الدواء الزائف: مرونة سوق العمل

تم نشره في الأربعاء 20 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً
  • MCT

هيلين ميس*
أمستردام ـ لقد أصبح تعبير القدرة التنافسية من بين التعبيرات الاقتصادية الطنانة في عصرنا هذا. ولقد هلَّل باراك أوباما لهذا المفهوم في خطابه عن حالة الاتحاد في شهر كانون الثاني (يناير)، كما تبنى المفهوم نفسه كأولوية الزعماء الأوروبيين من المحافظ ديفيد كاميرون في بريطانيا إلى الاشتراكي خوسيه لويس ثاباتيرو في إسبانيا، ووزير الاقتصاد الياباني الجديد كاورو يوسانو. ولكن عن أي أشكال القدرة التنافسية يتحدثون؟
حينما سُئِل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق ألان جرينسبان أثناء مقابلة أجريت معه في أيلول (سبتمبر) من العام 2007 عما إذا كان من الواجب على الحكومات الأوروبية أن تحرر قوانين العمل في بلدانها أجاب بأن قوانين حماية العمل في أوروبا عملت إلى حد كبير على تثبيط الأداء الاقتصادي وأسفرت عن معدلات بطالة مرتفعة بشكل مزمن في مختلف أنحاء القارة. وأضاف أن العاملين في الولايات المتحدة يفصلون بسهولة أكبر من أي دولة أخرى، وأن معدل البطالة في ذلك الوقت كان من بين أدنى المعدلات على مستوى العالم.
ولكننا لا نعيش الآن في عالم أيلول (سبتمبر) 2007، فقد ارتفع معدل البطالة في الولايات المتحدة اليوم إلى 9.4 %، ولم يعد 4.5 %. ووفقاً لخليفة جرينسبان، وهو بن برنانكي، فليس هناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض أن معدل البطالة سوف يقترب من 5 % ـ والذي يُعَد عموماً المعدل الطبيعي للبطالة ـ في أي وقت قريب.
وفي عام العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، خسرت الولايات المتحدة مليوني وظيفة في القطاع الخاص، حيث هبط إجمالي الوظائف من 110 مليون في كانون الأول (ديسمبر) من العام 1999 إلى 108 مليون في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2009، وذلك على الرغم من الإنفاق الاستهلاكي الضخم. وهذا الانحدار الذي بلغت نسبته 1.4 % جاء في غضون عقد من الزمان حيث سجل عدد سكان الولايات المتحدة نمواً بلغ نحو 9.8 %.
ولكي نفهم ما يحدث من حولنا فلنتأمل حالة شركة إفرجرين سولار، ثالث أكبر صانع للألواح الشمسية في الولايات المتحدة، والتي أعلنت في شهر كانون الثاني (يناير) أنها سوف تغلق مصنعها الرئيسي في أميركا، وتسرح 800 عامل هناك في غضون شهرين، وأنها سوف تنقل إنتاجها إلى الصين. ولقد استشهدت إدارة إفرجرين بالدعم الحكومي الأعلى المتاح في الصين باعتباره السبب وراء هذه الخطوة.
إن إفرجرين ليست سوى واحدة فقط من العديد من الحالات التي تشير إلى أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها في خضم ما أطلق عليه ألان بليندر الخبير الاقتصادي من برينستون في العام 2005 "الثورة الصناعية الثالثة". ووفقاً لبليندر فإن 42 مليونا إلى 56 مليون وظيفة في الولايات المتحدة ـ نحو ثلث إجمالي وظائف القطاعين العام والخاص في البلاد ـ معرضة للانتقال إلى الخارج. كما توقع بليندر أن تتكيف سوق العمل المرنة السائلة في الولايات المتحدة بشكل أفضل وبسرعة أكبر مع العولمة مقارنة بأسواق العمل الأوروبية.
بيد أننا الآن في المراحل المبكرة من هذه الثورة، وتظل النتيجة غير مؤكدة. ولكن المقارنة الأولية بين أضخم اقتصاد في أوروبا، وهو الاقتصاد الألماني، وبين اقتصاد الولايات المتحدة، يوحي بأن الأولى أفضل تجهيزاً لدعم اقتصادها في عصر العولمة.
وتعمل الشركات الألمانية المتعددة الجنسيات مثل سيمنز ودايملر على تصعيد الاستثمار لتلبية الطلب من جانب كل من الأسواق الناشئة والأسواق المحلية. وتخطط مثل هذه الشركات لإضافة مئات الآلاف من الوظائف على مستوى العالم في هذا العام وحده. ورغم أن العديد من هذه الوظائف سوف تكون في آسيا، فإن الشركتين تؤكدان أنهما تعتزمان إضافة وظائف تتطلب مهارات عالية في ألمانيا أيضا.
ولكن هل يرجع الفضل في هذا إلى صلابة أو جمود سوق العمل في ألمانيا؟ قد يكون ذلك جزءاً من التفسير بالفعل. فقد أشارت دراسة حديثة أجراها مكتب التخطيط المركزي في هولندا إلى أن العاملين بعقود دائمة يتلقون تدريباً ممولاً من قِبَل صاحب العمل أكثر من ذلك التدريب الذي يتلقاه العاملون بعقود مؤقتة.
وبالنسبة لأرباب العمل في الولايات المتحدة فمن الأسهل كثيراً أن يُزال العاملون من جدول الرواتب مقارنة بالحال بالنسبة لأرباب العمل في ألمانيا. إذ يحظر قانون العمل الألماني تسريح العمال على هذا النحو، ولكن أرباب العمل الألمان أيضاً أقل ميلاً من أرباب العمل في الولايات المتحدة إلى التخلص من العمال، وذلك لأنهم استثمروا الكثير في رأس المال البشري لشركاتهم. ومع تمتع العمال الأميركيين بقدر أقل من مهارات العمل مقارنة بنظرائهم في ألمانيا، فإنه أكثر عُرضة للتسريح من العمل.
والواقع أن سيمنز تدرك بوضوح الفوائد المترتبة على صلابة سوق العمل، الأمر الذي دفعها إلى اتخاذ خطوة غير معتادة فوعدت العاملين لديها بوظيفة مدى الحياة. وفي العام الماضي أبرمت الشركة اتفاقاً مع النقابة المهنية آي جي ميتال، والذي يتضمن التعهد للعاملين الذين يبلغ عددهم 128 ألف عامل بعدم الاستغناء عنهم.
والتفسير الأكثر أهمية لنجاح الاقتصاد الألماني حالياً قد يكون راجعاً إلى الدعم الحكومي الكبير الذي تتلقاه الصناعات الألمانية على أساس بنيوي، وخاصة صناعة السيارات. ومن ناحية أخرى، يتعثر الاقتصاد الأميركي بفعل إصرار صناع السياسات هناك على التأكيد على الاستهلاك وخفض الضرائب (وعلى الأخص بالنسبة لأغنى الأغنياء) على حساب الاستثمار.
ويتعين على الولايات المتحدة أن تغير مسار سياستها الاقتصادية. فقد أدى عقد كامل من أسعار الفائدة المنخفضة إلى مستويات تاريخية إلى اختلال في التوازن الاقتصادي لحساب قطاعات تعتمد على الإفراط في الاستدانة (الروافع المالية): القطاع المالي، وسوق الإسكان، والأسهم الخاصة. ولقد جاء هذا على حساب قطاعات أكثر اعتماداً على تمويل أسهم رأس المال. والآن بعد انفجار فقاعة الإسكان، فإن الولايات المتحدة تجد نفسها أقل تدريباً وأقل تعليماً وأقل قدرة على المناورة في المنافسة العالمية على تشغيل العمالة.
ونحن الآن نعلم أن تحرير سوق العمل من التنظيمات لا يضمن المرونة الاقتصادية وخلق فرص العمل السريع. بل إن أفضل الحلول ربما يتلخص في تنويع عقود العمل. ذلك أن قدراً معيناً من صلابة سوق العمل قد يكون منطقياً بالنسبة للوظائف التي تتطلب مهارات خاصة والتدريب على رأس العمل، إلى جانب قدر أعظم من المرونة في التعامل مع الوظائف التي تتطلب مهارات أقل.

*خبيرة اقتصادية ومحامية هولندية.
خاص بـ"_" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت 2011.

التعليق