أرض مجنونة

تم نشره في السبت 31 تموز / يوليو 2010. 10:00 صباحاً
  • أرض مجنونة

معاريف

شلوم يروشالمي

30/7/2010

خرج بن تسيون افرسيمون وهو في الـ21 يوم الاثنين فجرا لصلاة الفجر في "حفات رونين"، وهي بؤرة استيطانية غير قانونية عند الصعود إلى مستوطنة "هار براخا". بقيت زوجته الحامل نيلي وهي في العشرين تنام في البيت. وفي السادسة صباحا سمعت ضجيج سيارات عسكرية ومعدات ثقيلة وأسرعت إلى النافذة.

يقول والدها يوئيل نويمان، وهو أحد سكان المستوطنة المجاورة يتسهار "قوى الشر، مئات من رجال الشرطة، دهموا المنازل العشرين في التل.. قرب كل بيت وقفت مجموعة من خمسة أشخاص من الشرطة الخاصة لمنع الناس من الخروج. قالوا لنيلي إنهم يمنحونها ربع ساعة لتأخذ الأشياء المهمة وتخرج من البيت. صدمها ذلك ورفضت التعاون. دخلت الشرطيات داخلا ورمينها إلى الخارج بالقوة".

ويتابع "حوالي السادسة والنصف أتى بن تسيون من الصلاة. أتى مع أناس آخرين من الكنيس. ولم يوافق هو أيضا على التعاون. بدأ الضرب. ضربوه ولم يدعوه يقترب. في تلك اللحظات صعدت جرافة فوق حظيرة ماعز أقامها عميت اورن، صديقه. نجح الرفاق في تعويقها قليلا. وفي السابعة والنصف داست الجرافات البيت ايضا. صرخوا لأنهم لم يستطيعوا رؤية ذلك. عارض بن تسيون فكبلوه وضربوه وأخذوه للمعتقل. بعد نصف ساعة أصبح البيت أنقاضا. وفي المساء سافرت نيلي الى محكمة الصلح في ريشون لتسيون حيث أطالوا اعتقال بن تسيون ثلاثة أيام لأنه هاجم شرطيا. وإلى الآن لا تستطيع نيلي التلفظ بشيء".

يعمل بن تسيون في البناء. ويعترف صهره نويمان بأن الأجرة جيدة. بسبب التجميد يوجد زخم بناء كبير في المستوطنات. فالناس يهبون لاستكمال بيوت أقاموا أسسها قبل قرار التجميد. ينتظر الجميع الـ26 من أيلول وهو موعد انقضاء أجل التجميد، أو أنهم سيقيمون بيوتا جديدة بغير اعتراف ايضا. تعجل افرسيمون الأمر. لقد أنشأ بيته عند طرف التل في "حفات رونين" قبل نصف سنة في أثناء فترة التجميد. علم الجميع أنه يدس إصبعه في عين الإدارة المدنية التي لا تريد دائما أن ترى كل ما يحدث في الميدان. وقد علم الجميع أن الدهم قريب. وأبلغت المنشورات عند مدخل المستوطنة بالخطر سلفا وطلبت من الرفاق أن يكونوا مستعدين.

وتبين أيضا أن قوات الأمن علمت ما علمه المستوطنون. فدهمت في الساعة الرابعة من صباح يوم الاثنين بيت الحاخام اسحاق شبيرا في يتسهار. كانت الحيلة التنفيذية متشابهة. فقد أحدق الجيش والشرطة والشرطة الخاصة بالمنازل في يتسهار. صحب عدد منهم الحاخام إلى المبنى المعزول للمدرسة الدينية عند طرف المستوطنة، وهناك صادروا عدة نسخ من كتابه "المقبح عندهم". الحديث عن كتاب "النظرية القويمة" الذي يحل في المبدأ قتل شخص من الأغيار اذا عرض إسرائيل للخطر.

يزعم يوئيل نويمان والمستوطنون في الجوار أن عمل "الأوغاد" (هكذا سمى نويمان الجنود والشرطة) كان منسقا. فقد أتوا إلى يتسهار ليحتجزوا الشبان هناك كي لا يخرجوا ويعوقوا الجيش عن هدم منزل افرسيمون. يدبر الحاخام شبيرا المدرسة الدينية "عود يوسيف حاي" المشهورة ومدارس "دورشيه يحودخا" في يتسهار. كانت المدرسة ذات مرة لصيقة بقبر يوسف في نابلس، ويمكن اليوم بلوغ القبر من جبل جرزيم فقط، أو بزيارات محروسة جيدا منسقة مع أفراد السلطة الفلسطينية.

اعتبر الحاخام نفسه شخصا اجتماعيا وحكيما، برغم أنه لا يوجد من يوافقونه على آرائه الشاذة. يسمونه في السامرة الحاخام ايتسك وهذا دليل على التحبب.

متحدث مستوطنة يتسهار إبراهام بنيامين شكا في غضب "نتعرض مرة أخرى لإغلاق أفواه الحاخامات والمس الشديد بكرامتهم". وفي المساء أعيد الحاخام إلى بيته. الناس في مستوطنات السامرة على ثقة اليوم أكبر بأن اعتقال الحاخام المحرض كان تحرشا لا داعي له.

الرجل مع الثقاب

يسكن نحو من 27 ألف شخص المستوطنات في السامرة. ويتفق جميعهم هناك على شيء واحد هو أن وزير الدفاع ايهود باراك هو القائد الأعلى لقوى الشر، وهو الشخص الذي يشعل الأرض عن عمد، ويحدث هذا دائما في الأيام التي يتأنق فيها مرتحلا إلى الولايات المتحدة. إن التقارير في التلفاز والصحف الخارجية عن البيوت المهدومة هي بطاقة زيارة ممتازة لوزير الدفاع. فبهذا يبرهن لهيلاري كلينتون على أنه يهدم بؤرا استيطانية غير قانونية. وبهذا يخبر شركاءه المتحفظين من اليسار لماذا يمكث في الحكومة.

يتناول باراك ومتحدثوه جميع المزاعم باستخفاف، لكنهم في المستوطنات يصرون على أنه في أثناء زيارته السابقة لواشنطن في أيار، هدمت الإدارة المدنية ستة مبان غير قانونية في "شفيه شمرون".

باراك أو غير باراك؛ إن من هدم البيت في "حفات رونين" واعتقل الحاخام شبيرا يعلم أن المنطقة ستشتعل بالسرعة المناسبة. تقع قرية بورين بين مستوطنات يتسهار وهار براخا وجفعات رونين. تاريخ أبناء هذه القرية مع المستوطنين صعب وعنيف. لا يحتاج أحيانا إلى أسباب خاصة ليواجه الشباب شبان التلال. فبعد أن انصرف الجيش وعلى الفور هبط المستوطنون إلى قرية بورين لجباية الثمن. يبدو أن الفلسطينيين انتظروهم مسلحين جيدا، ورجموهم بالحجارة. جرح أربعة مستوطنين. نقل أحدهم وهو يهوشع انتمان إلى مشفى بلنسون في وضع متوسط. وجرح فلسطينيان ايضا. وثقبت عجلات سيارة قائد الكتيبة 932 من الشبان الطلائعيين على الطريق.

بدأت الأرض تشتعل. في حرارة النهار أشعل فلسطينيون الحقول عند منحدرات جفعات رونين مؤملين أن تلتهم النيران البيوت التي لم يهدمها الجيش بعد. وبدأ المستوطنون يشعلون النار في غراس الفلسطينيين في المنطقة كلها. استطاع الوزراء افيغدور ليبرمان وعوزي لنداو وصوفا لاندبر الذين توجهوا في الظهيرة الى مستوطنة هار براخا أن يروا من نافذة الحافلة فيلما حربيا في بث حي ومباشر.

أحرقت ألسنة لهب عظيمة كل أرض خيرة في الجبل وغطى الدخان السماء. أبيدت أشجار زيتون ومزروعات في الحقول. لم تنجح سيارات الاطفاء في مواجهة مقدار اللهب. حاول مستوطنون في ساعة الضيق أن يحفروا قناة طويلة تحجب النار عن حقول خضراواتهم، لكن هذا لم ينجح. كان المشهد عجيبا وغريبا ومفارقا. فقد جرى الفلسطينيون والمستوطنون، كل واحد في حقله وحاولوا اطفاء النار. ومن أنهى اولا مضى الى القطعة الثانية تاركا الجار وراءه يواجه هذه الأزمات. لو أنهم تعاونوا لوجدوا قوى الاطفاء وقضوا على النار معا. لو لم يشعلوا الثقاب لما تعبوا هذا التعب. لكن ايهود باراك كما قلنا هو الذي أشعل النار، في رأي المستوطنين على الاقل.

ماذا كانت النتيجة؟

جلست بعد الشغب مع شبان التلال على أنقاض بيت افرسيمون. بعضهم تلاميذ مدرسة الحاخام شبيرا في يتسهار. إنهم رفاق شبان، ذوو قبعات كبيرة، وأصباغ طويلة وصنادل من القماش. يريدون تحطيم كل شيء لكنهم فقدوا منذ زمن الثقة بالعالم كله ولا سيما وسائل الاتصال.

المشهد حولنا يثير الكآبة جدا. فأثاث البيت والفراش والألواح الخشبية وخزان الماء والبلاط المكسر وغير ذلك يحيط بالرفاق. وهم يرون الصحف خطيرة كالفلسطينيين الذين قاتلوهم قبل ذلك.

يقول أحدهم في قناعة "أعلم ماذا تكتبون بعد كل عملية عندنا. يوجد عندكم جبال من العناوين الثابتة: الخوف – انتقام. لا تتناولون من تضرر، والاشخاص الذين قتلهم الإرهاب والعائلة والاولاد. بل الانتقام فقط. كان الحديث في البدء متدفقا، لكنه غدا بعد ذلك متحفظا وأصبح في النهاية عنيفا في مستواه اللفظي".

يقول الشبان إن الانفصال حطمهم، لكن الأحداث في عمونة في شباط 2006 قضت عليهم نهائيا على مستوى مشايعتهم للدولة على الاقل. يتذكرون في هذه الايام في كل مكان "الطرد من غوش قطيف" ويتحدثون عن التجميد. وقد غطيت المستوطنات في المكان بمنشورات تخوف الجمهور: "بيبي يدوس الاستيطان"، و"ويستيقظون هذه المرة في الوقت تماما". ويقول المستوطنون إن الجيش هو الذي استيقظ هذه المرة وهو الذي هدم بيت افرسيمون. تبدو شكواهم غير تناسبية شيئا ما. فمن يجل في يتسهار ير حيين كبيرين جديدين مع منازل جميلة ذات طبقتين أخذت تستكمل في هذه الايام حقا.

إن ما يغضب شبان التلال هي التقارير عن نتائج الحرب التي قاموا بها في الظهيرة مع العرب من بورين. عندما عرضت نتائج المعركة وهي اربعة جرحى في مقابلة اثنين من بورين، يقفز الشبان عن الفرشة، ويصيحون "كانوا أكثر منا". في هذه المرحلة انتهى فصل الصداقة بيننا. يهدد أحد الشبان وهو أسمر ويرتدي نظارة، بأنني اذا لم أغادر المكان من الفور "فسينتهي أمر سيارتك إلى أن تثقب عجلاتها كلها مثل كثيرين قبلك". وطلب شاب آخر أكثر تهذيبا أن أغادر لأنه يجب عليهم أن يعقدوا جلسة عمل. في ذلك المساء سد المستوطنون أحد عشر مفرقا في المنطقة. وفي "شفيه شمرون" رمت قوة من حرس الحدود المتظاهرين بقنبلة صوتية.

وماذا عن بن تسيون افرسيمون؟ في يوم الأربعاء وافقت الشرطة على إخلاء سبيله مع الإقامة الجبرية في بيته بعد أن قضى ثلاثة أيام في سجن هداريم. ولأنه أصبح بلا بيت فسيمكث مع زوجته عند والديها في يتسهار. أرسل افرسيمون من جهته الى شرطة التحقيق السرية فيلم فيديو صوره رفاقه. وقال إن الشرطة هم الذين هاجموه.

ايفيت وبوجي في الميدان

زار وزيران مهمان الميدان في عين العاصفة. فقد أتى وزير الخارجية ليبرمان ليضمن للناس ان التجميد قد انقضى. وأتى وزير الرفاهة اسحاق هرتسوغ ليعلمهم بأن التجميد انتهى. جال ليبرمان في السامرة جولة انتصار مذهلة فوق ظهر رئيس الحكومة نتنياهو بعد أن نجح في أن يحصل منه على مخصصات وأرسل الى الامم المتحدة ايضا سفيرا بخلاف رأي نتنياهو، وان كان قد تراجع في موضوع التهويد. وقد أعلن ليبرمان في جبل جرزيم ان "التجميد كان تربيتا على كتف الفلسطينيين، ودفعنا عن ذلك ثمنا باهظا. وهو سيتوقف الآن". وأعلن هرتسوغ بعدها بيوم في المكان نفسه أن "اخلاء اجزاء من يهودا والسامرة أمر حتمي. فتسوية كهذه فقط ستمنع إنشاء دولة ثنائية القومية في أرض اسرائيل".

هرتسوغ هو القصة المثيرة للاهتمام بفضل الظروف. فإذا كان ليبرمان مؤيدا للمستوطنين فإن هرتسوغ يعارضهم، لكنه يلتزم أن يمنحهم علاقة وخدمات مثل كل مواطن. جال ليبرمان في السامرة واستشاط غضبا، خصوصا على أبو مازن والفلسطينيين الذين يريدون فرض قطيعة على منجات المستوطنات، بل إنه جال في المصانع في بركان وصافح العمال الفلسطينيين المحرجين الذين لا يجدون مكانهم بين الحكومة الفلسطينية والحاجة إلى الارتزاق. ووعد ليبرمان رؤساء المجلس ايضا بعشرة كرفانات جديدة من اجل ناد لمهاجرين جدد سيسكنون المستوطنات ايضا. قال هرتسوغ لرؤساء المستوطنين بسخرية "سيعطيكم الكرفانات كما أعطى المهاجرين التهويد".

في أثناء الجولة مع ليبرمان استأجر المجلس خدمات بوعاز هعتسني كمرشد. قال هعتسني وهو من الليكود ان اريئيل شارون استدعى في حينه تقرير تاليا ساسون كي يهرب من قضية الرشوة التي هددتهم، لا أقل من ذلك. وسمى هعتسني خطبة بار ايلان "حيلة نتنياهو"، وسمى طائفة السامرييين الجليلة "كوريوز". ومن المثير ان نعلم ماذا يعتقد في هرتسوغ.

من يخاف من الجيش؟

في كانون الاول (يناير) الماضي ألغى هرتسوغ لقاء مع رئيس المجلس الإقليمي "السامرة" غرشون ماسيكا بعد أن مزق هذا علنا أمر التجميد. اعتذر ماسيكا في تلك الاثناء وأتى هرتسوغ إلى المجلس كي يلقى شبان التلال. يسافر الاثنان معا الى مستوطنة ايتمار، حيث يملك مستوطن اسمه افري ران هناك مزرعة عضوية مشهورة تستوعب شبانا متدينين مفصولين عن البلاد كلها. كان يمكن للقاء بين هرتسوغ والشبان ان ينتهي إلى كارثة لولا الوجه البشوش للوزير الودود ولغته اللينة. بل اعترف الشبان أمامه بلا خجل بأنهم يرتجفون خوفا عندما يأتي الجيش إلى التلال. فالازمة الداخلية بينهم تزداد دائما.

بخلاف ما تعتقدون، شبان التلال في اكثرهم عقائديون ليست لديهم مشكلات اجتماعية خاصة او غيرها. هذا ما أبلغته هرتسوغ على الاقل حايا شخنر، مديرة فرع الرفاهة في المجلس. انطبع في نفس هرتسوغ أن الشبان الذين يخلون بالقانون ويتشاجرون مع الفلسطينيين هم حائرون وأن عدم اليقين السياسي يزيد من ورطتهم. ويشخص هرتسوغ الحالة قائلا "جميعهم في ضغط كبير جدا. إنهم يعلمون انه ستقع قرارات حاسمة. يعتمد البالغون على الفلسطينيين أن يركلوا كل اتفاق اما الشبان فيحبون الجيش. فهم لا يريدون حقا مواجهة الجنود طوال الوقت. انهم يريدون احتضانا. يريدون تأييدنا، لكنهم ما يزالون لا يرون سببا جيدا يدعو الى التآلف بل الى الانفصال فقط".

إن المواجهة الشاملة بين ليبرمان وماسيكا ورؤساء المستوطنين وهرتسوغ وشبان التلال جذابة. فليبرمان والمستوطنون يطلبون وقف التجميد لان الاستيطان وحده هو الذي يمنع الارهاب في رأيهم. ولا يفهم هرتسوغ كيف يعيش وزير خارجية دولة اسرائيل مع المستوطنين في داخل فقاعة، ولا يعلم ما يحدث في العالم، ويعتقد أننا نستطيع فعل ما نشاء. يقترح ماسيكا فجأة اخلاء المستوطنات بشرط أن تنتقل البلدات العربية في البلاد الى الدولة الفلسطينية ايضا. ويقول هرتسوغ إن هذا لا يجوز. وهو مؤمن بأن رئيس حكومة من المركز وربما يكون هو نفسه يستطيع اخلاء المستوطنات من اجل دولة فلسطينية. من يعلم.

إن عائلة افرسيمون وحدها لا تؤمن بأي شيء. في يوم الاربعاء أتى بن تسيون يتسهار، مرهقا بعد هدم البيت والاعتقال ورفض الحديث. تحدث صهره نويمان بدلا منه وهذا ما قاله: "نتنياهو خائف. سيرضخ أنا واثق من ذلك. والتجميد سيستمر. أراه متجهما في الخامس والعشرين من أيلول (سبتمير) عند خروج السبت وفي عيد العرش يعلن في حفل صحافي بأنه قرر ضم كاديما الى الائتلاف وأننا ماضون الى تفاوض سياسي وسنجمد كل شيء. وليست عندي توقعات أيضا من شخصية شاحبة ضعيفة مثل بني بيغن. متى أظهر قدرة على الصمود؟".

"وليبرمان؟ إنه رجل حسابات. ما يدريك ماذا سيفعل آنذاك. ربما يفعل ما يلائمه"، يلخص نويمان الوضع ويضع رأسه بين راحتيه ويغرق في أفكار عميقة.

التعليق