الغرب يقع في فخ أزمة الديون مجددا

تم نشره في الاثنين 15 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

مارك رو*
كمبريدج - لقد وقع الغرب في فخ أزمات الديون. فالولايات المتحدة، كما يعلم الجميع، اقتربت إلى حد خطير من العجز عن سداد ديونها في الثاني من آب (أغسطس)، ثم خفضت ستاندرد آند بورز تقييم ديون الولايات المتحدة من (أأأ) في الخامس آب (أغسطس). وفي أوروبا يوصي رئيس البنك المركيز الأوروبي المنتهية ولايته بالمزيد من السلطة المالية المركزية في أوروبا حتى يتسنى لها أن تتعامل مع حالات العجز عن سداد الديون المحتملة من قِبَل اليونان والبرتغال وأسبانيا.
وبوسع كل من أوروبا وأميركا أن تتعلم درساً مخبأً في التاريخ الأميركي، ففي ضباب التبجيل الوطني لمؤسسي أميركا ضاعت حقيقة مفادها أنهم أسسوا دولة جديدة في خضم ـ وإلى حد كبير بسبب ـ أزمة ديون طاحنة ومحبطة. وإنني لأتمنى أن يتمكن الأميركيون من تحويل أزمة اليوم إلى لحظة مماثلة من الإبداع السياسي.
بعد الاستقلال عن بريطانيا في العام 1783، رفضت الولايات الأميركية سداد ديونها التي ترتبت على حربها الثورية. كانت بعض الولايات عاجزة عن السداد؛ ولكن ولايات أخرى كانت غير راغبة في السداد. ولقد عملت الدولة بالكامل كاتحاد فيدرالي فضفاض، مثل الاتحاد الأوروبي اليوم، يفتقر إلى سلطة فرض الضرائب وغيره ذلك من السلطات. ولم يكن بوسعها أن تحل مشاكلها المالية، وفي النهاية أدت تلك المشاكل ـ التخلف المتكرر عن سداد الديون غالبا ـ إلى إبرام اتفاقية فيلادلفيا في العام 1787 التي أفضت إلى إنشاء الولايات المتحدة الجديدة.
وآنذاك، أثناء الفترة 1790-1791، تمكن ألكسندر هاملتون، أول وزير خزانة لأميركا، من حل الأزمة في واحدة من أعظم نجاحات بناء الأمم في التاريخ. فقد نجح هاملتون في تحويل الحطام المالي في أميركا في ثمانينيات القرن الثامن عشر إلى ازدهار وتماسك سياسي في تسعينيات القرن الثامن عشر.
ولكي نفهم الإنجاز الذي حققه هاملتون ـ وبالتالي لكي نقدر مدى أهمية ذلك الإنجاز بالنسبة لزمننا الحالي ـ فيتعين علينا أن نفهم حجم أزمة الديون التي ترتبت على الحرب.
كانت بعض الولايات تفتقر إلى الموارد اللازمة لسداد ديونها. وحاولت ولايات أخرى أن تسدد ديونها ولكنها ما كانت لتفرض الضرائب اللازمة لذلك. وحاولت ولايات أخرى، مثل ماساتشوستس، فرض الضرائب، ولكن مواطنيها رفضوا الدفع. بل إن بعض محصلي الضرائب قوبلوا بالعنف. وذهب المزارعون المدينون إلى حد إعاقة عملية تحصيل الضرائب بدنيا، وكانت أشهر الحالات تمرد شاي في ولاية ماساتشوستس.
ولم تفلح حتى آليات سداد الديون الخاصة عن طريق المحاكم. حتى أن جيمس ماديسون، الذي أصبح فيما بعد المؤلف الرئيسي لدستور الولايات المتحدة، عجز عن الاقتراض لشراء قطعة أرض على حدود ولاية فرجينيا، لأن المقرضين كانوا يفتقرون إلى الثقة في قدرة محاكم فرجينيا على فرض السداد. بل إن جورج واشنطن أعرب عن حسرته وألمه لأن أميركا لم تكن "دولة محترمة". ولقد اعتبر تمرد شاي مثيرا للقلق إلى حد أنه خرج من تقاعده الأول لتولي رئاسة لجنة اتفاقية العام 1787.
واليوم سنجد أن أبرز ميزات دستور الولايات المتحدة تتلخص في توزيعه للسلطات بين الكونجرس والرئاسة، وضمانه للحقوق الفردية عن طريق تعديلاته العشرة الأول. ولكن الدستور في ذلك الوقت لعب دوراً رئيسياً كآلية لسداد ديون الحكومة. فقد أنشأ الدستور حكومة وطنية جديدة قادرة على صك عملة مستقرة، والاقتراض، وسداد الديون، بما في ذلك ديون الحرب الثورية لدى الولايات التي تخلفت عن سدادها.
ومع التصديق على الدستور في العام 1789، أصبح واشنطن رئيساً وعين هاملتون ـ الذي كان في الثلاثينيات من عمره ـ لتولي وزارة الخزانة. لم يكن هاملتون متخصصاً في الموارد المالية، بل كان رئيساً لأركان واشنطن أثناء الحرب الثورية، وكان سريع التعليم: فعندما كان لزاماً عليه أن يتعلم تكتيكات القتال، قرأ الكتيبات العسكرية؛ وعندما جاء الوقت لكي يصبح زعيماً وطنيا يفهم في الإدارة المالية، قرأ كتب التمويل.
ورغم ذلك، لم يكن من قبيل المصادفة أن اثنين من الرجال العسكريين كانوا بمثابة المفتاح إلى تحويل الولايات المتحدة إلى "أمة محترمة" من الناحية المالية. فكل منهما كان يعمل وفقاً لتصور مفاده أن الولايات المتحدة القوية مالياً فقط هي القادرة على امتلاك القوة العسكرية اللازمة للدفاع عن نفسها في مواجهة القوى الأوروبية، التي توقع الرجلان عودتها إلى التراب الأميركي.
ولكن الحصول على الدولارات اللازمة لسداد الديون لم يكن بالمهمة السهلة. فلم تكن هناك استحقاقات تسمح بالاقتطاع من الأموال الحكومية أو إعادة توجيهها. ولقد أدرك هاملتون أن فرض الضرائب الخطأ من شأنه أن يضعف الاقتصاد الهش بالفعل. وعلى هذا فقد ركزت الضرائب على الواردات والسلع غير الأساسية.
كما كان هاملتون بحاجة إلى موافقة الكونجرس على تولي الحكومة الفيدرالية للمسؤولية عن ديون الولايات، وهو الأمر الذي بدا في مستهل الأمر غير مرجح. وكانت بعض الولايات، مثل فرجينيا، سددت بالفعل قسماً كبيراً من ديونها، وفي ولايات أخرى تحولت الديون إلى لعبة مالية بين أيدي المضاربين في نيويورك. ونتيجة لهذا فإن العديد من الولايات كانت تخشى أن يكون معنى تحويل مسؤولية ديونها إلى الحكومة الفيدرالية استخدام الضرائب المحصلة منها لتمويل المضاربين الشماليين أو تخفيف ديون الولايات المقترضة الضخمة، مثل ماساتشوستس.
وعلى هذا فقد صوتت ولاية فرجينيا وغيرها من الولايات الجنوبية التي كانت الديون المستحقة عليها قليلة أو سددت ما عليها من ديون، صوتت ضد مشروع قانون هاملتون الأول لتولي الحكومة الفيدرالية لمسؤولية الديون، وتمكنت من إلحاق الهزيمة به. وكان من المتوقع أن تبدي تلك الولايات ذلك القدر من العناد، وهي النتيجة التي كانت لتؤدي إلى زوال الدولة الوليدة.
كما عارض جيفرسون وماديسون، القائدان الجنوبيان، خطة هاملتون، وكان ماديسون حاسماً في إعاقة تلك الخطة في الكونجرس. ولكن في وقت لاحق، التقى الزعماء الثلاثة على العشاء وعقدا صفقة. لم يكن جيفرسون وماديسون راغبين في أن تكون عاصمة البلاد في الشمال، ووافق هاملتون على مضض على دعم نقل العاصمة إلى منطقة مقتطعة من فرجينيا أو ماريلاند. وفي المقابل وافق الزعيمان الجنوبيان على تأمين الأصوات اللازمة لتولي الحكومة الفيدرالية ديون الولايات وسدادها.
ونشأت الدولة المسؤولة مالياً من تلك التسوية. وعلى الرغم من التكلفة الهائلة ـ أكثر من نصف إنفاق الحكومة الوليدة في سنواتها الأولى كان يخصص لسداد الديون ـ نجح اقتصاد الولايات المتحدة في التخلص من كساد ثمانينيات القرن الثامن عشر ودخل في طرفة من الرواج والنمو.
الواقع أن مهمة هاملتون كانت أسهل وأصعب من مهمتنا اليوم. كانت سهلة لأن الخيارات كانت ضئيلة: فلم تكن هناك معدلات ضريبة دخل كافية للتعديل والتكيف ولم تكن هناك صلاحيات لخفض الديون. وكانت أصعب لأن الولايات المتحدة كانت آنذاك عبارة عن كيان غير معروف، ولم يكن هناك من الأسباب الوجيهة ما قد يدعو إلى الثقة في أميركا التي لم تكن قد تحولت بعد إلى أمة حقيقية.
إن مسار اليوم هو عكس مسار ثمانينيات وتسعينيات القرن الثامن عشر. فمن الصعب اليوم بالنسبة لأميركا (وبالنسبة للعالم حتى وقت قريب) أن تتخيل عجز الولايات المتحدة عن سداد ديونها، حيث لم ينشأ أي سبب قوي للخوف من أمر كهذا منذ تسعينيات القرن الثامن عشر.
واليوم يعرف الأميركيون ماذا يتعين عليهم أن يفعلوا: المزج بين خفض الاستحقاقات وزيادة الضرائب. والأوروبيون أيضاً يعرفون أنه يتعين عليهم أن يعملوا على إيجاد توازن جديد. ولكن إلى أن تجد أوروبا والولايات المتحدة الزعماء الذين يتمتعون بالقدر الكافي من السلطة والإرادة لتكرار نسخة حديثة من الصفقة التي توصل إليها هاملتون وجيفرسون وماديسون قبل مائتي عام، فإن مشكلة الديون سوف تستمر في إضعاف الأساسات الوطنية التي تقوم عليها أوروبا وأميركا.


*أستاذ بكلية الحقوق بجامعة هارفارد.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت

التعليق