هدية حسين في "كوديا": أحزان عراقية "تتعتق" بشعرية تتجاوز القول المباشر

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2011. 09:00 صباحاً

بيروت- الكاتبة العراقية هدية حسين في مجموعتها القصصية الأخيرة "حبيبي كوديا"، هي تقريبا نفسها كما في كثير من أعمالها السابقة، وربما باختلاف وحيد هو أنَّ الأحزان العراقية "تعتقت" هنا، وتحوَّلت إلى فيض يتحرك بنفسه ويبقى على الكاتب عامة أن يجد له المخرج أو الشكل الفني الملائم أو المتوفر أحيانا.

وهي بارعة في ذلك حيث تدعو الحاجة إليه.

وهدية حسين تكتب بتصويرية وشعرية وعصبية وضبابية تتجاوز القول المباشر لتتركنا في عالم متعدد الوجوه وكلها وجوه متعبة حزينة ومفجوعة ومفجعة أيضا. صحيح أنَّ بعض قصصها في هذه المجموعة يعتمد ما يشبه القول المباشر لكن هذا يأتي وكأنه "خلع" غاضب للقول الفني لإبراز واقع ربما عجز الفن عن الإحاطة بأبعاده المفجعة.

ويتسم أسلوب هدية أيضا بقدرة على التقاط المحدود من الأشياء أو اللحظات أو المشاعر ونقلها من محدوديتها، بل نقلنا معها إلى حالات بشرية عميقة تفيض غالبا بأحزان شاسعة ذات أغوار. قصصها مليئة بالفقد والحنين إلى فردوس مفقود.

مجموعة "حبيبي كوديا" اشتملت على 23 قصة جاءت في 163 صفحة وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بلوحة غلاف للفنان العراقي عبد الأمير علوان.

القصة الأولى " أرجوحة الوجوه" جديرة بتوقف مفصل عندها. إنها تشكل لمحة سريعة حافلة تروي آلام العراقيين العتيقة وتشردهم في أنحاء الأرض والعمر يمر، والزمن يسير ولا يبقى من دون حراك سوى الألم الراسخ والعذابات.

والواقع أنَّ القصة هي ومضة تعيد الأحزان الكثيرة إلى النفس. إنها صرخة لم تعد تدوي، بل تحوَّلت إلى حزن يغور في النفس وتروي ماضيا وحاضرا تحولا إلى رماد بكل معاني الرماد. وبعد كل فجيعة انتظار لفجيعة آتية لا محالة والإنسان لم يبق له غير الذاكرة. وبعض الكتابة يهدف إلى أن يحول دون غياب هذه الذاكرة التي بدت كأنها "الذكرى" الوحيدة. كأن الذاكرة اصبحت الشكل الوحيد لما تبقى من الحياة.

وفي ما يبدو أنه يشمل الخاص والعام لأنَّ العام العراقي أصبح خاصا في مدى تأثيره في حياة الأفراد، قدَّمت الكاتبة للقصة بقول لوان رايس "نحن لا نريد نسيان من أحببنا سواء الذين رحلوا عن الدنيا أو الذين خرجوا من حياتنا".

بدأت الكاتبة بالقول " لم تكن سوى ومضة مرت في الرأس تلاها حلم يقظة لم يمكث طويلا، لكنه ترك وهو يتوارى هسيسا موجعا في الروح يشبه كسر زجاج تحت الضلوع".

وفي ما يذكر بتعبير "خرج ولم يعد"، أضافت تقول "تساءلت المرأة المزحومة بالافتراضات.. ماذا إن صح ما ورد على الخاطر.. عندها تسارعت دقات قلبها وانكمشت على نفسها وهي تردد.. اللهم احفظه من الكارثة".

ووسط أحزان العراق يصبح الجميع كثيرون أعزاء حتى الذين صار بيننا وبينهم بعد، فالذاكرة هنا تحتفظ بالجميل فقط محافظة على الذات. وقد قيل إنَّ بؤس الحاضر يجعلنا نرتد إلى الماضي أو نقفز إلى المستقبل. ولأن طريق المستقبل ولو تصورا مغلقة في وجوه كثير من "المعذبين في الأرض"، لم يبق سوى ما مضى. وهنا ما يصح على الفرد قد يصح على الجماعة.

قالت "كانت قد هجرته منذ زمن بعيد ولاحقا سوف تتذكر أنه هو الذي هجرها لأسباب لم تعد تتذكرها الآن... لم تبق سوى تلك الذكريات الحلوة التي انطبعت على لوح الذاكرة، حتى غدت صورة الرجل الذي أحبَّته يوما خالية من الخطايا تراودها في أيامها الشاحبة كضوء خفيف".

و"الاحتمالات" وسط الأحزان العراقية عديدة كما في قولها "عادت اليها الومضة مثل نصل حاد واخترقت رأسها الموجوع فرأته مسجى على اسفلت شارع لم تعرفه من قبل... ثم مشظى على رصيف مثلوم الحواف... وتواترت الومضات فشاهدته مذبوحا على (طريقتهم). ما الذي جاء به إلى الرأس.. كان قد ذهب إلى النسيان، وذهبت هي إلى المنفى باحثة عن مكان يحتوي أحلامها الباهتة".

وتستعير أبياتا من الشاعر العراقي عدنان الصائغ تشيرُ إلى الأحزان العراقية وتحملها إلينا من خلال ما يشبه بكاء صاحب امرئ القيس. يقول الصائغ "سنضرب في التيه، ضرب الرمال القمار، فإما نرى البحر يا صاحبي، أو الموت معا، غربة في الرمال".

وتستعيد تلك الأحزان مع الشاعر إذ يقول " أفي كل يوم سرير جديد، ومنفى وجوع، افي كل يوم سأوقد نفس الشموع، واطفؤها بالدموع، شمعة شمعة وأنام..".

في قصة "رصاصة واحدة لا غير"، تصوير لصراع الفنان مع شخصياته وتمردها عليه أحيانا. الشخصية هنا لا تتمرد على "خالقتها"، الكاتبة فقط بل على الحياة التي لم تعد تطيقها. الكاتبة تصف صراعا بينها وبين شخصية قصصية تتحكم بها تطل وتختفي ليلا نهارا في المنزل ومكان العمل وقد جعلت الفوضى والشرود يسيطران على الكاتبة. المخلوق هنا يكاد يقتل خالقه لا العكس. هي تطلب "التجسد" وتسعى الكاتبة إلى رسمها أو "إخراجها" ويستعصي الأمر. إنها في عراق الدم والموت.

المسرح هو العراق فكيف تنتهي القصة وبأي نوع من انواع الموت.. تجيب الكاتبة عن هذا بقولها "البيت فارغ إلا مني ومنها. جمعت قصاصات الورق. كل ما رأيت من خيالات.. في المقبرة وفي الشوارع حيث مرت نعوش الأطفال ولافتات الموت... رأيتها تدخل الى بناية تأكلها النار ثم تخرج حاملة كومة ملفات محترقة... يحدث هرج ومرج وعويل وصراخ تبتعد وتنزوي خلف شجرة مادة رأسها المثقل بالهموم. تعاين رتلا من الدبابات يقوده جنود لا يشبهون جنود البلد"...

في قصة "في قلب الليل" نواجه الفقد والموت والعالم المتحول بشكل قاس مرعب. كيف نعيد خلق هذا العالم.. لا مجال هنا غير العمل الفني.

تسرد هدية بروح وصور شعرية. بطلة القصة في الحديقة العامة بينما الناس الذين يطاردهم الموت يقبعون في المنازل والملاجئ. هل بقيت هناك حدائق.. كل شيء تغير.

تقول هدية " وحدي أجلس مؤطرة بالذكريات التي لها طعم العسل.. والحنظل أيضا. تأتي وتنفلت. تقترب وتنأى تاركة في المكان خيالات رجل عاد من الحرب بملامح مشوهة... المساء شاحب. وشاحب وجه الرجل الذي عاد من الحرب وتغيرت ملامحه. خرج من الذاكرة ثم رجع وانطمر في عتمتها خوفا من حرب أخرى".

أما كيف تغير الكتابة كل ذلك فلها فيه هذا القول " سأعيد كل شيء إلى ما كان وأنا اجلس على المقعد المهمل كل مساء. أصف الحروف على الحروف وأدون حكاياتي المرتجلة في قلب الليل مادام النهار قد اختفى إلى الأبد".

في قصة " ذاكرة تتجول في شارع الرشيد"، استعادة في الخيال لأطايب بغداد واماكنها الحلوة المألوفة.. متاجر ومطاعم ومقاه وملاعب ليلية وروائح ونكهات.. وكل ذلك "كان".

قصة "خطانا الغريبة" فيها لعبة نفسية فنية رائعة من تلك التي تبرع هدية حسين في تصويرها منذ قصة "رجل في فنجان" في مجموعتها القصصية "قاب قوسين مني". إنها لعبة الواقع والذاكرة.. ما يبدو وما نظنه متخفيا خلفه.. ما "نتوهم" إنه وهم وما نتوهم أنه حقيقة.. وهل يمكن أن يكون المتوهم حقيقيا أكثر من الحقيقة. إنها تصل بنا الى ما يشبه أحجية شوان تزو الذي ما عاد يعرف ان كان هو شوان تزو الصيني يحلم بانه فراشة أو فراشة تحلم بانها شوان تزو الصيني.

تدخل في القصة إضافة إلى كل ذلك وبقوة مرهفة الاحزان العراقية والتشرد وفقد الاب بسيف الظلم المتسلط والارهاب. وهناك أيضا سمات مشابهة تتكرر في قصة " وقت الأشباح".

ووردت في النهاية " مقاطع قصصية" وكل مقطع منها أسطر قليلة تشكل مشروع قصة أو " قصة قصيرة جدا".

التعليق