نبوءة قاتمة

تم نشره في الاثنين 21 شباط / فبراير 2011. 09:00 صباحاً

هآرتس

د. دان الدار

20/2/2011

كان هذا سلاما أعوج منذ ان حدث أكثر من ثلاثين سنة. كانت استراتيجية "السلام" عند مصر التي لم تكن ترمي سوى الى ان تعيد لنفسها سيناء وتحظى بمساعدة أميركية، منذ بدايتها مشحونة بالعداء والشك فينا. فاذا استثنينا الامتناع عن الحرب، فانها لم تكن مصحوبة من الجانب المصري بصب مضامين سلام كامل صادق.

إن مشاعر العداء الشعبية نحو إسرائيل والصهيونية والشعب اليهودي ما تزال سائدة عند الجمهور المصري. ولم يحجم قادة الرأي العام وفيهم مثقفون ليبراليون، وكذلك وسائل الإعلام التي كانت تخضع حتى الآن لرقابة السلطات طوال السنين عن شيطنة إسرائيل وقادتها، وسلب الشعب اليهودي انسانيته على نحو معاد للسامية والتحريض على كراهية إسرائيل، بخلاف مطلق لروح اتفاق السلام.

منحت مصر السلام أضيق معنى ممكن. وقد رأى قادتها وصاغة سياستها منذ كان السادات هدف مسيرة السلام مع اسرائيل، وسيلة لتقليصها الى "أبعادها الطبيعية"، أي الحدود قبل 1967، وسلبها ذخائرها الاستراتيجية.

فضلت مصر تحت حكم مبارك ان تجعل مسيرات السلام بطيئة قدر الامكان وكذلك تطبيع العلاقات بين إسرائيل وسائر العالم العربي، كي تحتفظ بالشرعية العربية العامة لنشاطها باعتبارها وحدها وسيطة اقليمية. لعب مبارك دورا بارزا في إفشال مؤتمر كامب ديفيد في العام 2000. وقد هدد بتأييد من الاعلام المصري ومن رجال الدين ايضا ياسر عرفات بأنه سيعتبر خائنا اذا قبل المقترحات التي أُثيرت في المؤتمر وسلبه كل شرعية لاتخاذ القرارات المتعلقة بالقدس. وبهذا أسهمت مصر في نشوب "الانتفاضة" الثانية، التي منحتها ما يشبه حرب استنزاف لإسرائيل بواسطة الفلسطينيين. كان هذا هو المبدأ المصري للسلام مع إسرائيل وهو ان تسيطر سيطرة غير مباشرة على المواجهة ذات القوة المنخفضة.

إن الربط بين الواقع الداخلي اليومي البائس في مصر وبين سياسة "السلام" في الحد الأدنى مع إسرائيل طوال السنين، يشتمل على نبوءة قاتمة بمستقبل العلاقات بين الدولتين. ليس من الممتنع ان يضطر الجيش في اثناء التفاوض مع المعارضة المصرية في مستقبل نظام الحكم الى ان يُعامل التيارات الاسلامية بتسامح أكبر ولو من اجل الحفاظ على مكانته باعتباره حكما ومقِّرا للاوضاع.

إن عداوة إسرائيل، الراسخة رسوخا عميقا في الوعي المصري والتي تعتمد على نظرة اسلامية، قد تصبح رابطا يؤلف بين تيارات المعارضة والجيش. وإن اندماج الاخوان المسلمين في النظام القادم قد يُعجل بتدهور العلاقات مع إسرائيل الى حد الغاء معاهدة السلام، برغم تصريحات قادة الجيش الحالية.

إن الجيش المصري، الذي لا يوالي بالضرورة الروح العلمانية، مثل الجيش التركي، قد يُغير توجهه نحو اتفاق السلام مع إسرائيل. إن إسرائيل ما تزال تُرى عامل التهديد الرئيس في خطة تدريباته. وإن الانزلاق الى جو شحذ السيوف قد ينتقل بالتدريج من الخطابة المتحمسة المعادية لإسرائيل بواسطة جهات قانونية من المعارضة، الى مطالب في نطاق مؤسسات الامم المتحدة من اجل تغيير ترتيبات نزع السلاح في سيناء، وقد تبلغ الى رفع مطالب من قبل مصر للرقابة على السلاح الذري الذي تملكه إسرائيل كما تزعم.

تكيفت سياسة إسرائيل نحو مصر من اليسار ومن اليمين، مع مرور السنين مع مقاييس "السلام البارد" والمعوج التي أملاها نظام مبارك، مع افراطها في تقدير "أهمية مصر الاقليمية". الآن، مع ابعاد مبارك، يبدو انه حان الوقت لنفض هذه السياسة والاستعداد من جميع الجوانب السياسية والامنية، لاستقبال كل شر قد ينشأ من الجنوب.

* مسؤول سابق كبير في الموساد وباحث في شؤون الشرق الاوسط

التعليق