إلى أين الإبحار من هنا؟

تم نشره في السبت 5 حزيران / يونيو 2010. 10:00 صباحاً

الوف بن -هارتس

 علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة عادت هذا الأسبوع إلى صيغتها القديمة والمعروفة، التي تعكس علاقات القوى بين دولة صغيرة ودولة عظمى. بعد سنة من مباريات إنزال الأيدي، والمواجهة بين بنيامين نتنياهو وباراك أوباما، اندلعت أزمة – واضطر رئيس الوزراء، مثل كل أسلافه، إلى سحب اليد والطلب من الرئيس إنقاذه من المشكلة.

هذه هي النتيجة الأهم لـ "قضية الأسطول". فقد أعلنت إسرائيل بأنها ستوقف بالقوة سفن المساعدة في طريقها إلى غزة، وعندما اصطدم مقاتلو الوحدة البحرية بقوة مضادة على دكة "مرمرة" تعقدت العملية وانتهت بتسعة قتلى من المسافرين، وموجة شجب دولية لإسرائيل ومواجهة سياسية مع تركيا التي قدمت رعايتها للأسطول. وبعد نحو سنة ونصف السنة من الهدوء الأمني، مرة أخرى بدت إسرائيل كالأزعر الذي يضرب أولا وبعد ذلك يفكر.

في مثل هذا الوضع، شخص واحد فقط يمكنه أن يساعد، وهذا هو أوباما. نتنياهو تحدث معه عدة مرات هاتفيا يوم الاثنين، يوم الأزمة، وطلب منه أن يستخدم الفيتو في مجلس الأمن على قرار ضد إسرائيل. لكن أوباما لم يستخدم سلاح يوم الدين للدبلوماسية الأميركية، لأن قرار الأمم المتحدة صدر بعد تخفيف حدته ليصبح "بيانا" عديم الأسنان. بعد ذلك أدار أوباما "محادثات تقارب" بين إسرائيل وتركيا. وكانت النتيجة أن حررت إسرائيل كل مسافري الأسطول، حتى اولئك الذين عرضهم الاعلام الإسرائيلي كـ "مؤيدين للقاعدة"، وخفف الأتراك من حدة تصريحاتهم.

وعندما أملى الأميركيون على إسرائيل كيفية إجراء التحقيق، بل وطلبوا أن تفتح بوابات غزة المقفلة قليلا. استجاب نتنياهو مبدئيا وهو مستعد لأن يعيد النظر في الحصار على غزة بحيث يتركز في إحباط تهريب السلاح بل والنظر في دور دولي في فرضه. ليست الوسائل هي المهمة، بل النتيجة، كي لا يقوم "ميناء إيراني في غزة" وعبره تمر آلاف الصواريخ إلى حماس.

نتنياهو يفكر بأفكار ابداعية، ويسعى فقط إلى الانتظار وألا يقرر تحت ضغط الأحداث تغيير الحصار. لعله يحاول إذابة الفكرة؛ ويبدو الأمر منوطا بالتصميم الأميركي. ونتنياهو يعارض التحقيق الداخلي، الذي سيلزم كل مقاتل وقائد بأن يخرج إلى العمليات مع محام ملاصق. وهو سيوافق على فحص لقانونية العملية ضد الأسطول إلى غزة، ومدى القوة التي استخدمتها إسرائيل للسيطرة على "مرمرة". وفي رأيه توجد لإسرائيل أجوبة جيدة، ونائب الرئيس جو بايدن قدم لها منذ الآن اسنادا علنيا.

قبل الورطة مع الأسطول، اعتقد نتنياهو بأنه انتصر على أوباما في المعركة على الرأي العام الأميركي ونجح في صد الضغوط لوقف البناء الإسرائيلي في شرقي القدس والذي فسر كتهديد سياسي لاستقرار الائتلاف الإسرائيلي. وانتقلت الإدارة، التي حاولت إنزال نتنياهو عن الجدار في المسيرة السياسية مع الفلسطينيين، من العصي إلى الجزر. وبدل الاهانات ظهرت بيانات التأييد لإسرائيل، وكانت ذروتها في زيارة رئيس طاقم البيت الأبيض رام عمانويل الذي جاء ليحتفل بسن بلوغ ابنه وابن أخته، والتقطت له الصور بالقميص ذي الكمين القصيرين وبثت الأنباء عن أنه واحد منا وأن رئيسه يحبه.

ولكن إحساس النصر الإسرائيلي كان زائفا. فمنذئذ طلب نتنياهو مساعدة أوباما كي يمنع الضغوط على إسرائيل في الموضوع النووي. وفي نهاية الأسبوع الماضي انتهى مؤتمر النووي العالمي في نيويورك بقرار دعا إسرائيل، بلغة دبلوماسية إلى إغلاق مشروعها النووي. أوباما صوت مع القرار، وعندها أعلن بأنه يتحفظ على البند الإسرائيلي. وأفادت "مصادر سياسية في القدس" بـ "تفاهمات استراتيجية" جديدة مع الولايات المتحدة تعبر عن "ارتفاع درجة في تاريخ العلاقات"، فقد تحققت تفاهمات بعد جهد طويل، وتبادل للمبعوثين والرسائل، وزيارة وزير الحرب ايهود باراك للرئيس.

وأعطى الاعلان عن "التفاهمات الاستراتيجية" اسنادا إسرائيليا للادعاء المتكرر من جانب أوباما ومساعديه بأنهم ملتزمون بأمن إسرائيل ويحرصون عليه أكثر من كل أسلافه. وأظهر بأنه عند الأزمة السياسية، يضطر نتنياهو إلى الاعتماد على أوباما، وانه ليس لإسرائيل حلفاء غيره. مع كل الخلافات والاحتكاكات، فإن الرئيس وحده يمكنه أن يساعد عند الأزمة. ولكن من الصعب التصديق بأن هذا كان بالمجان. نتنياهو يؤمن بـ "إذا أعطوا فسيأخذون" ويطرح السؤال ما الذي أعطاه لأوباما مقابل "التفاهمات الاستراتيجية". هل وعد ألا يهاجم إيران؟ أم أنه وعد بأن تنسق إسرائيل كل شيء مع أميركا، وهو ذات الشيء؟ أم لعله اقترح شيئا في الضفة الغربية؟

في نهاية الأسبوع الماضي زار نتنياهو كندا واستعد للقاء المصالحة الكبير مع أوباما، الذي تقرر ليوم الثلاثاء في البيت الأبيض. ويوم الأحد مساء أجريت معه مقابلة في تورينتو مع شبكة التلفزيون الكندية سي.بي.سي. حضر متأخرا، ولكنه كان مرتاحا ومبتسما، ومنح المذيح بيتر منسبردج، عدة دقائق أكثر مما تقرر. وفي ذات الوقت كان مقاتلو الوحدة البحرية يشقون طريقهم إلى الأسطول التركي. يبدو أن نتنياهو اعتقد بأن العملية ستكون نظيفة، وأنه سيصل إلى واشنطن كبطل.

وعندها تعقد كل شيء. بعد التردد المميز له، تنازل رئيس الوزراء عن اللقاء مع أوباما وعاد إلى البلاد. وأعفي الرئيس من حرج الوقوف إلى جانب نتنياهو في الوقت الذي يصرخ فيه كل العالم ضد إسرائيل. بالمقابل، منحت الإدارة الأميركية إسرائيل مظلة دبلوماسية.

الآن، عندما أعيد تحديد علاقات القوى بين أميركا وإسرائيل، ينبغي السؤال إذا كان بوسع أوباما أن يستفيد منها لتلطيف حدة الموقف الإسرائيلي في المسيرة السياسية مع الفلسطينيين. هذا ليس مؤكدا. الإدارة تفقد المشورة: لرجالها الكثير من النوايا الطيبة، ولكن ليس لديهم حلول جيدة في الموضوع الفلسطيني. لا لمشكلة غزة، ولا لإحباط التخوف الإسرائيلي من أن الانسحاب من الضفة الغربية سيجعلها هي أيضا قاعدة صواريخ إيرانية.

الأميركيون يقولون لنتنياهو إن من المجدي له أن ينهي الأمر مع محمود عباس وسلام فياض، اللذين لن يتوفر أفضل منهما. هذا ليس كافيا، حاليا، لاقناعه. ويفهمون في الإدارة بأن نتنياهو يتمسك بكرسيه، ولا يعلقون الكثير من الآمال على تسيبي ليفني أو أي شخص آخر يدعي التاج. وعليه فقد قرروا العمل معه وليس ضده، رغم الفجوة الهائلة في نظرة الحكومتين إلى العالم.

رئيس الموساد مئير دغان قال هذا الأسبوع في الكنيست إن الادارة فكرت بتسوية مفروضة لكنها تخلت حاليا عن الفكرة، كونها قدرت بأن هذا لن يجلب السلام. وحذر دغان من أن أميركا تعبت من إسرائيل التي تصبح بالتدريج عبئا على الولايات المتحدة.

في قضية الأسطول، اضطر الأميركيون، مرة أخرى، إلى تنظيف الفوضى التي خلفتها نزعة القوة الإسرائيلية. أوباما جاء لانقاذ نتنياهو ورئيس الوزراء مدين له الآن. إن لم يكن تفكيك المستوطنات وإقامة فلسطين، فعلى الأقل بعض التواضع والشكر، وربما أيضا بعض التخفيف من الحصار على غزة.

التعليق