كتاب: الأدب سيظل حاملا للثورات فكرا وتطبيقا ونهج حياة

تم نشره في الجمعة 19 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً
  • مصريون يرقصون في ميدان التحرير بوسط القاهرة إبان ثورة 25 يناير-( ا ف ب)

جمال القيسي

عمان- تختلف الكتابة روحا ونصا حسب المناخ الذي تنطلق منه، راسمة بذلك عشرات الصور والامزجة والالوان والطرائق في الكتابة؛ فالكتابة في زمن القمع غيرها في زمن الحرية او خلال الثورة، كذلك هي على حال مختلف في زمن الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
تتنوع ادوات الكتابة حفرا في المعرفة، محاولة ان تجتذب اليها ما لا يقل عن الشروط الموضوعية الحقيقية للوصول الى افكار ورؤى، تكون بديلا مؤكدا عن واقع يسعى الكاتب لا ريب الى تغييره وتبديله و/أو إذا كان واقعا قبيحا تجميله وفلسفته.
برزت الكثير من الاعمال الابداعية الكبيرة التي تعد علامات فارقة في الادب من رحم الثورات مثل الثورة الروسية التي انتجت ادبا حديثا لافتا ومؤثرا، تميز بعمق في الطروحات وغور في المشاعر الدافقة بالانسانية ومعاني الحياة.
واذا كانت الثورات العربية او ما يسمى الربيع مداهمة للمواطن العربي نفسه على صعيد التوقيت والادوات والمجريات والنتائج؛ فلا هو يعرف تاريخ انطلاقها ولا الذي سيستعمله فيها ولا ما سيجري خلالها تحديدا وبالتالي لا يدري النتيجة او مدة الحدث او الانتفاضة او الثورة او الاحتجاج.
ظهرت العديد من القصائد لشعراء يتغنون بالثورات العربية ورموزها والتعامل معها كحالة دافعة على الادب، وظهرت كتب عنيت بأدبيات الثورات وملامحها، بل وصدرت مجموعات قصصية تلامس روح حراك الشعوب العربية وربيعها.
القاصة والروائية المصرية أمينة زيدان ترى الكتابة ذاتها فعلا ثوريا متجددا ودائما ونضرا طوال الوقت، معتبرة ان "الكتابة الابداعية كانت وما تزال وستبقى ضمير العالم الذي ينبض بهواجس واحلام وآمال البشر وأنها تتعامل دائما مع الكتابة على أنها حالة ثورية".
وتضيف زيدان الفائزة بجائزة نجيب محفوظ للرواية، انها لا تنكر وجود ثورات عربية مكتملة ومتكاملة، مؤمنة بانجاز الفعل الثوري لضروراته وشروطه الموضوعية التي انطلق منها وعلى وجه الخصوص في الحالتين التونسية والمصرية اللتين تميزتا بخصوصية عالية.
وتكشف عن خيبة املها في اعمال ابداعية خرجت من وحي الثورة "اتصفت بالخفة والسرعة في التعاطي مع الحالة"، معتبرة ان الاساس الذي يحكمنا في هذه الحالة هو "السوية الادبية والفنية الى العمل وليس القيمة الكبرى التي انطلق منها وهي الثورة فقط".
ولفتت الى ان الاعمال الانفعالية التي تخرج عن اصحابها نتيجة العيش في ظروف عاطفية، "لا يراهن بأي حال على مدى بقائها طويلا في النفس والوجدان، لأنها غالبا ما تكون مشحونة بالتأثر الآني والظرف الذي قد يتغير سريعا ولا يكون قد أدى معناه في العمل الابداعي".
وتؤكد زيدان أنها تؤمن بأن الأدب والابداع بأشكاله كافة هو الذي "سيظل حاملا للثورات فكرا وتطبيقا ونهج حياة، لافتة الى ان "تفاصيل الادب هي الدفاع عن الحياة بجمالها وحق الانسان في التعبير ونشدانه الحرية والانعتاق والعدالة الاجتماعية". فيما تشير الدكتورة بسمة الدجاني الى أن الربيع العربي انعش أرواح العديد من المبدعين، ممن لهم سير إبداعية وممن اكتُشفت إبداعاتهم من خلال التفاعل الفكري والسياسي، فنضجت بشكل أو بآخر، وبرزت على السطح.
وتضيف ان فعل الثورات العربية كان هائلاً على جميع الصعد حتى أنه خلق ردود أفعال لها وزنها وتستحق الدراسة، رائية أن "الكتابة الإبداعية من وحي الثورات العربية حافز لمن كانت لديه مشاعر مكبوتة لعقود، وعامل مساعد للكشف عن الطاقات والمواهب الفنية بألوانها المختلفة".
وتتابع أنه لفتت نظرها قصائد الشاعر عبد الرحمن يوسف مصوراً بعض أهم أحداث ميدان التحرير خلال ثورة 25 يناير المصرية مجسدا فيها لحظات خالدة، وملخصا قيم الشباب ودورهم في التغيير.
وتتابع أنها كذلك "تقرأ بتأثر ما تكتبه بعض الصديقات اليمنيات وبعض الناشطات الليبيات من تأملات تصف واقع الحال والحال المأمول الوصول إليه. "فكثيراً ما يكون للفعل عظمته وتأثيره، ولكننا نرقب بإعجاب ردود الفعل التي أولدت إبداعات متنوعة في ربيع وطننا العربي المعاصر". 
القاص جعفر العقيلي يرى ان الأصل في الأدب أن يكون "تنبؤياً واستشرافياً" مشيرا الى أنه في الحالة العربية الراهنة، باستثناء نماذج من المنتَج الشعري بين زمنٍ وآخر، قدمت رؤيا أو تطلّعت إلى أفقٍ قبل حلوله. ويلفت الى أن "للشعر خصوصية في التفاعل مع محيطه، لأنه مبنيّ على الانفعال مثلما على الرؤية،" لذلك تتوالى القصائد وهو ما يزال مشتعلاً، بينما لا يتوافر هذا للنص السردي (القصة أولاً، ثم الرواية)، إذ يتطلب توثيقُ اللحظة تريُّثاً من النص السردي، لإنضاج الأفكار، وتأمُّل الأحداث والتداعيات، كي يكون النص قادراً على التعبير عن الحدث والارتقاء إلى مستواه".
ويأسف باكتفاء المبدع عربياً بدورٍ هامشي في ما يدور حوله، مُستثنيا منه حالات معدودة في ثورة 25 يناير، وأقلّ منها في تونس، وأقلّ بالتأكيد في ليبيا وسورية والأردن" ففي ظل حقيقة أن الأدب رسالة وموقف، فإن المبدع مطالَب بأن يكون في الصدارة إن كان الحديث يجري عن حراك جماهيري مطالبٍ بالإصلاح أو منادٍ بالديمقراطية، أو متطلّعٍ إلى الحرية. على صعيد شخصي.
ويكشف عن أن الدافع الحقيقي وراء إصدار مجموعته القصصية الثانية "ربيع في عمّان"، بعد عزوفٍ عن النشر دام تسع سنوات، هو ما حدثَ في ميدان جمال عبد الناصر (24 آذار)، "فقد وجدتني مدفوعاً على الكتابةٍ بوحيٍ من تجربة شخصية، وإن اختلفت التفاصيل بعض الشيء بين الواقع وبين ما انطوت عليه القصة، فللفن متطلباته أيضاً واشتراطاته".
ويضيف حين "ذهبتُ باتجاه تدوين الموقف مما يجري، وفق صياغة فنية تندرج في إطار السرد (القصة)، كنت أدرك أن هناك بالضرورة مزالق ستواجهني في طريقي، فربط الأدب بالحياة ليس سهلاً، والحدثُ ما يزال يتفاعل، فكيف تكتب عنه وهو لم ينتهِ بعد، ولم تظهر نتائجه".
ويوضح "لذا راهنتُ على قدرتي في إبقاء مسافة كافية بين النص والواقع، رغم ما يبدو من حقيقية الأحداث والشخوص وواقعيتها. ولا أخفي عليك أنني لو عدتُ الآن إلى "ربيع في عمّان"، لربما أعدتُ النظر في تفصيلةٍ أو تعبير هنا أو هناك".
ويختم العقيلي "عزائي أنني كنتُ أرغب أن أحاكي اللحظة، وأن أستلهم الحراك، لأعيد صلةَ ما انقطع من علاقة الأدب بالحياة. دون أن أؤثّر في المستوى الفني للقَص، أو أتنازل عنه بحجّةٍ شبيهةٍ بتلك التي شاعت في زمن "كتابة المقاومة"، من أن الموضوع يشفع لصاحبه، ولا عزاء للفنّيات حينئذ".

jamal.qaisi@alghad.jo

التعليق