الجراح: لم يعد في وسعنا أن ننتمي إلى جهة واحدة من هذا العالم

تم نشره في السبت 14 آب / أغسطس 2010. 10:00 صباحاً
  • الجراح: لم يعد في وسعنا أن ننتمي إلى جهة واحدة من هذا العالم

شاعر سوري يستدعي مآثر أبولودور الدمشقي في مجموعته الجديدة

زياد العناني

 عمان - يرى الشاعر السوري المقيم في لندن نوري الجراح أنه لم يعد في وسعنا أن ننتمي إلى جهة واحدة في هذا العالم.

ويقول "نحن بشر عالميون بالمقاييس كلها، وعالميتنا تتجلى في أننا نعيش ونسلك ونتصرف في كل العالم في الوقت نفسه".

ويؤكد الجراح المشرف على "المركز العربي للأدب الجغرافي -ارتياد الآفاق"، و"جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي"، والذي صدرت له جملة من المجموعات الشعرية منها: "الصبي"، و"مجاراة الصوت"، و"طفولة موت"، و"كأس سوداء"، و"صعود أبريل"، و"حدائق هاملت"، إضافة إلى الأعمال الشعرية الكاملة، أنه إذا سقطت كأس في جهة من العالم سوف تصل شظية منها لكل إنسان.

ويُبيِّنُ أننا نحمل فكرة مغلوطة عن العالمية يجب أن تتغير لنكتشف كيف تغيرت صلتنا بالأحياء، وبهذا المعنى ننفتح على الصور والأشياء والمعاني والأسماء، لافتا إلى أنَّ الأسماء ليست أقنعة، بل هي ذواتنا التي تعيشُ في قصائدنا وتهدم بحيواتها وأزمنتها الجدار الوهمي للزمن، وتتيح لشاعر أن يفتح الأزمنة على بعضها.

"الغد" التقت الجراح وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه إلى تجربته ومجموعته الأخيرة التي تعد امتدادا لاهتمامه وانشغاله على فكرة الغياب.

• ما هو جديدك على صعيد الإبداع الشعري؟

- الجديد هو مجموعتي "مرثياتي أبولودور الدمشقي" الذي كان معماريا عظيما عاش في الفترة ما بين 60 و25 ميلادية، وولد في دمشق وارتبط بصداقة مع محام في دمشق، كان يعمل في المحاكم العسكرية ويترافع في قضايا العسكر الرومان، وهذا الشخص اسمه ترجان يتحول في ما بعد إلى امبراطور روما ويستدعي صديقه أبولودور الدمشقي إلى روما.

كان أبولودور مهندسا معماريا عظيما ومشهورا، ثم تضاعفت شهرته بفعل مآثره المعمارية التي منها "الكلوسيم" في روما وجسر على نهر "الدانوب" لتعبر جيوش روما من الغرب إلى الشرق، وأصلح قناة تربط النيل بالبحر الأحمر وفي روما هناك معلم شهير جدا اسمه "عامود ترجان" خلد فيه آثار وأعمال "ترجان". وأثار هذا المعماري حسد الرومان الأصلييين، لأنه كان غريبا وكيف له أن يهيمن بلغته الفنية المعمارية على ذائقة الرمان الأصليين، ويطبع بشرقيته فن العمارة الرومانية في عصره.

هذه ملامح من سيرته، ولكن المهم هو مصيره إذا عرفنا أنه مات منفيا عن دمشق التي اعطته اسمه وكذلك غيرة فناني عصره منه حتى أن "ادريان" الذي جاء عقب "ترجان" في كرسي الامبرطورية وكان معماريا فاشلا كان يغار منه لأنه وسم بفنونه عصر "ترجان" وجانبا من ملامح الفنون الرومانية، حتى درج القول في روما وفي مجلس شيوخها وعلى لسان أحد الشعراء: يا للأسف ان مياه العاصي باتت تتدفق بين ضفتي نهر "التيبر" وهي حسرة رومانية عنصرية من تفوق السوريين في الفنون والآداب في ذلك العصر داخل روما نفسها.

لقد عاش هذا المعماري ألم المنفى ومات هناك، ولم ير مدينته ثانية وفي واحدة من قصائد الديوان أقول على لسانه: ابن مدينتي كل هذا لا شيء بالنسبة لي أمام الدرب الصغيرة التي عمرتها بين البيت والحمام لقدميك في سفح قاسيون.


• من حيث المعنى ماذا تشكل لك هذه المجموعة، وبماذا تختلف عن مجموعاتك السابقة؟

- المجموعة هي امتداد لاهتمامي وانشغالي على فكرة الغياب. ليس الشعر ترجمة قصة ولا القصة عمود فقري للشعر، ولا الشخصية القديمة قناع للشاعر الحديث انه تداخل الأزمنة وتعايشها في الشاعر. إن اختلاط الحواس ولقاء الجغرافيات والحرية التي يمنحها الشاعر لنفسه في المشي بين الأزمنة واعتبارها كلها زمنه، هو ما جاء مثلا بابولدور إلى قصيدتي، ربما الأمر هنا يبلور للوهلة الأولى هوية ما واضحة ودالة على زمن، لكن القراءة تمنحنا شيئا آخر؛ فالوصمة علامة على خوفنا من أمر كخوف ذلك الشاعر الروماني من أن يتدفق نهر العاصر في نهر "التيبر".

وهنا لا بد من القول أن الأمر بالنسبة للشاعر الحديث مختلف فلم يعد في وسعنا أن ننتمي الى جهة واحدة في العالم. نحن بشر عالميون بالمقاييس كلها وعالميتنا تتجلى في أننا نعيش ونسلك ونتصرف في كل العالم في الوقت نفسه، لدرجة أنه إذا سقطت كأس في جهة من العالم تصل شظية منها حيث ما كنت، وبالتالي فإن فكرتنا عن العالمية يجب أن تتغير، كما ينبغي أن نكتشف كيف تغيرت صلتنا بالأحياء، وبهذا المعنى ننفتح على الصور والأشياء والمعاني والأسماء، وذلك لأن الأسماء ليست أقنعة، بل هي ذواتنها التي تعيش في قصائدنا وتهدم بحيواتها وأزمنتها الجدار الوهمي للزمن وتتيح للشاعر أن يتفتح الأزمنة على بعضها.

في مجموعتي تجد فن الانشودة والمرثية وتجد الغنائي والسردي والحكاية في شذرات، وتجد ما يوهم بأن الذاكرة تعمل لكنها تعمل في ما يشبه فعل البرق، وليس التسجيل، وبناء عليه قسمت مجموعتي إلى ثلاثة أجزاء: الأول: "عند سفح قاسيون"، الثاني: "مرثية المحارب من ارم". الثالث: "شرفة الغريب".


• إلى جانب الشعر أنت تكتب دراسات حول المرأة، ما الذي تريد أن تقوله لها ولنا؟ ولماذا تعتقد أن الإبداع مخلوق من مياه الأنوثة؟

بالنسبة لي المؤنث هو مساحة مشتركة بين الرجل والمرأة، والفنان لا يمكن أن يكون في لحظة الابداع إلا في مياه المؤنث، وبهذا المعنى يتحول المؤنث إلى فضاء شاسع للخلق والإبداع. وهنا لا بد أن أسأل كيف يمكن للشاعر أن يحيط بالوجود، وأن ينطق باسمه ما لم يذهب أبعد من ذكوريته، وما لم يكسر الإطار الرجولة، ويسبح في مياه المؤنث ليمكنه أن يصيب الأبعد في الكينونة.

لقد سحرني فكر ابن عربي الشاعر والفيلسوف والصوفي الذي كان يرى العالم انطلاقاً من منطقة المؤنث، فلا عجب أن أكون مع فكر ابن عربي القائم في ركيزة منه على التأنيث، هذا من جهة أما الجهة الأخرى فمعظم شعراء العالم الكبار يكشف شعرهم عن عمق المؤنث فيهم، ومن هنا يمكن الإشارة إلى العلاقة المميزة بين الشاعر والمرأة، خصوصا وأن الشاعر هو الأقدر من بين جميع المبدعين على إصابة كيان المرأة.

إن للأنثى في قصيدتي أثرا جماليا من حقيقة أرضية وليست شبحية، كما كتب عني الناقد كمال ابو ديب، وكذلك ليست ادعاءات تسجيلية فظة صادرة عن تطلب شهوي محبط يتوسل الشعر.


• ثمة من يؤكد أن ثقالة الشاعر العربي ليست قائمة على التجربة وإنما على التثاقف! برأيك ما هو الفرق وأين دور المخيال في الحالتين؟

-الفرق بين الحالتين أن هناك من استكشف عن اللغة ومن خلال تجربته عوالم، وتمكن أن يصوغ هذه العوالم في لغته، وأن يكون أثرا شعريا وثيق الصلة بتجربته الحياتية والإنسانية والفكرية والجمالية، بمعنى كشوفه، وله ميزات في هذه الكشوفات وله طابع، وفي هذا الطابع هناك تكمن موهبته.

أما التثاقف فيتيح فرصة لمن يسمون أنفسهم شعراء أن يستحوذوا على كل هذا. هؤلاء يكتبون قصيدة يجمعون فيها هذه الخلاصات من دون أن تكون هذه الخلاصات صادرة عن تجاربهم الشخصية. طبعاً هذه حالة متطرفة، لكنني أتحدث هنا عن الفرق بين شعر التجربة وشعر التثاقف، والأخطر من كل ذلك أن هناك من اعتقد أنه فكَّ سيطرة الخريطة الجينية لمكونات القصيدة، وبات يكتب الشعر على هذا الأساس، وعليه لم تعد هناك حاجة للتجربة هناك خلطة من التراكيب والصور والميول اللغوية والجميع يمكن أن يكتب القصيدة؛ إنها خلطة للجميع تشبه إلى حد كبير تكوينات المسبقة الصنع، هناك خلطة متاحة للجميع، وبالتالي معيار الموهبة لم يعد موجودا.


• وماذا عن فكرة التجريب؟

لا أدري ما علاقة هذه الفرملة بالتجريب بالعكس شعر التجربة هو القائم على التجريب. الشاعر صاحب التجربة يصب كيانه وعناصر تجربته في قصيدته، ولكن مع الأسف ضاع الفرق حاليا بين شعر التجربة والشعر الذي يكتب لمجرد التثاقف وخلط الحابل بالنابل، وأرجو أن لا يفهم من كلامي أنني ضد الجديد.

• ماذا تقول في الانفجارات العنقودية لقصيدة النثر، وهل بدأت تدخل ضمن المسار الطبيعي لتطورها؟

- هذا سؤال يلامس جملة من القضايا تماثل في تنوعها غنى الانفجار نفسه، حيث تذهب الشظايا في كل صوب. بعض التقولات وادعاءات الشعراء تريد أن تتحدث عن فكرة الريادة بمعنى: أنا أول من كتب قصيدة الكتلة أو البياض أو القصيدة المدورة أو أنا صاحب الشعر المرسل. والواقع أن فكرة الريادة في ذاتها فكرة وهمية، لأن لا شيء اسمه الريادة الخالصة ما دام هناك من سبق وهناك شيء اسمه الريادة ولكن بشرط أخذ الفكرة على انها نسبية.

ثم ما هي الريادة؟ أهي ريادة في الزمن، أم ريادة في التقنية، أم ريادة في الجمال، أم ريادة في النضج؟ سأترك هذه الأسئلة لوعي الشعراء من دون أن نترك لسلطة الاسم أن يستبد بالحقائق، ولا للذائقة الشخصية أن تغطي على الحقائق الموضوعية والأفعال الموضوعية، خصوصا أن التاريخ النقدي للشعرية العربية هو تاريخ متقطع ومنحاز ومزاجي، وفي مرات كثيرة ايديولوجي وتدخل فيه العناصر الشخصية، فمن الذي يحدد ويختار أيهما أفضل أو أنضج وهل الذي يحدد هي العصبية أم العصبة الحزبية أم الجمالية أم العصبة الوطنية وهذا يحيلنا على سؤال مهم هو كيف يصنع المعيار الابداعي والثقافي؟ ولماذا نغلب طريقا على طريق أو فهما على فهم أو جمالا على جمال. أنا لا أتحدث هنا منحازا لأحد، لكني أملك وعي من يسأل وأتمنى أن يكون السؤال ديدننا، وليست الإجابة المجازفة من دون أن أنكر وجود أنانيات شعرية عربية لعبت دورا في خلق مناخ ناكر للمجاور والمختلف والمتعدد، واستغلت المنبر الصحافي للتعتيم على هذا وللإضاءة على ذاك. هناك من افتقد الضمير والخلق عندما افتقد الموضوعية، وهناك من استعمل الورق العمومي الذي ليس ملكه بغير وجه حق، فصارت الصحافة معه ومع سواه تروج للأفكار والأسماء والممنوعات وتنتصر لظاهرة وتحبط سواها. ثمة تسلط على الصفحات الثقافة وثمة من يمارس دورا تخريبا لا حدود له. وهنا لا بد من القول إن الشاعر هو ابن الحرية الغريب على كل هذه الصور. فصناعة الغلبة في الشعر والثقافة لا تبتعد ولا تختلف عن صناعة الغلبة في كل شيء. والشويعر الذي يلتقي مكانة الشاعر في المقال الصحافي والقصيدة المترجمة والمهرجان الشعري، هو مثله مثل كل لص في المجتمع من لصوص الحقوق وعندما يلعب الشعراء دور المطفف في الكيل سيحاسبهم قضاة الزمن ولن يهربوا من هذه الفعلة: تزوير الثقافة.

zeyad.anani@alghad.jo

التعليق