"الطريق إلى القدس": رواية جديدة تنفتح على ثقافة العرب والمسلمين

تم نشره في الخميس 3 آذار / مارس 2011. 10:00 صباحاً
  • "الطريق إلى القدس": رواية جديدة تنفتح على ثقافة العرب والمسلمين

قصري: حب الحقيقة حفّز غيو على كتابة ثلاثية يعتبرها النقاد ترنيمة للتسامح

 

زياد العناني

عمان- بعد أن ترجمت إلى لغات عديدة، صدرت أخيرا رواية الكاتب يان غيو "الطريق إلى القدس" عن "دار المنى" في السويد التي ترجمها إلى العربية مدني قصري، بعد ترجمته لرواية "فتاة البرتقال" ورواية "سر الصبر" للكاتب النرويجي جوستاين غاردر وصدرتا أيضا عن دار المنى.

وتتناول رواية "الطريق إلى القدس" فترة تاريخية، في القرن الثاني عشر عبر سيرة آرن ماغنوسون الذي ولد في عام البركة 1150 في مقاطعة أرناس الواقعة على بحيرة فانيرن. وترعرع على يد الرهبان في دير فارنيم، وتشرب علوم زمانه الروحانية والدنيوية. وأتقن استعمال السيف والترس، والرُّمح والقوس.

ويسرد غيو الذي ولد في العام 1944 بالقرب من مدينة ستوكهولم، وهو صحافي ملتزم، ورافض للوضع الاجتماعي القائم وألّف العديد من روايات التجسس، ومن مؤلفاته الرئيسة سيرته الذاتية "مصنع العنف"، كيف أن هذا الشاب لم تكتب عليه حياة الرهبنة، بل إنّ مَشِيئَةَ الرب أرادتْ أن يكون واحدا من المحاربين الذين سيلتحقون بِصفوفِ جيشِه المقدس في الأرض المقدّسة.

وكيف انخرط في الصراع الدائر حول من سيكون ولي العهد آنذاك مرورا بسجنه عشرين عاما، أي نصف عمره، وانتهاء بفَهمه أن الغفران الذي ناله فيما بعد لم يَكن غفراناً حقاً، لأنه سوف يفارق حبيبته سيسيليا - التي انسحب ذلك العقاب عليها هي أيضا!

وعبر ثلاثية مطولة هي الطريق إلى القدس، وحارس الهيكل، والمملكة عند نهاية الطريق، ينقلنا غيو، إلى أعماق عالم يعيش تحوّلا جذريا. إذ يضرب عرض الحائط، بالرؤية التقليدية للعصور الوسطى المظلمة الهمجية، ويكشف لنا عن الديناميكية الهائلة التي تميزت بها تلك الحقبة التاريخية، وعن المخبر الثقافي والسياسي الذي عرفته تلك الحقبة.

ويركز غيو على بطل الرواية الذي ينمو في فضاء عدائي، يحمل قيما من التسامح والإنسانية التي ظل الكاتب يتمسك بها في حياته، ويقدمها لنا ما بين أسطر هذه الرواية، كنموذج لعصرنا، هذا الذي بات يطبعه العنف، والتعصب، والتخريب، والانطواء الوجل على الهويات الدينية والقومية.

ويرسم غيو من خلال شخصية آرن ماغنوسون، صورة العالم الشمالي الذي انطلق، بعد اعتناقه المسيحية بقليل، في مغامراته الصليبية، وكيف انفتح بذلك على ثقافة المسلمين وديانتهم، لافتا إلى الشاب آرن الذي ولد العام 1150 في إقليم سُمّي فيما بعد بالسويد، وترعرع على يد السيسترسيين. وقد أجبر فيما بعد، حتى يكفر عن ذنوبه، على أن يصبح حارسا للهيكل، قبل أن يلتحق بمملكة أورشليم (القدس).

ويبين غيو الظروف التي جعلت من هذا المحارب القوي، صاحب العقل المتفتح، يشعر باحترام جم للقائد المسلم صلاح الدين، وباحتقار عميق لممثلي الغرب المسيحي في فلسطين، ومدى فرحه بهزيمة الصليبيين في الأرض المقدسة، لأنها أتاحت له العودة إلى المرأة التي أحبها، والتي عهد بها ساعة وفاته، لحفيده بيرجر، مؤسس ستوكهولم، وموحّد بلاد السويد.

وتكشف رواية يان غيو "الطريق إلى القدس" عن مشهدِ مسرحيّ كاملِ، فيه ملابسُ الرّهبانِ بألوانِها الناصعةِ، المطرّزةِ بالذهب، والمصنوعةِ من الحريرِ الأزرق الفاتحِ والأحمرِ الغامق، والروائحُ العنيدةُ في مَبْخَراتٍ يُحرّكها الكهنة.

كما تكشف الراوية كيف أنّ الإنسانَ يُولَد في الوجَعِ بحسب شخصية سيغريد التي ترى أنّ ارتكابَ الإثمِ في حقّ الربّ أمرٌ قد يأتي حسابُه مع الربّ بعد حينٍ، أما مُجافاةُ الملكِ فأمرٌ لا يجوز.

ويعبر الزميل مدني قصري عن سعادته لأنه وضع بين أيدي القراء العرب، كاتبا اختار في شجاعة نادرة، أن يكتب عن حقيقة بلده، وبلدان أخرى أيضا، حقيقة لا شك أنها جلبت إليه الكثير من المتاعب.

ويضيف قصري أن غيو أصبح بفضل شجاعته وجرأته، وأسلوبه الفذ في البحث عن الحقيقة، معبود الشباب السويدي، المتعطش للحقيقة، الثائر ضد العنف بشتى ألوانه، وضد حقوق الإنسان.

ويبين قصري أن حب الحقيقة، هو الذي حفّز غيو على كتابة ثلاثيته التي يعتبرها النقاد ترنيمة حقيقية للتسامح، وللتأمل في عصرنا المضطرب، سيما التأمل في الصلات التي تربط ما بين الثقافة المادية والثقافة الروحية، والتأمل في الأحابيل التي تسعى لأن توقعنا فيها السياسةُ البراغماتية المزعومة، ومزايا الازدواج الثقافي.

ويشير قصري إلى أن القارئ العربي سيجد في "الطريق إلى القدس"، وفي الجزءين المتبقيين من ثلاثية آن غيو، أحداثا تاريخية تنصف تاريخ العرب والمسلمين، وتعيد الاعتبار لقائد عربي فذ، وتجري رياحها بما لا تشتهي سفن صناع العنف، قديما وحديثا!

التعليق