عبدالرحمن منيف: روائي كرّس أدبه لإضاءة العتمة في "شرق المتوسط"

تم نشره في الاثنين 24 كانون الثاني / يناير 2011. 10:00 صباحاً
  • عبدالرحمن منيف: روائي كرّس أدبه لإضاءة العتمة في "شرق المتوسط"

الذكرى السابعة لرحيل صاحب "مدن الملح" تصادف اليوم

عزيزة علي

عمان - ينظر لتجربة الروائيّ العربيّ الراحل عبدالرحمن منيف بأنها واحدة من أهمّ التجارب الروائية العربية في القرن العشرين. ويذهب نقاد إلى أنّ أهمية تجربة صاحب "قصة حب مجوسية" في عكس رواياته للواقع الاجتماعي والسياسي العربي، والنقلات الثقافية العنيفة التي شهدتها المجتمعات العربية، خاصة في دول الخليج العربي.

وكثيرا ما أثارت أعمال الروائي الذي تصادف ذكرى رحيله السابعة اليوم، ردود فعل في العالم العربي، وقبولا واسعا من القراء، ومن أشهر رواياته "مدن الملح" التي تحكي قصة اكتشاف النفط في السعودية وهي مؤلفة من 5 أجزاء، ورواية "شرق المتوسط" وأيضا "شرق المتوسط مرة أخرى"، وفيهما يكشف وقائع التعذيب في سجون عربية.

ويذهب عميد كلية الآداب والفنون بجامعة فيلادلفيا د.محمد عبيدالله، إلى أنّ دأب صاحب "الأشجار واغتيال مرزوق" على الانحياز للإنسان العربيّ المقموع جعله "ليس مجرّد روائي مبدع فحسب، بل هو أعقد من ذلك وأوسع"، معتبرا أنّه "مثال الشقاء الخاص الذي عاشه المثقف العربي، في مشكلاته مع السلطة ومع تحديات السياسة، ونزعات التحرّر".

وانطلق صاحب ثلاثية "أرض السواد"، بحسب عبيدالله، من أرض السياسة أولاً، وتداخلت عنده مع عمله في اقتصادات النفط، فرأى المجتمع العربي من منظور السياسة والاقتصاد، أو الاقتصاد السياسي، حيث انتمى إلى حزب البعث مبكراً، ثم غادره على نحو سريع.

ويستدرك عبيدالله أنّ ذلك جعل منيف يحمل الهمّ السياسيّ بـ "طريقة خاصة شقية"، فلم يفضّل الالتزام الحزبيّ "السهل والأقلّ مسؤولية وعناء"، مبيّنا في المقابل أنّ عمله في شركات النفط خبيراً في أكثر من قطر عربي، كان يمكن أنْ يقوده إلى "طريق الثراء والثروة".

ويجد أنّ "السياسة والوعي بقضايا التحرّر قاداه إلى نهايات مغايرة، غير متوقعة" من الأكاديمي الذي حمل دكتوراه في اقتصادات النفط منذ بداية ستينيات القرن الماضي.

ويقول عبيدالله إنّ أعمال منيف بمجملها، كشفت عن "كاتب مثقف وسياسي ناضج، خبر الواقع العربي، وعرفه معرفة مباشرة في أقطار عربية متعددة"، مضيفا أنّ كتاباته "مسيّسة بصورة تلقائية عفوية".

ويتابع "تعني السياسة في رواياته ذلك الهمّ الذي لم يعدّ هماً خارجياً أو أيديولوجياً، وإنما هو من صميم هموم الذات وأوجاعها بالمعنى الشخصي والمعنى العام"، رائيا أنه لذلك لم تقع أعماله في فخاخ "السياسة الإلصاقية"، وفق تعبيره الذي يعني "ذلك النمط المنفّر الذي يفسد كثيراً من الأعمال الإبداعية".

ويشير إلى أنّ صاحب "النهايات" لم يكن كاتباً قطْرياً بأي معنى. ويوضح ذلك بأنه "لم ينتم إلى دولة ولا علم فانتمى إلى العروبة بمعناها الممتد، المعارض لكثرة الأعلام وكثرة الهزائم والإخفاقات"، مرجّحا أن تكون مسألة الانتماء مما عذّبه، ومما عقّد حياته الواقعية، حتى في مستوى العيش والتنقل والسفر.

ويستدرك عبيدالله أن فقدان الانتماء القطْري للروائي الراحل "أراحه من تبعية دولة الاستقلال العربية، تلك الدولة التي وجدت لذّتها في تعذيب مواطنيها وفي اختراع دوافع للقمع والكبت، وأحياناً تحت شعارات تحررية نهضوية".

انتمى منيف، وفق عبيدالله، إلى الهلال الخصيب وإلى الجزيرة العربية، إلى شرق المتوسط بما فيه من أقطار وانتماءات، وعبّر عن تلك المنطقة وعن تحولاتها وأوجاعها، ولعله لاحظ أن المشكل السياسي وامتداداته الاجتماعية والاقتصادية في مقدمة أسباب معاناتها، ومن هنا تأزّم النفس السياسي وتعقّد في روايات منيف، وفي كتاباته غير الروائية.

وبيّن عبيدالله، أن منيف تناول في كتاباته مشكلة الحرية والقمع، وعلاقة المثقف بالسلطة القامعة في روايات متعددة، كما كتب كتاباً معروفاً يحمل عنواناً دالاً على هذا الهاجس ومدى حضوره وهو كتابه "الديمقراطية أولاً، الديمقراطية أخيراً".

ومن أوضح أعماله في تناول هاجس الحرية روايته "شرق المتوسط"، وهي العمل الثالث حسب ترتيب النشر في سجل أعماله، وعمله الآخر "الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى" وهو العمل الذي صدر في بداية التسعينيات، وكأن شرق المتوسط لم يتغير خلال عشرين عاماً، بل ازداد قمعاً وعتمة واستبداداً.

وخلص عبيدالله إلى أن "منيف رحل، لكن كلماته المعجونة بالهم والوجع العربي، ستظل دوماً سجلاًّ أساسياً للحياة العربية، ولتطلعات الإنسان العربي، وهي بما مالت إليه من ذلك التناول الواقعي الحميم ستظل قريبة من القرّاء، وستظلّ محتفظة بدفئها إلى زمن بعيد".

أعمال الروائي الراحل، والبالغة نحو 30 كتابا أدبيا وسياسيا، حققت ذيوعا لافتا لدى القارئ العربي، وتجلى ذلك بعدد طبعات العمل الواحد، فيكشف صاحب المؤسسة العربية ماهر الكيالي التي نشرت جُلّ أعمال منيف، أن مؤسسته أعادت طباعة "مدن الملح" 13 طبعة، ورواية "شرق المتوسط"، التي أحدثت ضجة في العالم العربي بسبب تطرقها إلى موضوع التعذيب في السجون 17 مرة.

والكيالي الذي التقى بمنيف مراراً في عواصم عربية وعالمية، في بيروت ودمشق وبغداد وتونس وباريس، وصاحبه دوماً في زياراته لعمان، يشير إلى "جماهيرية" الراحل العالية، مؤشرا بذلك إلى حفلات توقيع أقامها لأعماله في المركز الثقافي الملكي لم تشهد العاصمة عمان مثيلاً لها، إلا تلك التي أقيمت كذلك للشاعر الراحل محمود درويش.

azezaa.ali@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عمان الأروع (بهجت غانم)

    الاثنين 24 كانون الثاني / يناير 2011.
    الأروع من عبدالله منيف ومحمود درويش اللذين أحبهما كثيرا هي عمان حضن الثقافة والمثقفين العرب بصدق وأمانة وهي عاصمة المثقفين العرب دائما