الفزاعة

تم نشره في الخميس 1 تموز / يوليو 2010. 10:00 صباحاً

جدعون ليفي -هارتس

مشهد بلادنا العام مزروع بالنصب التذكارية، ولكن هناك أمر واحد ينتشر جدا في هذا المشهد: الفزاعة. تلك الدمية البائسة والسخيفة التي تشبه البشر، مبسوطة الذراعين على الجانبين في مظهر من انعدام الوسيلة، وترمي لتخويف (العصافير). في السنوات الاخيرة باتت العصافير تخاف أقل من الفزاعات، فقد فهمت بأن هذه خدعة، ولكن في إسرائيل يواصلون تخويف الناس بالذات. فالسياسيون والجنرالات يخترعون هذه الفزاعات لأغراض التخويف من الداخل ومن الخارج لدرجة أنهم هم أنفسهم باتوا يخافونها. والفزاعة الدورية هذه المرة هي تحرير مخربين مع "دم على الأيدي".

لقد امتشقت الآن الأرقام الباعثة على الرعب: السجناء الذين تحرروا عادوا لقتل اليهود. والاستنتاج: لا لصفقة شاليط. وهكذا فان هذه فزاعة أخرى. الارهاب توقف لان القيادة الفلسطينية توصلت إلى الاستنتاج بأنه لا يحقق شيئا ولأن المجتمع الفلسطيني نازف ويائس. وإلى أن ينشأ جيل المقاتلين التالي فانه لن يكون ارهاب ذو مغزى مع مخربين محررين او دونهم. كما أن تعبير "دم على الأيدي" لا يرمي الا إلى تزيين الفزاعة بألوان حربية: الدم موجود على أيدي الطرفين الصقريين ومن الافضل لنا أن نفحص يد من ملطخة اكثر بالدماء.

للتخويف من تحرير مخربين سبق بالطبع تقليد بعيد السنين. فالاقتراح للحديث مع م.ت.ف كان ذات مرة فزاعة مخيفة على نحو خاص ومثلها اقامة دولة فلسطينية. ايبي نتان زج به لاشهر في السجن بذنب الاتصال مع م.ت.ف، إلى أن التقى 5 رؤساء وزراء مع رئيسها وأصبحت المنظمة شريكا محببا لإسرائيل. ومن أيد ذات مرة الدولة الفلسطينية اعتبر خائنا إلى أن بدأت إسرائيل بأسرها، من بيبي وحتى طيبي، تؤيد هذا الحل أما الآن فإن الفزاعة الدورية هي المفاوضات مع حماس، والتي تشبه على نحو مذهل سابقتها.

قبل "رصاص مصبوب" خلقنا رعب تسلح حماس، تهريب السلاح الإيراني في الأنفاق وإقامة خلايا القاعدة في القطاع هذا أيضا انهار مع الهجوم الوحشي للجيش الإسرائيلي الذي لم يصطدم بمقاومة عسكرية حقيقية. أين كان السلاح الإيراني؟ أين التسلح؟ فزاعة.

عندما كان كل فتى مع عبوة أنبوب يعتبر "كبير حماس" وكل مسلح رئيس الذراع العسكري للجهاد، امتلأت البلاد بدمى التخويف من صنع أيدينا. منظومة كاملة من أجهزة الدعاية الحكومية والأمنية، إلى جانب جوقة التخويف في وسائل الإعلام، بجملة المحللين المندوبين عنها، حرصت على ألا نفوت أي حملة رعب.

أغنية الفزاعة حذرت أيضا من رفع الإغلاق عن غزة. إلى أن صمتت ولم يحصل شيء. تذكروا الحواجز. على مدى السنين شرحوا لنا بأن تأخير عشرات آلاف بني البشر واهانتهم يوميا هو أمر حيوي لدولة إسرائيل. معظم الحواجز رفعت، وانظروا العجب، التخويف انهار وشيئا لم يحصل.

وفي عشية فك الارتباط ايضا أقمنا لنا دمية، فخر التخويف في دولة إسرائيل: حرب أهلية. اخلاء المستوطنين سيؤدي إلى سفك دماء، "هذه بلادنا" ستغلق الطرق وتعطل الاقتصاد. لم يحصل شيء من هذا، ولكن الفزاعة لم تتنازل: خوف المستوطنين لا يزال يربض فوقنا. كل حكومة في إسرائيل تخاف من نمر الورق هذا.

تريدون المزيد؟ قالوا لنا ان الانسحاب من سيناء سيكون مصيبة، وخير شرم الشيخ من دون سلام، والا سنبقى مع قطعة ورق. هذا ايضا مات، ولكن اقامة محله فزاعة جديدة: النزول من الجولان هو خطر على الأرواح. السوريون سيغطسون أقدامهم في بحيرة طبريا. ولكن الاقدام التي تبرد هي أقدامنا بالذات: يكفي زرع هذا الرعب للامتناع عن الوصول إلى سلام مع سوريا. وعندما ستنهار ذات يوم هذه الفزاعة أيضا، لن يسأل احد مما خفنا، بالضبط مثلما خفنا عبثا على مدى السنين من فزاعة أخرى: الانسحاب من لبنان. العالم كله نهض لإبادتنا، فزاعة أخرى. في الجبهة الداخلية ايضا أقمنا عدد غير قليل من الفزاعات، من "إسرائيل تجف" وحتى انفلونزا الخنازير. أتذكرون رعب انتشار الوباء والتوصيف الفظيع في تصوير المستشفيات تنهار؟

وربما أيضا التهديد الذي يقول إن ايران ستلقي قنبلة ذرية على إسرائيل، رغم كل قوة ردعنا، سيتبين هو أيضا كسلاح صدئ. اذ انه مع تاريخ الفزاعات هذا لم يعد ممكنا ان نعرف ما هي فعلا فزاعة وما هو فعلا تهديد. في هذه الاثناء تثبت التجربة على نحو قاطع: هذه البلاد مليئة بالكثير جدا من الفزاعات المسكينة.

التعليق