لماذا تستحق التجارة الحرة اهتمامنا؟

تم نشره في الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً
  • MCT

جاغديش باغواتي*
نيويورك- خلافاً لما يؤكده المتشككون غالبا، فإن الحجة لصالح التجارة الحرة بالغة القوة. فهي لا تمتد إلى الرخاء الشامل فحسب (أو الناتج الوطني الإجمالي الكلي)، بل تمتد أيضاً إلى النتائج الخاصة بالتوزيع، وهو ما يعزز من قوة الحجة المؤيدة للتجارة الحرة على الصعيد الأخلاقي أيضا.
إن العلاقة بين الانفتاح التجاري والازدهار الاقتصادي قوية وعظيمة الدلالة. على سبيل المثال، ذهب ارفيند باناجاريا من جامعة كولومبيا إلى تقسيم البلدان النامية إلى مجموعتين: البلدان "المعجزة" حيث ينمو نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 3 % سنوياً أو أعلى، والبلدان "الكارثة" حيث معدلات النمو سلبية أو صفر. ولقد وجد باناجاريا معدلات متناسبة متوازية لنمو التجارة في كل من المجموعتين في الفترة 1961 - 1999.
لا شك أن البعض قد يزعمون أن نمو الناتج المحلي الإجمالي يؤدي إلى نمو التجارة، وليس العكس ـ وقد يكون هذا صحيحاً إلى أن نفحص هذه البلدان بتعمق. ولا يستطيع أحد أن يزعم أن النمو التجاري لا يرتبط بشكل وثيق بالسياسة التجارية: ففي حين كان انخفاض تكاليف النقل سبباً في زيادة الأحجام التجارية، فإن الخفض المضطرد للحواجز التجارية ساهم في  الأمر نفسه .
وتكمن الحجة أكثر دلالة في التحسن الكبير الذي طرأ على معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي في الهند والصين بعد تحولهما بقوة نحو تفكيك الحواجز التجارية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. وفي كل من البلدين لم يكن القرار بالتراجع عن سياسات الحماية والإصلاح الوحيد التي تم، ولكنه كان أحد العناصر المهمة.
وفي البلدان المتقدمة أيضا، ترافق تحرير التجارة، الذي بدأ مبكراً في مرحلة ما بعد الحرب، ترافق مع أشكال أخرى من الانفتاح الاقتصادي (على سبيل المثال، العودة إلى قابلية تحويل العملات)، الأمر الذي أسفر عن نمو سريع في الناتج المحلي الإجمالي. ثم انقطع التوسع الاقتصادي في السبعينيات والثمانينيات، ولكن الحجة كانت تتخلص آنذاك في أزمات الاقتصاد الكلي التي اندلعت بسبب نجاح منظمة الأوبك وما تلا ذلك من السياسات الانكماشية التي تبناها بول فولكر، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي آنذاك.
فضلاً عن ذلك فإن الحجة السلبية التي زعمت أن التجربة التاريخية تدعم النزوع إلى الحماية كانت معيبة إلى حد كبير. فقد تحدى المؤرخ الاقتصادي دوجلاس إروين الحجة التي زعمت أن سياسات الحماية في القرن التاسع عشر ساعدت في تعزيز نمو الصناعات الوليدة في الولايات المتحدة. كما أظهر أن العديد من البلدان الناجحة التي فرضت تعريفات جمركية مرتفعة في القرن التاسع عشر، مثل كندا والأرجنتين، استخدمت التعريفات كمصدر دخل وليس باعتبارها وسيلة لحماية المصنعين المحليين.
ولا ينبغي لأنصار التجارة الحرة أن ينزعجوا إذا لم يسفر الانفتاح التجاري عن نمو إضافي في بعض البلدان النامية، كما يدعي المنتقدون. فالتجارة ليست سوى أداة تيسير. على سبيل المثال، إذا كانت البنية الأساسية في بلدك رديئة، أو كانت السياسات المحلية التي ينتهجها سبباً في منع المستثمرين من الاستجابة للفرص المتاحة في السوق (مثل القيود الخانقة المفروضة على التراخيص في جنوب آسيا)، فلن ترى أي نتائج إيجابية. فلكي يستفيد أي بلد من الانفتاح التجاري، يتعين عليه أن يضمن وضع السياسات التكميلية في مكانها الصحيح.
ولكن المنتقدين يعدلون رأيهم فيزعمون أن النمو القائم على التجارة لا يفيد إلا النخب ولا يعود على الفقراء بأي فائدة؛ فهو ليس "شاملا". ولكن في الهند كان التحول نحو النمو المتسارع بعد الإصلاحات التي تضمنت تحرير التجارة سبباً في انتشال ما يقرب من 200 مليون مواطن هندي من قبضة الفقر. وفي الصين، التي سجلت نمواً أسرع، تؤكد بعض التقديرات أن أكثر من 300 مليون صعدوا إلى أعلى خط الفقر منذ بدأت الإصلاحات.
والواقع أن البلدان المتقدمة تستفيد أيضاً من تأثير التجارة فيما يتصل بالحد من الفقر. فخلافاً للرأي السائد، لا تؤدي التجارة مع البلدان الفقيرة إلى إفقار البلدان الغنية. بل إن العكس هو الصحيح. فالتغيير الفني غير البارع والموفر للعمالة هو الذي يفرض الضغوط على الأجور والعمال، في حين يساعد استيراد السلع الأرخص، التي يقوم تصنيعها على العمالة الكثيفة من البلدان النامية، الفقراء الذين يستهلكون هذه السلع.
إذا كانت التجارة الحرة تساعد في الحد من الفقر، فمن الغرور أن يدعي المنتقدون دفاعهم عن فضيلة أعظم. والحق أن أنصار التجارة الحرة يحتلون أرضاً أخلاقية عالية: فإذا كان هناك ما لا يقل عن بليون إنسان يعيشون في فقر مدقع، فأين هي الحتمية الأخلاقية الأكثر سمواً من تقليص هذا العدد؟ لا شك أن الحديث عن "العدالة الاجتماعية" أمر بالغ الإغراء، ولكن التحرك الحقيقي من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية أمر صعب. وهنا يتمتع أنصار التجارة الحرة بميزة بارزة.
وكما أثبت المؤرخ فرانك ترينتمان، فإن الحجة المؤيدة للتجارة الحرة نشأت في بريطانيا في القرن التاسع عشر على أساس أخلاقي: حيث تبناها أنصارها ليس فقط لتعزيز الازدهار الاقتصادي فحسب، بل وتشجيع السلام أيضا. ومن الجدير بنا أيضاً أن نتذكر أن وزير خارجية الولايات المتحدة كورديل هال حصل على جائزة نوبل للسلام في العام 1945 بفضل سياساته التي شملت بذل جهود صادقة في نصرة التجارة الحرة المتعددة الأطراف. وأظن أن الوقت حان لكي تؤكد لجنة نوبل النرويجية على الخط نفسه مرة أخرى.
*أستاذ الاقتصاد والقانون في جامعة كولومبيا.
خاص بـ "الغد" بالتعاون بروجيكت سنديكيت.

التعليق