مبدعون: إدخال اللهجات المحكية إلى السرد الروائي لا يشكل خطرا على الفصحى

تم نشره في الأربعاء 23 حزيران / يونيو 2010. 09:00 صباحاً

زياد العناني
 
عمان - يرى مبدعون أن زج الرواية بالحوارات العامية يقلل من قيمتها وقيمة السرد المعتمد على قوة اللغة العربية الفصحى كما أنه "يحد من تعليمها وتعلمها"، فيما يشير آخرون إلى أن اجتهادات الروائيين عديدة في تبسيط الفصحى يهدف إلى تقريبها من المتلقي، خصوصا ان اللهجة العامية تقدم لغات الشخصيات وانها تعزّز اللحظات الحوارية بواقعيتها.

ويؤكد بعض المبدعين أن ادخال اللهجات لا يعني الضعف، ويستبعدون مسألة عجز الرّوائي عن الكتابة بالفصحى، كما يستبعدون وجود إيديولوجية مقصودة تود النيل من اللغة العربية أو إقصاء لسانها.

الشاعر والناقد حكمت النوايسة يرى أن استخدام اللهجات المحكية والعامية في السرد الروائي يتخذ عدة أشكال، منها الاستخدام الطفيف كأن يستخدم الروائي جملا متقطعة من الحوار بالعامية للتدليل على صدقية الحوار، وحرارته، ويبين أن هذا مقبول ويعطي النص الروائي حرارة خاصة، إذا كان الروائي مقتدرا في لغته الفصيحة والعامية، أما إذا كان الروائي غير مقتدر في هذه ولا تلك، فإن ذلك يشكل خطرا على الرواية، وخطرا على اللغة في آن.

ويقول إنه قرأ كثيرا من الحوارات والمقتطفات عند روائيين كبار مثل عبدالرحمن منيف وغيره، كانت جميلة وفي محلها، مشيرا الى أنه قرأ أيضا حوارات في العامية واستخدام مفرط لها أثر على الرواية بل أسهم في إضعافها.

ويؤكد النوايسة أنّ بعض الروائيين لا يحسن كتابة العامية التي تكتب صوتيا، أي كتابة صوتية، والاستخدام الخاطئ للكتابة الصوتية يؤدي إلى ضعف التواصل مع الرواية، وغياب الهدف المرجو من استخدام العامية.

ويضيف أن هناك من يرى أن في الكتابة باللهجات المحكية أو العامية مراعاة للمتلقي لكي (يفهم) أو (يستوعب) الرواية أو القصة، مبينا أن "هذا الرأي واه ومتهافت"، لأنّ فيه استهتارا بالقراء، رائيا أن القراء غالبا يحسنون القراءة والكتابة، ويفهمون الفصيحة أفضل من العامية، في أحيان كثيرة.

ويرى النوايسة أن لا غبار من استخدام العامية بقدر محدود، ولغايات فنية بحتة، شرط، ان لا يكون نتيجة عجز لغوي، أو بقصد الانتقاص من الفصيحة، مؤكدا أن الفصيحة أقوى بكثير مما كانت عليه قبل مائة عام مثلا، وهي قوية بالدرجة التي نقول معها لا خوف عليها ولا غبار.

من جهته يميل الروائي إلياس فركوح إلى الابتعاد قدر الإمكان عن الأحكام القاطعة، أو تلك الاستنتاجات المتأتيّة عن مبدأ التعميم، مشيرا الى أن الفن في جوهره، والكتابة ضمن موقعها وسط آليات الفعل الخَلاّق، يتنافيان بالضرورة وأي حواف حادّة تلزم المنخرط فيهما بحدود يقف عندها، باستثاء التزامه بـ"ضرورات" الفعل الإبداعي على هيئة توالده التلقائيّة إبّان كتابته أو لحظة إنجازه.

وينأى فركوح بنفسه عن الدخول في سِجال حول مسألة جواز استخدام العاميّة داخل النصوص الأدبيّة بعامة، والسرد الروائي تخصيصاً مبينا أنَّ أحد تعريفات الرواية القريبة إلى فهمه يتلخص في كونها العمل الذي (يسرد الحياة على نحو كاتبه).

ويقول فركوح إننا حين نلجأ للسرد يعني أننا باشرنا عملاً كتابيّاً في جنس كتابي يتضمن اللغة أساساً من أجل الاقتراب من الواقع بخلق ما يوازيه ويتقاطع معه في آن.

ويضيف "أننا نتوازى مع الواقع بالكتابة فيه وفق لغة الكتابة (الفصحى بالضرورة)، لكننا نتقاطع معه، إضافة إلى نقل حركة شخصياته اليوميّة داخل الكتابة، حين لا نجد في تلك الفصحى من المفردات ما ينبض اليومي بحرارته كما هي، بدفق المعنى الأكثر من واحد، الذي يَخرج عبر جملة عابرة لشخصيّة ما نطقتها من دون تدبير أو وعي مسبق".

ويرى أن العاميّة، في حالة كهذه، تتجاوز منطق الإنكار أو الإجازة أو التفضيل، لافتا الى سؤال الوظيفة وحيويتها ونجاحها في بسط رؤية الكاتب في كيفيّة إنطاق شخصياته بحسب تكوينها وحدود معارفها.

ويقول فركوح إن العاميّة وجه من وجوه لغتنا الواحدة، وهي ليست أجنبيّة بأي معنى من المعاني؛ لا بل هي لغة اليومي بامتياز، مبينا ان علينا أن نتذكر دائماً بأنَّ ثمّة ما يمكن الاصطلاح على تسميتها (بازدواجيّة) الكاتب/ الكاتبة ـ خصوصا لدى مَن يكتبون السرود القصصية والروائية الذين يعيشون الحياة اليوميّة بعاميتها ومفرداتها المفتاحيّة ويتعاملون معها وفقاً لقواعدها، ويلجأون إلى الفصحى عندما يعمدون إلى معالجة اليومي وفي ذاكرتهم أصداء العاميّة وضجيجها وكمونها.

ويؤكد فركوح أن لا ضير من اللجوء إلى العاميّة في مواقف أو مناطق محددة من النص الروائي، إذا ما عجزت فصحى الكتابة في سبر المنطوق وجَس حرارته، وصدقه، والتنويه لعفوية معناه الفالت من التحديد.

في السياق ذاته يؤكد الروائي صبحي فحماوي أن تسريب اللهجة المحكية إلى اللغة العربية هو سمة جمالية من سمات المكان، وهي تشبه رائحة الطابون ووهج التنور الريفي والمسقوف العراقي التي تخدش البيئة، ولكنها شهية على النفس.

ويبين فحماوي أن اللهجة المحكية لا تنتمي إلى اللغة بقدر ما تنتمي إلى بصمات المكان ورائحة الزمان المروي عنه.

ويقول إن اللهجة المحكية تنتمي إلى التراث أكثر منها إلى اللغة وانها ليست لغة بقدر ما هي نوع من ثقافة التعبير.

فحماوي يؤكد أن الروائي لا يستبدل اللغة باللهجة المحكية بقدر ما يحشو فطيرة اللغة العربية الفصحى الجميلة بالزعتر والسماق والجبن.

وحول ضرورة استخدام اللهجة المحكية في الرواية يقول فحماوي "كيف تستبدل باللغة العربية كلمة رمثاوي ضخم الجثة، في سهرة مع الرّبُع، حينما يصيح بصوته الجهوري قائلاً (ويا هُمّلالي!).

ويستحضر فحماوي قول الروائي جبرا إبراهيم جبرا في رسالته إلى الروائي محمود عيسى موسى تعقيباً على قراءة مخطوط روايته "حنتش بنتش" إن "الخلط بين الفصحى والمحكية عندك بارع وموفق، وهي محكية لم أقرأ مثلها صدقاً وواقعية، ومدتني بلذة عميقة خاصة، محركة نوازع طفولتي بعد عشرات السنين من الفراق..غير أن الكتاب لغير القارىء الفلسطيني يصبح صعب القراءة، ويكاد يستحيل فهمه في كثير من الأماكن، مما يعيق فعله المطلوب في نفس القارئ العربي، في حين أن المهم جداً هو أن تصل روايتك هذه إلى كل عربي".

ويؤكد فحماوي أن اللهجة المحكية هي أكثر صدقاً وواقعية من اللغة العربية الفصحى، رائيا انها في الوقت عاجزة عن الانتشار لانها ترتبط بالمكان ولا تغادره، ولا نستطيع تصديرها إلى خارج منطقتها، مبينا ان هذا العجز يؤدي إلى تقزم الرواية وتحوصلها.

zeyad.anani@alghad.jo

التعليق