلبين واليمن، كما غيرنا ثقافة عسكريينا وشحذنا تركيزنا على القاعدة ومقلديها، وأنفقنا وفقاً لأحد التقديرات، نحو 3 تريليون دولار.
وكنا، وفقاً لعبارات الحرب على الإرهاب، ناجحين. فقد أصبحت القاعدة بعد سنوات من 11/9 في حالة فوضى معتمة، ومات أسامة بن لادن، وأصبح الإسلام المتشدد في حالة تراجع، وبقيت قواتنا هي الأكثر تطوراً في العالم. وبالإضافة إلى ذلك، وبعد 10 سنوات من 11/9، من الواضح أن "الحرب على الإرهاب" أصبحت ضيقة جداً مثل منشور ترى من خلاله الكوكب. كما أن الثمن الذي دفعناه لمقاتلة الإرهاب كان باهظاً جداً.
في تركيزنا أحادي التفكير على التشدد الإسلامي، فشلنا في ملاحظة تحول الصين قوة تجارية إلى قوة سياسية طموحة. وعندما سافر الرئيس جورج دبليو بوش إلى آسيا في أواخر العام 2001، تحدث إلى محاوريه الماليزيين والإندونيسيين عن خلايا الإرهاب المحلية في بلادهم، في حين تحدث نظراؤه الصينيون عن النشاطات التجارية والاتجار.
كما أغفلنا، مبدئياً على الأقل، تحول روسيا من شريك ضعيف يناضل للوقوف على قدميه إلى معارض معاد أحياناً. ومن خلال عدسات الحرب على الإرهاب، بدا فلاديمير بوتين مثل الحليف. وكرئيس لروسيا، فقد كان هو أيضاً يحارب الإرهابيين. ومع أن معاركه في الشيشان كانت حرباً مخالفة ضد إرهابيين مختلفين كلية (وليس فقط ضد إرهابيين) فقد استطاع ولفترة وجيزة إقناع نظرائه الأميركيين بأن كفاحه وكفاحهم كانا في معظم الأحوال أو أقلها نفس الشيء.
وبفضل الحرب على الإرهاب، غفلنا عما كان يمكن أن يشكل صفقة تاريخية حول الهجرة مع المكسيك. ولأن أميركا اللاتينية كانت غير ذات صلة في الحرب على الإرهاب، فقدنا الاهتمام والتأثير في تلك المنطقة. وينطبق نفس الشيء على أفريقيا، باستثناء تلك البلدان التي تضم خلايا للقاعدة. وفي العالم العربي، اصطففنا مع الأنظمة السلطوية التي اعتقدنا بأنها ستساعدنا في محاربة الإرهاب الإسلامي، على الرغم من حقيقة أن نزعتها السلطوية كانت إيحاء بالإسلام المتشدد. وإذا ما نظر إلينا بتشكك في مصر وتونس، فإن ذلك جزء من السبب.
وأخيراً، فقد توقفنا عن الاستثمار في بنيتنا التحتية -نفكر في ما يستطيع مبلغ 3 تريليون دولار فعله في الطرقات والبحوث والتعليم، أو حتى الاستثمار الخاص، لو كان جزء من ذلك المبلغ قد ترك ببساطة في جيوب دافعي الضرائب، كما أغفلنا الفرصة لإعادة التفكير في سياسة الطاقة القومية لدينا. وبعد 11 أيلول (سبتمبر) أصبح بوسع الرئيس أن يعلن حالة الطوارئ، وأن يشرح للأمة أنه يجب خوض الحروب ودفع كلفتها – ربما، على نحو مناسب، من خلال استيفاء ضريبة على البنزين. وكان بإمكاننا الحصول على دعم ضخم. وفي العام 2001، كنت لأسعد بقدرتي على ملء خزان سيارتي بالبنزين نظير 20 دولاراً وحسب. وفي ذلك الوقت، كنت سأسعد أيضاً بالموافقة على جعله 21 دولاراً إذا كان ذلك يساعد قوات المارينز في أفغانستان. وبدلاً من ذلك، خفض الرئيس الضرائب وزاد الإنفاق الدفاعي. وترانا الآن ندفع الثمن.فحسب
وتم ارتكاب الكثير الكثير من الأخطاء في الخارج وفي الوطن على حد سواء منذ 11 أيلول (سبتمبر). وسيستخدم الكثير من الناس هذه الذكرى لإعادة النقاش حول حرب العراق، وغوانتانامو أو الإنفاق المهدور على الأمن الوطني. لكن أسوأ أخطائنا كان شيئاً حذفناه. ففي جعلنا الإرهاب الإسلامي أولوتينا المركزية -وفي بعض الأوقات أولويتنا الوحيدة- أغفلنا الاهتمامات الاقتصادية والبيئية والسياسية لباقي الكرة الأرضية. والأسوأ أننا نحينا مشاكلنا الاقتصادية والبيئية والسياسية جانباً إلى أن أصبحت كبيرة جداً وعصية على التجاهل.
دعوني أكرر: إن نقطة الانعطاف التي صنعتها السياسة الخارجية الأميركية بعد 11 أيلول (سبتمبر) لم تكن فشلاً، لكننا تحت رئاسة الرئيس بوش ضيقنا آفاقنا، وتوقفنا عن التفكير في خيارات استراتيجية أوسع، وأعرنا القليل من الانتباه للمنافسين المستقبليين وإلى نقاط ضعفنا المحلية. ومن جهته، تعامل الرئيس أوباما بطريقة سيئة، ولم تكن لديه الطاقة والموارد وقوة الإرادة لفعل ما هو أفضل. وبعد عشر سنوات، هل يكون الأمر أن الطائرات التي ضربت نيويورك وواشنطن قد ألحقت بالأمة ضرراً أقل مما ألحقه بها شلال من القرارات السيئة التي تلت ذلك؟

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The price we paid for the war on terror

التعليق