تحليل ثقافي

كتاب ينتقدون حقيقة الصورة ويطالبون الشعب السوري بوقف محاولاته لتغيير واقعه المؤلم

تم نشره في السبت 6 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

زياد العناني

عمان - ما يزال بعض الكتاب العرب يغرقون في مستنقع الأنظمة الشمولية، ويقفون في منطقة الممانعة ليس لإسرائيل كما نعد ونحتسب، وإنما للإعلام العربي الجديد الذي فضح وما يزال يفضح كارثة الاستبداد بالصوت والصورة.
وبين خبث وذهول يغمط هؤلاء الكتاب حق الإعلام الجديد، ويكذب بعضهم تمدد سلطته وسرعة وصوله إلى بؤرة الحدث وصياغة الخبر وحمله الدائم للخطاب المناهض لكل نظام ينتهك حقوق الإنسان أو يرتكب الجرائم بحق شعبه الأعزل.
قبل أيام قام وفد من الكتاب بزيارة رسمية إلى سورية، وحين عادوا أخذوا على عاتقهم مهمة إخفاء مجازر وعيوب النظام السوري، مبينين أن الشعب السوري بخير عميم وأن ما نراه على المحطات العربية مجرد "كذبة كبرى"، يحاول منتجوها التشويش على المشاهد العربي والعمل، ضمن منطقة قلب الحقائق.
وادعوا أنّ سورية ليست حاضنة لتوطين القهر، ولا تحارب مواطنيها أو تفتت مكنونات المجتمع المدني أينما وجد وأنّ مدنها الملطخة بالدم دم بلا فظائع وبلا قتل ولا جوع تتنفس حرة، وأنّ ما نراه هو خطأ في الصور التي ركبتها دول معادية، والمظاهرات التي تحدث في حماة تتكون من 300 متظاهر، وليست تزيد على نصف مليون تكاثروا وتناسلوا أمام الكاميرات، مثلما تتعدد وتتناسل الصور المتحركة.
ولأنّ رموز هذا الوفد ما انفكوا يتحدثون عن الدور العضوي للمثقف، خرجوا علينا من الصناديق التجميلية بلغة لا تحترم الذكاء العام، وراحوا يقدمون الدروس الوطنية والقومية الكاذبة، والأنكى أنّهم اجتهدوا كثيراً في مسألة تحريم الحرية، وترسيخ الإعاقة جماهيرية من خلال قولهم إنّ ما يحدث في سورية مجرد معركة صغيرة بين النظام السوري وبين مجموعة من المهربين وقطاع الطرق لا غير. 
هكذا وبكل بساطة صار الشعب السوري وصارت الجماهير العربية التي تسمع وترى عند هذا الوفد الذي لا نعرف من أوفده مجرد دهماء، لا تميز بين المقاومة والإرهاب، والعدالة وحقوق الإنسان وصار من حق النظام السوري أنْ يتجرأ على الدم، ويهرس المعارضة، لأنها تعيش مراهقة روحية وفكرية، ولا بد من رعايتها ومساءلة نياتها وأفكارها، وحشرها في دائرة الخطوط الحمراء والممنوعات السياسية إلى الأبد.
وبناء عليه أمعن هذا الوفد في التنكر للإعلام الجديد، وحاول ضرب تأثيره الحيوي وعزله عما يحدث، خوفا من مغامراته الخطرة في النقد والاستقصاء، ورغبة في شل قدرته على التوغل في صناديق البلدان المغلقة، وفتح محتوياتها بالصوت والصورة، واستفزاز الشعوب العربية لتغيير واقعها المؤلم.
بيد أنّ أبواق هؤلاء لم تلغِ المفارقة التي حققها الإعلام العربي الجديد والتي تكمن في اختراقه الإعلام الغربي، إلى الحد الذي أصبحت فيه بعض المحطات العربية مفتوحة في ردهات البيت الأبيض، ومناطق صناعة القرار في العالم كله ليس لأنها محطات كاذبة، وإنما لأنها تجاوزت نفسها وعرفت كيف تكون مشمولة بشيوع جملة من الأشكال الاتصالية التي تفوقت على المنع والحجب، وامتلكت عناصر النجاح، إضافة إلى تشكيلها لخلفية حاذقة متأتية من الانتباه التام لموضع المرسل وكذلك المتلقي، والرسالة التي تعد قوة إيجابية يتوجّب أنْ تصاغ بمهنية عالية.
إلى هذا كيف يتخيل بعض الكتاب أنّهم يستطيعون أنْ ينكروا حقيقة هذا الإعلام الجديد الذي تخطى الزمن السياسي، وأفسد عليه استقراره الدموي، وأرهق كل طاقته الإعلامية، وصار مساهماً قوياً في تشكيل الرأي العام العربي، خصوصاً أنّه قدم قرابينه في مناطق النزاع، وسجل العديد من الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم من أجل الوقوف على الحقيقة، ومواكبة كل جديد في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ثم كيف لهؤلاء الكتبة أن يعيشوا تلكؤا مخجلا في سوء الفهم وفي عدمه، وكيف لهم أن يصدقوا أنهم ينتمون لعالم الثقافة والكتابة، وهم مجرد غرماء للشعوب العربية إجراء عند أنظمة لم يبق إلا أن تسقط فوق رؤوسهم.
نعرف أنّ هناك مولات للتسوق تبيع كل شيء ولكن الذي لم نعرفه بعد هو كيف يباع ضمير المثقف وكيف لا يخجل حين ينخرط في تأليه فرد لا حضور له سوى حضور الدم ولا لون له سوى لون الرصاص؟ أما السؤال الذي يحرق الرأس تماما فهو لماذا قبل هؤلاء الكتاب الشراكة مع هذا النظام القمعي، ولماذا اندفعوا في الغي بلا ذمة أو كرامة لكي يسندوا حائطه المتهالك ويكذبوا مرة من خلال الحديث عن المؤامرة ومرة من تزوير العصابات من غير أن يتوقفوا عند حقيقة الدم المتوهجة في كل سورية والتي لا تحتاج إلى مجهر أو منظار أو حتى اعتراف بشرب الدماء، وذلك أمام الحقيقة الكبرى التي تؤكد دائما أن الأرض تشرب كل شيء ولا تشرب الدماء.

zeyad.anany@alghad.jo

التعليق