"خان الخليلي": العودة إلى "أم الدنيا" من بوابة التاريخ

تم نشره في السبت 12 حزيران / يونيو 2010. 09:00 صباحاً
  • "خان الخليلي": العودة إلى "أم الدنيا" من بوابة التاريخ

ديما محبوبه

القاهرة-أن تقرأ رواية (خان الخليلي) لنجيب محفوظ، يعني أنك بلغت منتصف الطريق إلى هذا (الخان) العريق في القاهرة، وأن تصل (خان الخليلي) بوصفك زائرا، من دون أن تقرأ الرواية، فيعني أنك لم تصل أبدا؛ لأن هذا المعلم مفعم بحياة طولها مئات السنوات، ويصعب اختصارها بجولة واحدة أو حتى بمائة.

وحين تطأ قدماك شوارع خان الخليلي في مصر "أم الدنيا"، يعصف بك سحر الشرق والتراث الأصيل، وذلك الومض الساطع المنبعث من الأواني النحاسية الموزعة في كل مكان، ويتناهى إلى سمعك ضجيج أصوات الباعة لترويج بضائعهم، المؤلفة، في معظمها، من الجلود أو التماثيل الفرعونية.

شوارع الخان الضيقة، التي تعبق بعوالم من سحر خاص، تملك تاريخا عريقا يروي نفسه، من دون حاجة إلى راوية، لشدة غناه وتنوعه، كما أن لمآذنها الأثرية التي تعانق سماء القاهرة سمة خاصة يصعب وصفها.

خان الخليلي واحد من أعرق أسواق الشرق، إذ يزيد عمره على 600 عام، وما يزال معماره الأصيل باقيا على حاله منذ عصر المماليك حتى الآن، ويقع في شارع مواز لشارع المعز لدين الله الفاطمي.

يروى أنه هاجر إليه عدد كبير من تجار مدينة الخليل الفلسطينية، وسكنوه وعملوا بالتجارة، وإليهم ينسب خان الخليلي في القاهرة، وقد سمي بهذا الاسم نسبة لمؤسسه، وهو أحد الأمراء المماليك، وكان يدعى جركس الخليلي، وهو من مدينة الخليل.

ولعل أول ما تسمعه من زوار الخان هو (مقهى الفيشاوي)، الذي يعد من أقدم مقاهي القاهرة، الذي كان أشبه بمحط إقامة لنجيب محفوظ في فترة الستينيات من القرن العشرين.

ويرجع تاريخ تأسيس المقهى إلى العام 1769م، وعادة ما يكون المكان المفضل للاستراحة، وعقب احتساء المشروبات الساخنة فيه، تبدأ الجولة في الحي العتيق. أما السير على الأقدام داخل أزقته فله طابع جميل، ويحفر في الذاكرة صورا لا تنسى.

ولخان الخليلي فلسفته المعمارية، فممراته مبلطة بحجر بازلتي أسود لماع، والسوق مسقوف بخشب عتيق يتحدى الزمن وعوامل التعرية، والشمس تتسلل إلى الحواري المليئة بالكنوز والتحف النادرة، والمصنوعة بمهارة من جلود ونحاس وأقمشة وغيرها.

ولا يقتصر سحر خان الخليلي على كنوزه التاريخية ومقتنياته المادية، بل يمتد إلى الترحيب الذي يواجه به الزائر والسائح من لدن العاملين والمقيمين فيه، فحال الدخول إلى الخان، تتناهى إلى سمع الزائر عبارات الترحيب المصرية خفيفة الظل "يا أهلا يا أهلا باللي جاي مصر نورت".

ثم يبدأ المرحب بعرض بضاعته والابتسامة لا تفارق شفتيه، وتتدفق كلماته لوصف جودة بضاعته، وأنها صنعت خصيصاً لعشاق الفن اليدوي، وفي بعض حانات هذا السوق تشم رائحة البخور والعطور عابقة في كل الأرجاء.

والمعروف أن كلمة (خان) فارسية الأصل، وتعني (البيت)، وكانت تطلق على المنشآت التجارية، ويقال إن الخانات تتشابه في تخطيطها وعمارتها في معظم البلدان العربية.

ويشتمل خان الخليلي على اثنين من أشهر مساجد مصر الإسلامية، هما الجامع الأزهر الذي تم بناؤه في العهد الفاطمي، ومسجد الحسين.

ويحفل الخان بكل ما يرغب السائح باقتنائه، بدءا من القطع الأثرية الفرعونية المقلدة بحرفية ودقة شديدتين، مرورا بالمشغولات النحاسية والأرابيسك التي تخطف البصر، وليس انتهاء بالعباءات وبدلات الرقص الشرقي التي تجذب السائحين من كل الجنسيات، لاقتناء قطعة أو أكثر منها، علاوة على محلات الفضة التي تضم أرقى المشغولات، التي يصعب توفرها إلا في خان الخليلي، وهي تحظى بإقبال شديد من السائحين العرب والأجانب.

أما المنتجات التي تباع في الخان فتتفاوت حسب حجم العمل المبذول في صنعها، ومكوناتها من الخامات، ومنها ما يبدأ سعره ببضعة جنيهات، وأخرى يصل ثمنها إلى آلاف الجنيهات، ويفضل العديد من السياح شراء هداياهم من هذا السوق.

ولدى الشعور بالجوع، بوسع الزائر أن يقصد العديد من المطاعم المتنوعة بوجباتها، ومنها مطعم خان الخليلي، المنسوب لاسم السوق نفسه.

وعند مغادرة السوق يخيل للزائر أن (أحمد عاكف)، بطل رواية (خان الخليلي) يلوح له من بعيد مودعا، وداعيا إياه إلى العودة مجددا، ولسان حاله يقول "خان الخليلي مثل مياه النيل.. من يشرب منه مرة فلا بد أن يعود إليه من جديد".
 
dima.mahboubeh@alghad.jo

التعليق