تلاشي النوايا الطيبة في السياسة الأميركية الشرق أوسطية

تم نشره في الأحد 24 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً
  • مواطنون عرب يشاهدون كلمة أوباما عن الشرق الأوسط مؤخراً -...

جيمس زغبي – (فورين بوليسي) 15/7/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تسنت لي قبل شهور قليلة فرصة لتبادل الآراء بشكل سريع مع الرئيس أوباما حول الموقف الأميركي في الشرق الأوسط. وعندما ذكرت له أنه يحتاج لإجراء استطلاع لتقييم المواقف العربية بعد عامين من خطابه الذي ألقاه في القاهرة، رد بقوله إنه يتوقع أن تكون التصنيفات متدنية تماماً، وبأنها ستبقى متدنية إلى أن تستطيع الولايات المتحدة المساعدة في التوصل إلى طريقة ما لحل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني.
حسناً، لقد ظهرت النتائج، وكان الرئيس محقاً. ففي مسحنا لأكثر من 4000 مواطن عربي من 6 بلدان (المغرب ومصر ولبنان والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة)، وجدنا أن المواقف الإيجابية من الولايات المتحدة قد تدنت بحدة منذ آخر استطلاع أجريناه (والذي كان قد أجري في العام 2009 بعد مرور 100 يوم للرئيس أوباما في البيت الأبيض).
ووراء حينئذ، كان العرب يأملون بأن يأتي الرئيس الجديد بالتغيير المطلوب في العلاقات الأميركية العربية، في وقت عملت فيه الخطوات المبكرة التي أقدمت عليها إدارته على تعزيز وجهة النظر هذه. ونتيجة لذلك، قفزت المواقف الإيجابية من الولايات المتحدة بشكل كبير مقارنة مع تلك المواقف المنخفضة التي كانت قد سجلت في حقبة الرئيس بوش. لكن، وكما أوضح المستجيبون لاستطلاعنا في هذا العام، فإن تلك التوقعات لم تتجسد على أرض الواقع ما ترتب عليه تراجع التصنيفات المؤيدة للولايات المتحدة في معظم البلدان العربية إلى مستويات أقل مما كانت عليه في العام
2008 أي آخر عام لإدارة بوش. ففي المغرب، على سبيل المثال، صعدت المواقف الإيجابية من الولايات المتحدة من 26 % في العام 2008 إلى
55 % في العام 2009. واليوم نرى أنها تراجعت متدنية إلى 12 %. وتعد القصة نفس الشيء في مصر حيث ارتفع تصنيف الولايات المتحدة من 9 % في العام 2008 إلى 30 % في العام 2009 لكنها عادت راهناً وتدنت إلى 5 % وفق المسح الذي أجري في هذا العام.
وبإلقاء نظرة مراجعة على النتائج الأخرى للاستطلاع، يتضح أن استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية ينظر إليه من جانب معظم العرب على أنه "العائق الرئيسي للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط" و"الموضوع الذي يحظى بالأهمية الأعظم لتستجيب له الولايات المتحدة لتحسين روابطها مع العالم العربي". وأن تتصدر فلسطين كل القضايا التي قيست في الاستطلاع كان بمثابة صب الماء البارد على تفكير الأماني لبعض المحللين في الولايات المتحدة وإسرائيل والذين يريدون تصور أنه، في سياق هذا "الربيع العربي" فإن العرب يشعرون راهناً "بأن الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني ليس بمركزي بالنسبة لحيواتهم كما كانوا قد وجهوا ليعتقدوا".
وما يعتبره الذين استجابوا لاستطلاعنا على أنه يحتل ثاني أعلى ترتيب في كونه "عائقاً أمام السلام والاستقرار" هو "التدخل الأميركي في العالم العربي"، وهو ما يفسر لماذا لا ينظر إلى الدور الأميركي في إرساء منطقة حظر طيران فوق ليبيا بإيجاب في معظم البلدان، كما أنه لا ينظر إليه على أنه يحسن المواقف العربية من أميركا. وفي الحقيقة، عندما قدم إلى عدة بلدان (أي إلى تركيا وإيران وفرنسا والصين والولايات المتحدة.. إلخ) وطلب منها تقييم ما إذا كانت كل واحدة منها تلعب دوراً بناءً في "ترويج السلام والاستقرار في العالم العربي"، فإن ثمانية من أصل كل عشرة عرب أعطوا تقييما سلبياً للدور الأميركي -واضعينه على نحو كبير أدنى مرتبة من فرنسا وتركيا والصين، كما صنفوه في أربعة من أصل ستة بلدان عربية حتى في مرتبة أقل من إيران!
ربما كان كل هذا متوقعاً، كما كان الرئيس قد توقعه، لكنها ما تزال أنباء معقولة يجب أن ترسل رسالة قوية لكل الأميركيين، ويجب أن تكون ضابطاً للسلوك المتهور لبعض المشرعين. فمثلاً، عندما يدعو الكونغرس رئيس وزراء إسرائيل لإلقاء كلمة يتحدى فيها الرئيس ويهينه -ثم ينظم للزعيم الأجنبي احتفاءات حماسية متكررة- فهم يقولون للعرب إن أميركا لا تستطيع ولا تريد لعب دور بناء في صنع السلام. وعندما يستمر الكونغرس في صد الدبلوماسية وفي دعم مشاريع القوانين التي تمس الحاجة إليها، والخاصة ببرامج المساعدة للفلسطينيين ولبنان ومصر- فهم بذلك يرسلون الرسالة الخطأ للعرب في الوقت الخطأ. وعندما يستمر المحافظون الجدد في المحاججة والمنافحة دفاعاً عن سياسة خارجية أميركية أكثر استعراضاً للعضلات ويحثون البيت الأبيض على استخدام القوة لفرض مزيد من الشروط على الأطراف العربية المختلفة، فهم يغضون الطرف عن وقائع المنطقة وتراهم يسيرون فوق أرض خطرة.
لعل مما يسجل للرئيس، أنه يعي المأزق الذي تواجهه أميركا في طول العالم العربي وعرضه. وكان قد استهل رئاسته بإعلانه عن نواياه الحقيقية وأرسل إشارات تومئ إلى أنه سيتحرك في الاتجاه الصحيح. لكن، وكما أشرت، لم يتسلم باراك أوباما يوم تنصيبه العصا السحرية، وإنما سلمت له المجرفة التي كان جورج دبليو بوش يستخدمها لحفر حفر عميقة في عموم الشرق الأوسط. وما يزال أمر الخروج من تلك الحفر أصعب مما يتخيل. وبالإضافة إلى مواجهته أسوأ أزمة اقتصادية محلية تشهدها البلاد في أجيال، ترتب على الرئيس أن يواجه بجسارة حربين فاشلتين، وزعيماً إسرائيلياً مراوغاً من غير الممكن تقويمه، وحكومة فلسطينية منقسمة وغير عاملة، وعالماً متوجساً -لكنه مفعم بالأمل- والذي توقع منه الوفاء بتعهد بالتغيير كان قد قطعه على نفسه. وإذا لم يكن ذلك كافياً، فقد ووجه الرئيس ومنذ اليوم الأول بواشنطن حزبية على نحو معمق، والتي تصرفت فيها المعارضة الجمهورية الموحدة وكأنها لا تتطلع إلى شيء أكثر من رؤيته وقد مني بالفشل.
إذا دلت هذه النتائج على شيء، فإن نتائج هذا الاستطلاع الأخير للرأي العربي إنما تشير إلى مدى هشاشة موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وإلى الأهمية التي يجب على صانعي السياسة الأميركية إيلاؤها لما يقوله العرب. وقد يلعب البعض السياسة في قضايا الشرق الأوسط الحساسة، وتنفرج أساريرهم لنجاحهم في كبح جهود الرئيس في صنع السلام وفي استعادة صورة أميركا في المنطقة. لكن نجاحهم هذا جاء، كما توضح نتائج هذه الدراسة، مقابل ثمن: والذي يدفعه راهناً البلد بأكمله.

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق