ما الذي ينتظر سورية؟

تم نشره في الاثنين 22 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 22 آب / أغسطس 2011. 04:52 صباحاً
  • سوريون يتظاهرون في دمشق يوم 10 تموز-يوليو الماضي - (أرشيفية)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كاتب مجهول*
 (ذا نيشن) 2011/8/9
يبدو "ميدان التحرير" فارغاً. وتبدو الشواخص ذات اللون الأزرق الملوكي، والتي توجه حركة السير إلى الدوار- الأكثر تواضعاً قياساً بنظيره المشهور عالمياً في القاهرة- تبدو أكثر انطواءً على المفارقات بازدياد. وبالنسبة للمواطنين الراغبين في ثورة تطهيرية سريعة مثل ثورة مصر، فإن ضآلة ميدان التحرير الخاص بهم هي بمثابة المزيد من الملح على جرح ملتهب منذ زمن طويل. أما بالنسبة لآخرين ممن يخافون البديل المجهول الذي سيحل محل الوضع الراهن السائد، وإنما المألوف، فإن الميدان بهذا الشكل هو نوع من الخلاص.
ومن دمشق التي تعيش الحياة كما هي طبيعتها في الأغلب، يبدو الميدان المصر أبعد بقليل فقط عن المدينة التي أصبحت وعلى نحو سريع "التحرير السوري" المجازي: مدينة حماة إلى الشمال، المشهورة بنواعير المياه الجميلة، مثلما هي مشهورة بمذابحها التي ذهبت من دون عقاب، والتي شهدتها المدينة في الماضي كما تشهدها في الوقت الحاضر.
وقدرت تقارير الأخبار عدد القتلى في حماة عند نهاية الأسبوع الماضي فقط عند 200 شخص. وفيما تشن القوات حملات على مدن أخرى، قتل حتى الآن أكثر من 2000 سوري على يد الحكومة.
طوال الربيع الفعلي، وراهناً الصيف غير الممتع الذي يسمى "الربيع العربي،" يرقب العديد من الدمشقيين بتوجس، بينما تؤلمهم سلسلة من الروايات المستفزة التي يرتبها نظام يقاتل من أجل الشرعية المحلية، وليس الدولية. وفي كل يوم، ومن خلال محطات تلفزته وصحفه المملوكة للحكومة،  يبث نظام الأسد للسوريين تبريراته للحملة العسكرية الوحشية التي يشنها على مواطنيهم السوريين. ويدعي النظام بأن الاحتجاجات المتواصلة ضد الحكومة إنما هي من وضع وتنسيق، أو تسلل إرهابيين مسلحين أجانب. ونشاهد يومياً اعترافات مزعومة لسوريين ممن يتلقون، كما هو مفترض، أموالاً ليكونوا إرهابيين، بالإضافة إلى مقابلات مع جنود سوريين جرحى مزعومين، مع لقطات مقربة لأغطية أسرة ملطخة بالدماء، وصور أشرطة فيديو لمستودعات أسلحة مزعومة، ومشاهد لمحتجين مزعومين وقد تلطخت سكاكينهم باللون الأحمر.
ولم يكن استبعاد رواية المؤامرة/ الدفع الأجنبي للاحتجاجات سهلاً بالنسبة للسوريين كانت الحال مع روايات مماثلة اختلقها الدكتاتوريون في تونس ومصر واليمن وليبيا. وهناك عدة أسباب وراء ذلك: الافتقار إلى وجود صحفيين مستقلين يغطون الحالة في وقت تعمل فيه ماكينة دعائية سورية متطورة بكل قوتها؛ العقلانية النسبية والكاريزما التي يتمتع بها الأسد وزوجته العَصرية، مقارنة بالزعماء السلطويين الآخرين؛ وعدم تنظيم المتظاهرين والمعارضة (مع احتمال أن يكون بعضهم مسلحاً في الحقيقة).  ثم، هناك الأطروحة القائلة بأن الديمقراطيات الغربية تكذب، وترتكب أعمال عنف أيضاً، من دون تجريدها من تخويلها بالحكم-ويجري الحديث عن قصة "أسلحة الدمار الشامل" وغزو العراق باعتبارها الأمثلة المفضلة.
وهكذا، فإن النقاش الذي يدور بين السوريين المترددين في الانضمام إلى الاحتجاجات، ناهيك عن الخوف المبرر جداً من التعرض القتل أو الاختفاء، لا يدور حول ما إذا كان الأسد قد ارتقى إلى السلطة بطريقة مشروعة -ومعظمهم يقولون إنه ليس كذلك- وإنما يدور حول ما إذا كان هو في الحقيقة الشر الأكبر الذي يواجهونه. ولأنهم يقعون مثل الإسفين بين بيروت وبغداد، لا يأخذ السوريون الأمن النسبي الذي يقدمه النظام كأمر مسلم به، ويشعر العديدون منهم بالنفور من فكرة التنازل عنه، حتى لو كان ذلك على حساب حقوقهم وحرياتهم الأساسية، وربما الأسوأ في كونهم شعب محدد سياسياً من حيث الإمكان.
وبالاضافة إلى طرح شك كبير حول هوية المحتجين، شكك النظام أيضاً في ما يريدونه في الحقيقة. ولعل الاقتراح الذي لا يتم إخفاؤه كثيراً هو أنهم لن يتوقفوا، حتى يحرزوا نوعاً من الثيوقراطية السنية السلفية، حيث يتم إما ذبح الأقليات أو قمعها بشكل صارم. وبالنسبة للمسيحيين، فإنهم لا يحتاجون إلى النظر أبعد من حرق الكنائس في مصر، أو ما هو قريب من إفناء المسيحيين في العراق، فيما يعتبره البعض سوابق منطقة لما يمكن أن يحدث معهم. وبين العلويين الذين يعتبرهم العديد من السوريين صنوان هم والنظام، فكرة أنهم يستطيعون البقاء وحسب إذا استمروا في حكم البلد، لأن الانتقام –الذي استمر 40 سنة قيد الإعداد – سوف يكون بلا رحمة.
لكن النظام يسعى، في نفس الوقت، أن يلقى القبول في نزعة وحدة قومية سورية تضم كل العرقيات وكل الطوائف، من خلال إيصال رسالة بأن ذلك موجود على لوحات الإعلانات المضاءة من الخلف والملصقات في كافة انحاء البلاد. وبالنسبة لمن لا يعرف قراءة العربية، فإن هذه قد تبدو مثل إعلانات لترويج سلع استهلاكية، وليس حملة "تعليمية" تستهدف جعل الجمهور غير عارفين وهادئين. وتجعل الصور المصقولة، والألوان القومية، والحروف المحببة، تجعل الشعب الصوري وكأنه في طور الرضاعة حين تقول له مثلاً، بأنه بغض النظر عن محطتنا في الحياة، وعن نظرتنا السياسية أو عمرنا، فإننا كلنا "مع القانون،" أو "مع سورية." وتتضمن رسائل أخرى على عبارات مثل "لا الطائفية،" أو "نعم للحوار ولا للعنف،" من دون اعتراف بالعنف الذي استخدمته الحكومة ضد شعبها.
وتبدو الملصقات أقل تهديداً بقليل فقط من صور حقبة الأسد الأب السابقة، ووجهه المنمل التي تكون متدلية بارتفاع طوابق على جوانب البنايات، أو بحجم المحفظة،، لكنها مثبتة على لوحة عداد السرعة في كل سيارة تكسي-غالباً ملصقة على شكل قلب باللون الأحمر. ويمكن لتلك الصور أن تكون متمتعة، على الأقل، ببعض الأمانة: فقد كانت الحكومة دكتاتورية بما لا يدع مجالا للشك، وكانت تراقب ولم تكن هناك إصلاحات على الطريق.
ينطوي قبول فكرة القومية السورية على مفارقة، على أساس أن نظام الأسد نفسه أمضى الأعوام الأربعين الماضية وهو يسهم في خلق الانقسامات الطائفية، عبر تكريس السلطة في أيدي طائفة واحدة: العلويين. وبالإضافة إلى ذلك، قامر أخوة الأسد بالقول بأنه يستطيع ترويض الأغلبية السنية عبر السماح للسعوديين ببناء المزيد من المساجد السنية في سورية، لكن مع السيطرة على نفوذ الفكر السعودي الذي يؤكد من حيث الجوهر على الهوية السنية.
لكن النتيجة المتجمعة تمثلت في إرساء أساسات حرب أهلية محتملة بين السنة والعلويين الذين يتوافرون على سلطة غير متكافئة، مع أعدادهم التي لا تتجاوز نسبة 12 % من المواطنين). وقد وظف العلويون الذين يسيطرون على القوات المسلحة هذه القوات لقمع مشاعر الامتعاض، بل وحتى لقصف بلدات بأكملها. وعلى النقيض من القوات المصرية، فإن القيادة العلوية في معظمها للقوات السورية تتوافر على القليل من الاستقلال عن النظام، وهي غير راغبة كما يبدو في التضحية برجلها من أجل المزيد من الديمومة. وينفي العديدون من المشاركين أن الدين يعد عاملاً محركاً يقف خلف الحشود. لكن، ولأن وجه النظام علوي في الوقت الذي يعكس فيه معظم المحتجين وجها سنياً، فإنه لا يمكن إنكار أن ثمة ظلالاً طائفية تلوح في الأفق.
وبالفعل، تبدو للعيان تلميحات باندلاع حرب أهلية، تجسدت في بعض عمليات القتل التي وقعت أو يزعم بأنها تمت، والتي قتل فيها أناس على أساس افتراض انتمائهم الطائفي، وهي حقيقة عزف على وترها النظام. وفي محطة للحافلات مؤخراً، كان رجل ينتظر الحافلة المتجهة إلى حمص، حيث تحتل الدبابات السورية مركز المدينة، وحيث يمكن سماع المظاهرات الليلية والطلقات النارية. وقال جاداً لسيدة كانت تقف إلى جانبه أن صحيفة حزب البعث الحاكم ذكرت أن القتل في حماة وحمص "على الهوية" قد بدأ، في إشارة إلى عمليات القتل خلال الحرب الأهلية في لبنان، والتي شهدت قتل أناس لأنهم كانوا من أتباع ديانة "أخرى" بعد إبرازهم هوياتهم عند نقاط التفتيش. لكن السيدة، التي كانت من حمص، نفت ذلك نفياً قاطعاً. وفي المرتين، شعر الناس من حولهما بأنهم في حالة ارتباك فيما يتعلق بالحقيقة (بغض النظر عن أن بطاقة الهوية القومية السورية لا تذكر الدين).
ولسوء الطالع، لا تعد مثل هذه الحملات الدعائية غير ذات أثر. فمن المسيحيين إلى المسلمين، يبين العديد من السوريين كل نقاط القصور عند الأسد ليتساءلوا بجدية عن: "ما هو البديل،" وكأنه لا يوجد لديهم دور يلعبونه فيما سيأتي تالياً. وما يراه العديدون في القاهرة ليست حالة فوضى وديمقراطية متبرعمة، وإنما مجرد ورطة ستقضي في نهاية المطاف إلى تسيد السلفيين والإخوان المسلمين المشهد.
لكن، وفيما يستمر النظام السوري في قتل شعبه وفي محاصرة بلدات بأكملها، فإنه يسهم في تآكل أي مصداقية استطاعت جهوده الدعائية جلبها. ويدق العديد من السوريين أعقاب أحذيتهم استعدادا للطريق الطويل، مدركين أن "الحالة" أو "المشاكل" كما يقول السوريون، ستصل في نهاية المطاف إلى العاصمة ما لم يتغير شيء ما. وحتى الآن، يبدو النظام وأنه عاقد العزم على المضي قدماً في مساره، ولن يوقفه الضغط الدولي. وفي الحقيقة، ولحد ما، عملت الإدانات الدولية لما فيه صالح النظام لأن العديد من السوريين يرون في ردود الفعل الغربية على الانتفاضات المختلفة التفافاً وعدم التزام فحسب، وهو ما يساعد بالتالي في تغذية الفكرة القائلة بأن الاحتجاجات السورية هي في الحقيقة مؤمرات خارجية.
من الطبيعي أن لا تكون دمشق فقط هي المدينة الوحيدة التي تهم. فالمتظاهرون من ريف دمشق إلى حماة، شرعوا في إطلاق هتافاتهم التي تدعو مدينة حلب للانضمام إليهم، وتنظر الكثير من العيون إلى هناك الآن. لكن، وبينما قد لا يتفتق تحرير سورية عن "ميدان تحرير" دمشق، فإنه لا يمكن له أن يتجسد من دون العاصمة. وللوقت الحالي، بيدو أن الدمشقيين ليسوا في عجلة من أمرهم، خاصة خلال هذا الشهر المقدس (رمضان). وإذا استمرت قوة التاريخ في إعادة قولبة الشرق الأوسط، فقد يكون هذا آخر رمضان للبلد كما ألفوا معرفته.


* ملاحظة المحرر: تم إبقاء هوية الكاتب طي الكتمان من أجل حمايته.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
What Lies Ahead in Syria?

التعليق