عباس للصحف الإسرائيلية: لن أترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة

تم نشره في الجمعة 2 تموز / يوليو 2010. 10:00 صباحاً
  • عباس للصحف الإسرائيلية: لن أترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة

روني شكيد وسميدار بيري -يديعوت احرونوت


الطريق الى مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) في مبنى المقاطعة في رام الله تمر بسلسلة طويلة من الأبنية الفخمة، التي تستهوي البصر حتى في الظلام أيضا. من الباني؟ من هم الأثرياء الجدد وعلى حساب من جمعوا ثروة ضخمة؟ من لا يخاف أن يستثمر ملايين؟

الرئيس بخاصة راض. "الوضع الجديد عندنا يجذب مستثمرين فلسطينيين من الخارج. يرون كيف نشأت عندنا ثقافة جديدة من الأمن والاستقرار. أدعوكم إلى الخروج للشوارع، والتجول بين المقاهي، وأن تشاهدوا كيف أن كل شيء هادئ مطمئن.

رئيس الشاباك يوفال ديسكين ورجاله في الشاباك لا يمتدحوننا من دون سبب ويقولون دائما إن "الوضع في الضفة هادئ"، يقول أبو مازن ذلك معتزا. "نحن نقوم بالعمل كما يجب. الأمن مصلحتنا، نحن نتولى الأمن منذ ثلاث سنوات من غير أن نضع شروطا. فلا تقولوا إذن إنكم غير قادرين على إطلاق أسرى حماس مقابل جلعاد شاليط لأنكم تخافون أن يجددوا النشاط الإرهابي. هذا ليس مقبولا لنا. لكم جندي مختطف وأنا آمل جدا أن يسرح سريعا. لكن لنا عندكم 8000 أسير". ونصححه قائلين 6800 أسير فقط، فيقول أبو مازن: "هذا لا يهم، فالرقم ما يزال بالآلاف".

في سعيه لتعزيز شعبيته، خرج الرئيس نفسه، في نهاية الأسبوع بمرافقة إعلامية، ليأكل الفلافل ودخل كأنما بالمصادفة مع المرافقين والحراس لمشاهدة لعبة كأس العالم في مطعم شعبي. وأمام القصور الفخمة، على الحائط ترى صوره الضخمة ومن يبدو أنه بديله في يوم من الأيام، السجين القديم مروان البرغوثي. وكما هو الحال دائما، حرصوا في رام الله أيضا على تصوير البرغوثي وهو يتحدث بالهاتف.

أهذا هو بديلك؟ نسأل ويجيب أبو مازن: "لا أنوي البقاء في منصبي إلى الأبد. تستطيعون أن تكتبوا أنني كبير في السن وأن العائلة تضغط عليّ لاعتزال العمل. في اللحظة التي نعلن فيها انتخابات ليس عندي أي خطط أو نوايا للمنافسة، وسأخلي الميدان. حسبي، لقد خصصت قدرا كافيا من السنين من حياتي للسياسة".

لكن أبا مازن يحذر ألا يشير إلى البرغوثي على أنه وريث. ويشير في مكتبه الى مستشاريه المقربين الأربعة، ويقول "ليست مشكلة أن نجد الرئيس القادم: مثلا ياسر (عبدربه) وهو أصغر مني بست سنين أو (الوزير) نمر حماد، أو الاثنان الآخران اللذان يجلسان هنا، فكل واحد منهم جيد ويستحق المنصب".

من دون أسرار

لمَن من الفلسطينيين إذن ملايين الشيكلات (جمع شيكل- العملة الإسرائيلية) للاستثمار في الأبنية الفخمة والفنادق؟ شوارع رام الله فارغة، لا يكاد يوجد هناك كائن حي، فالجميع في البيوت قبالة الشاشات، ملازمين لألعاب كأس العالم. بل إن الرئيس يختطف بعض النظرات لعدة دقائق إلى الشاشة الكبيرة. ويعترف قائلا: "لست خبيرا كبيرا بكرة القدم".

وقد دعينا، ونحن ستة صحافيين إسرائيليين إلى احتفالية للثرثرة وتناول الطعام على مائدة الرئيس الملآى، لن يقول كلمة انتقاد مباشرة لنتنياهو وحكومته. لكن بين سيجارة مارلبورو حمراء وأخرى يسحبونها ويشعلونها له لا يصعب أن نستوعب سلسلة طويلة من الرسائل والشكاوى. وبخاصة بعد أن أدخل نتنياهو أبا مازن في وضع انتظار من جهة واحدة ونهايته غير معروفة. وربما يكون لقاء نتنياهو للرئيس أوباما بعد خمسة أيام في البيت الأبيض هو سبب "الحديث معنا من القلب إلى القلب"، والذي استمر ثلاث ساعات وهو معد كله للنشر، مع تأكيد المستضيف على "أنه لا أسرار عندي وليس عندي ما أخفيه".

إن خيبة الأمل من انتظار نتنياهو جعلت أبا مازن يجد شركاء جددا في الاتصالات، هم رؤساء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة. فهو يروي لنا مرة بعد أخرى بحماسة عن المحادثات واللقاءات في واشنطن، وعن أسئلة أمطروه بها، والإجابات المفصلة التي قدمها بصبر، من أجل الاستثمار في الشركاء الجدد وإقناعهم كي يقنعوا نتنياهو.

"سألوني، لماذا أصر على تأجيل المفاوضات المباشرة مع نتنياهو. يحاولون أن يبينوا لي، وكأنهم نسوا أن لي 20 سنة أقدمية في التفاوض معكم، وأن المحادثات وجها لوجه تقصر الإجراءات دائما وتنتهي إلى حل متفق عليه. لكنني وكإعداد للقاء مع نتنياهو نقلت إليه قبل شهر، عبر الوسيط الأميركي ميتشل، ورقة موقف في الموضوعين المركزيين: الأمن والحدود (للدولة الفلسطينية المستقبلة)"، يقول "كانت تلك وثيقة مفصلة جدا، عملنا عليها بجدية. كان من المهم عندي أن تكون هذه مرحلة إعداد للقاء، كي لا ينتهي الحوار بيني وبين نتنياهو الى انفجار".

يزعم أبو مازن أن هذه هي العادة في العمل وأن قصده كان شفافا. ويقول "انفجار المحادثات خطر على الطرفين". "منذ نقلت الوثيقة لم أتلق جوابا من نتنياهو. لم يجب البتة. أنا آمل الآن أن ينجح الرئيس أوباما إن شاء الله مع نتنياهو في الموضع الذي لم أنجح فيه بأن أحرك الأمور أو أقدمها. أنا أشد على يد أوباما ليحرك نتنياهو إلى شيء إيجابي. وأنا ألتزم بأنه في اللحظة التي يظهر فيها تحرك إيجابي في المواضيع التي تتحدث عنها الوثيقة، فلن تكون عندي مشكلة أو عائق للقاء نتنياهو".

بخلاف سلفه عرفات الذي علقت صورته المكبرة وراء مقعده في قاعة الضيافة - في شبه تذكار مثقل أو ظل مطارد - أبو مازن شخص ودود. فهو لا يحرص على البروتوكولات الرسمية، ومجالات اهتمامه متنوعة، ولغته شعبية وصائبة، وهو يقرأ كل كلمة تنشر عندنا وفي واشنطن. وهو يعلم أيضا أنهم يقولون عندنا إنه "ضعيف" و"إنه ليس شريكا"، وإنه على الرغم من كلامه الهادئ في المدارس الفلسطينية وفي المذياع والتلفاز يهيّج تحريضا شديدا ضدنا.

"لا أنكر وجود تحريض، وأؤمن أيضا أن التحريض لا يساعد، لأنه يسمم جو السلام"، يقول، "لكن لا يوجد تحريض عندنا فقط. فعندكم يصوروننا بألوان سيئة جدا. وكأن كل فلسطيني مخرب يجب الحذر منه. قبل عشر سنين أنشأنا لجنة مشتركة عالجت مشكلة التحريض والنشرات السلبية. أنا مستعد لأن أجدد هذه اللجنة اليوم، وأن أرسل فريقا من جانبنا يجلس مع فريق منكم غدا. انقلوا هذا الى نتنياهو باسمي".

مليون مشكلة

في حين إن أبو مازن ما يزال ينتظر نتنياهو، تثير التصريحات اليائسة في شوارع الضفة الغربية عن إنشاء دولة واحدة ثنائية القومية، غضبه. "ليس هذا هو الحل، وأرجو ألا يفهموا على نحو غير صحيح. نحن نريد دولة فلسطينية مستقلة"، يقول. "ستكون لنا دولة عاصمتها شرقي القدس، وتكون عاصمتكم في القدس الغربية".

- هل توافق على تبادل أراض؟

عباس - "نحن نوافق، وقد أثير هذا الموضوع في المحادثات التي أجريتها مع رئيس الحكومة السابق أولمرت".

- يوجد مستوطنون يريدون البقاء وإن انتقلت السيادة إليكم. هل توافقون؟

عباس: "تعالوا نبلغ هذه المرحلة وآنذاك نتخذ قرارات. يعتمد الاقتراح الذي نقلته إلى نتنياهو على تفاهماتي مع أولمرت. غزة كلها، والضفة كلها والقدس الشرقية، وأن يكون الحد بيننا البحر الميت، ونهر الأردن، وأن نحصل أيضا على الأراضي المشاع. أنا مستعد في قضية الأمن لقبول قوة ثالثة تكون مقبولة للطرفين: حلف شمال الأطلسي، أو اليونفيل أو قوة متعددة الجنسيات يكون فيها حتى جنود يهود، بشرط أن لا يحملوا جنسية إسرائيلية. ليست لدي مشكلة مع جنود يهود. الأساس ألا يبقى في الضفة قوات إسرائيلية. هذه معادلة بسيطة: إسرائيل تريد الأمن ونحن نريد السيادة".

آنذاك يصمت لحظة، ويرفع صوته قليلا. "ليكن واضحا، لا أنوي أن أقوم فجأة وأعلن بأننا أنشأنا الدولة الفلسطينية. إن أمرا مهما بهذا القدر لا يمكن أن يتم في إجراء من جانب واحد، فالعالم لن يعترف بنا. لكنني لم أسمع من حكومة نتنياهو إلى هذه اللحظة حتى كلمة واحدة. ولا كلمة تشجيع ولا حتى علامة سؤال. قدمت عن طريق المبعوث الأميركي أفكارا مكتوبة، وأقول لنتنياهو: أتريد التحدث حول ذلك أم لا؟ نحن نبحث عن ضوء ما في الأفق. فليجبنا حتى من حيث المبدأ، ليقل على الأقل ما يريد وما لا يقبل".

يؤكد أبو مازن أنه قلق من وضع التسويف: "أجد نفسي وحيدا أمام القيادة الفلسطينية كلها، وأنا مصمم على الاستمرار في محادثات التقارب، ومحاولة أن أجد الصدع لأتوصل الى المحادثات في الحل الدائم. إذا نظرت فيما يحدث عند نتنياهو فإنني أعلن أن عندي من المشكلات في حكومتي أكثر بمليون مرة مما عند نتنياهو في حكومته. وأنا أكثر قلقا واهتماما من نتنياهو، لهذا أعمل اليوم لإيقاظ السلام من سباته. أبلغكم أنني مستعد للقاء كل إسرائيلي، لأبين له أننا قد نضيع فرصة. أنا قلق في هذه الأثناء، لأننا قد نعود الى العنف بسبب الوضع العالق".

- هل تلتقي المستوطنين أيضا؟

عباس : "إنهم يهاجموننا كل يوم. يهاجمون المواطنين وأراضينا. لهذا سيكون من الإشكالي لقاؤهم. إذا برهنوا على أنهم يريدون السلام، وكل ما يقتضيه السلام، فسألتقيهم".

حتى تحين اللحظة، وربما من أجل تقصير الإجراءات أيضا، أبو مازن معني بدفع مبادرة السلام العربية التي صدرت عن العاهل السعودي الملك عبدالله. "نحن نتحدث عن حدود 67 وعن دولة فلسطينية مستقلة، كل ذلك موجود في المبادرة العربية التي تقترح عليكم علاقات سلام مع 57 دولة في العالم العربي والإسلامي حينما تقبلون المبادرة، لكن حتى اليوم، وعلى الرغم من مرور ثماني سنين، تعارضها إسرائيل، وتحاول إدخال تغييرات عليها، ولدي انطباع بأن مواطني إسرائيل لا يعلمون ما هي المبادرة العربية". يزودنا أحد موظفي المكتب بوثيقة، ويتابع أبو مازن قائلا: "ألن يكون رائعا أن تلتزم 57 دولة بإنشاء علاقات طبيعية معكم؟".

صياغة غامضة

الرئيس في سنواته السبع والسبعين يبدو جيدا ومتيقظا ونشيطا ويدخن سيجارة بعد سيجارة. قبل ثلاثة أشهر نشرت أنباء عن انهيار مفاجئ في صحته، وعن علاج في الأردن، وعن ضعف. إن الظاهر أنه غير قادر على كف نفسه عن التدخين ويقول، "دخنت مع أولمرت لكن لم أدخن سجائره، حتى في واشنطن عندي رخصة خاصة للتدخين في فندق كاريلتون، وفي ركن ما في البيت الأبيض، وأنا أعلم أن الرئيس أوباما يدخن سرا. وتند عنه ابتسامة إذ يقول، لقد دخلت تسيبي ليفني معي من آن لآخر. لكنها تدخن سرا سجائر رفيعة".

سألناه، هل لديك شريك في إسرائيل؟ فأجاب أبو مازن، الذي تعلم اللعبة الديمقراطية وتحدث بواسطتها إلى الشارع الإسرائيلي، وهو حذر في لغته ويلف كلامه في صياغة غامضة، "لي شريك. أنا لا أبحث عندكم عن شركاء جدد. شريكي الأول والأخير هو رئيس الحكومة. نحن لا نثير أسئلة وشكوكا في نتنياهو أنا أعمل مع من انتخبه الشعب في إسرائيل".

وقال أبو مازن عن نتنياهو: "العلاقات بيننا غير مقطوعة. فهنا، في القريب سيلتقي رئيس حكومتي سلام فياض وزير دفاعكم ايهود باراك". مقابل ذلك هناك العلاقة الناجحة بين أجهزة الأمن في الطرفين، والرئيس موضوع في صورة الوضع. في الساعات الثلاث التي تحدثنا فيها، دخل أحد مساعديه وعرض بلاغا سريعا ليراه الرئيس وحده. نظر بجدية وحرك رأسه برضى. "التنسيق ناجح. أتى الآن تقرير من شخص التقى رجالكم. هذا شيء ما أمني حساس جدا"، قال لنا. "نحن نعمل طوال الوقت. ونتحدث الى ديسكين".

وبإشارة من المستضيف ننتقل إلى قاعة كبيرة نظيفة، ونجلس حول مائدة بيضاوية للعشاء. إن من يعرف عادات منطقتنا يعلم أن الجو حول المائدة يكون أقل رسمية. "كل شيء مباح"، يضاحكنا أبو مازن، لكن عندما توضع الوجبة الرئيسة، بعد السلطات والمحاشي، يتبين أن الجيران في المقاطعة لم ينجحوا بعد في حل ألغاز الطبخ الحلال (بحسب الشريعة اليهودية). توضع في الطبق كومة "مجدرة"، وفوقها لحم خروف متبل وإلى جانبها طاسة لبن. لم نلمس ذلك.

يشعل أبو مازن سيجارة بين لقمة وأخرى. في الجدول الزمني للمبادرات السياسية لـ"نشر ثقافة السلام لا ثقافة الحرب"، يكشف لنا عن خطته الجديدة: أن يعقد مؤتمرا في أريحا حول مبادرة السلام العربية بمشاركة وفود من إسرائيل والفلسطينيين. ويكشف عن أن خطيبي الشرف سيكونان هو نفسه والرئيس شمعون بيريز. نحن نهدئ من الحماسة قائلين: الأمن والشاباك لن يسمحا للرئيس بيرس أن يأتي إلى أريحا. أثيرت في الماضي مبادرات كهذه وأحبطها الشاباك.

إن الحلقة الضعيفة في الحديث الذي امتد إلى ساعة متأخرة من الليل، أعادتنا إلى إجازة الدكتوراة لأبي مازن، وإلى الكلام المثير للغضب الذي صدر عنه بشأن عدد ضحايا المحرقة. كتب في سنة 1982 بحثا عن "العلاقات السرية بين الرايخ الثالث وقادة الحركة الصهيونية"، وزعم أنه "لا أدلة عنده" عن عدد ضحايا المحرقة، وأكد تعاونا مقلقا بين النازيين والقيادة اليهودية في الفترة بين الحربين العالميتين.

إليكم ما قاله لنا أبو مازن أول من أمس (الثلاثاء): "هذه قصة منذ أربعين سنة، ومنذ سنة 1982 توقفوا عن نشر كتابي. ما الذي كتبته في الحاصل؟ كتبت أنني لا أعلم إن قتل في المحرقة 6 آلاف أم 600 ألف أم 6 ملايين؟ لكنني كتبت أيضا أن من يقتل شخصا بريئا واحدا فكأنما قتل الناس جميعا وهذا عمل لا يغفر".

"أتقولون إنه قتل 6 ملايين يهودي في المحرقة؟ أنا أقبل هذا بلا جدل. وأقول أيضا إن المحرقة جريمة لا يمكن إنكارها. ولست أنا من أحدد عدد الضحايا. ومن المهم لي أن تعلموا أنه في السنة الماضية، في يوم المحرقة الدولي، أمرت سفير منظمة التحرير الفلسطينية في بولندا أن يشارك في المراسم المركزية على أنه ممثل رسمي للشعب الفلسطيني، وأمرت سفير منظمة التحرير الفلسطينية في موسكو أن يشارك في مراسم إحياء يوم المحرقة في منزل الحاخام الرئيس".

 

التعليق