تحليل ثقافي

الأدباء لا ينصفون اجتماعيا ومهنتهم "أدب يقدم اللاجدوى"

تم نشره في الثلاثاء 31 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

جمال القيسي

عمان- ليس من أثر مباشر أو ظاهر للعيان وملموس لـ"مهنة" الأديب، ذلك أنَّها ليست مهنة بالقول المجرد، ولا يستدل من أعمالها على ما يفيد بالمعنى العادي والشائع الذي يتداوله الناس عن أية مهنة أو حرفة أو وظيفة، حيثُ كلها تنطلق من تسميتها، وكذلك تؤدي دلالاتها.
حين يزور المريض الطبيب ويعالجه يزول الألم، حين تتعطل السيارة يقوم الميكانيكي بإصلاحها أمامك، وحين تستعصي عليك الحلول مع أحد الخصوم، تقوم بتوكيل أحد المحامين ليبت لك بالأمر، ويخاطبه الطرف الآخر باللغة القانونية، ويحل الإشكال وتنتهي المسألة.
الطبيب والميكانيكي والمحامي يؤدون أدوراهم أمامك، وتلمس نتيجة اعمالهم بين يديك، وتحت بصر عينيك، ويظل ملاحظا من دون شك أن تقدير الخدمة الذهنية في نفوس الناس أقل منه حين تكون مادية بسبب تراكم نفسي نابع عن مادية العقل، وجدلية التطورات الفيزيائية من حوله.
وإذا كان عمل الطبيب والميكانيكي والمحامي ينم عن خبرة منهم وبطريقة لا يتقنها سواهم، فلذلك استحقوا التقدير المادي وأيضا من جانب قيمي التقدير المعنوي، فلأنهم بالمناسبة الطريفة يقومون بأشياء يقوم بها ويتقنها عشرات الملايين من البشر ما يفقدهم الكثير من التميز بالمنظور النسبي.
في نفس الوقت فإن الأديب الذي ينتج ما لا ينافسه فيه في العالم إلا عدد قليل جدا من مشابهيه، لا يجد التقدير المادي الذي تقابل به اية مهنة أو حرفة أو وظيفة، او حتى بطالة مقنعة، لا بل إن الأدب غالبا ما يكون مجلبة للفقر والعوز والفاقة.
لعل في مثال المحامي مقاربة من عمل الاديب، وهو- المحامي-الذي يقوم بحل المعضلة من أساسها، بجهد ذهني يقابل بتقدير أقل لأن الخدمة المعنوية الذهنية التي تصدر عن المحامي يقابلها "المستفيد" بنوع من رفض الاعتراف بالجهد الذهني الذي يبدل الواقع المادي الماثل والجاثم.
فاذا كانت الخدمات الذهنية كخدمات المحامي لا يقابلها الناس بالتقدير المطلوب، والاستعداد لمعاينتها كحالة من التميز والتفوق، فكيف الحال في أمر الأديب الذي ينحت في صخر خفي ويغرف من بحر سري، ويغرق في عالم خرافي من الأسرار الجمالية البعيدة.
الحقيقة التي تأبى النسيان أن جل الادباء يدركون عسر الفهم الذي يقابلون به والحالة التي تنتهجها الجزر المعزولة من حولهم، وهم في جلهم لا يملكون الخروج مما هم فيه بسبب من أيمان عميق لديهم
أنَّ الادب لربما هو الطريق الآخر للسير نحو الحياة.
يؤكد حال الأدباء على مر التاريخ أنهم لم ينصفوا على الصعيد الاجتماعي، وما الحالات التي ميزت البعض الآخر عن السواد الأعظم الا استثناءات تعزز القاعدة لا تنفيها، فالأصل أن حال جل الادباء كان بعيدا كل البعد عن اقل ما يستحقه واحدهم وهو الذي ينشد للحياة ونهرها الدفاق اكثر من سواه.
إزاء من يقول ويعلن للناس ان الادب يقدم اللاجدوى،لا نمتلك جوابا الا الرد بأن الدنيا ليست ارقاما صماء، ولا يمكن ان تكون دائما بطونا متخمة، وقلقا حد الهوس على القروش، ولكنها ايضا شعر دافق وقصة مؤثرة ورواية آسرة.

jamal.qaisi@alghad.jo

التعليق