فايز الطراونة: مشاغب هادئ تربى على "دستور" والده وخطابات الحسين

تم نشره في الأربعاء 26 أيار / مايو 2010. 09:00 صباحاً
  • فايز الطراونة: مشاغب هادئ تربى على "دستور" والده وخطابات الحسين

عندما كنت طفلا

رئيس الوزراء الأسبق يستذكر كيف كانت والدته تتفحص أنفاسه أثناء النوم من شدة هدوئه


سوسن مكحل

عمان- بين الهدوء والشغب، يتنقل بك رئيس الوزراء الأردني السابق د. فايز الطراونة عبر مرحلتين متناقضتين من طفولته، وبين الرصانة والضجيج تقف مندهشا حيال شخصية تركت بصمة واضحة على الحياة السياسية في الأردن، يصعب المرور عليها من دون تأمل واعتبار.

أما المرحلة الهادئة من طفولته فكانت مبعث قلق عميق لوالدته، التي لطالما كانت تمر بغرفته، للتأكد من أنه نائم ونفسه لا ينقطع من شدة هدوئه.

غير أن الحال سرعان ما انقلب عند الطراونة، ليعيش بعد سنواته الثلاث الأولى مرحلة "شغب" عرفته العائلة بها، بين شقيقه، وشقيقته الأقرب إلى عمره، التي تعلق بها كثيرا في طفولته.

أما طفولته "العمانية" في جبل عمان، فكانت عابقة بالتاريخ والحضارة والسياسة آنذاك، إذ تشبع الطراونة بحيثياتها وهدوئها وصخبها، فكان يهتم باللعب مع أقرانه في المنطقة، ويتعرض لتأنيب من والده، وسرعان ما يلوذ بأحضان والدته، والتي يعد فقدانها بمثابة " اليتم" الحقيقي في حياته.

وعن طفولته في شوارع عمان "العتيقة"، يعترف الطراونة "كنت ألعب (الجلول)، وكنت مغرما بالكرة، إلى أن التصقت بأخي الأكبر، الذي حاول إقصائي أكثر من مرة عن اللعب، وتعلمت صنع طائرة الورق، فأصبحت "معلّما" أبيع منها للأولاد".

وفي جبل عمان "الدوار الأول"، واصلت طفولة فايز الطراونة، في خضم مناخات حافلة بالحياة السياسية الحزبية، مسارها بصحبة أبناء الحي، وكان من ملامحها لعبة صنع سيارة من قطع الخشب، وهي لعبة كانت محببة لهم آنذاك، وسرعان ما طغت ألعاب أخرى ذات مواسم خاصة بها.

غير أن كل تلك الألعاب وما يصاحبها من لهو، لم تمنع الطراونة من الحلم بدخول معترك السياسة، وهو ما حققه، على نقيض شقيقه، كونه تربى على المبادئ السياسية من والده، فعرف الولاء صغيرا، بعيدا عن أية "أجندات خارجية"، وفق الطراونة.

وكان لولعه بهذا المجال، واقترابه من والده ومن مختلف الأفكار والاتجاهات السياسية، أثر في تمتين علاقته بالمناخ السياسي، فعندما كان صغيرا أغرم بالاجتماعات التي كانت تقام في البيت، وتجمع بين والده والسياسيين آنذاك، فكان يختبئ وراء "الأريكة" وخلف "الستار" لاستراق السمع.

وكثيرا ما ضبطه والده متلبساً، فيؤنبه، لكنه آمن بشغفه بهذا العالم، وعندما ولج المرحلة الإعدادية، نصحه والده بأن يعمل على صقل ميوله بدراسة القانون، وهو الأمر الذي لم يأخذ به الطراونة، فدرس الاقتصاد في الجامعة الأردنية، كونه برعا في الرياضيات منذ طفولته، وتأكد أن السياسة ترتبط ارتباطا عميقا بالاقتصاد.

أما معلموه وأساتذته فكان لهم وقع خاص في حياة الطراونة، فما زالت ذاكرته تحتفظ بتلك الأيام، التي كان يتعين عليه فيها أن يقطع أميالا إلى المدرسة، خصوصا وأن المنطقة التي كان يقطنها مليئة بالسفارات، فوجد الحل باختصار الطريق من خلال عبور سياج من الأسلاك، وسرعان ما ضبط أيضا متلبسا بعد ثلاث سنوات، من قبل أحد الأساتذة فعوقب عقابا صارما.

وعلى ذكر العقاب، يتذكر الطراونة الأستاذ جريس الهلسة، مدرس اللغة العربية، الذي وإن كان عادلا، غير أن الطلبة كانوا يهابونه، ومنهم الطراونة، فكان الجميع يهتم بالهندام والالتزام، وإذا عوقب الطالب، فإن القصاص عادة ما يكون بالدوام يوم الجمعة. ولكثرة مقاصصته، كان الطراونة ممن يتواجدون دوماً يوم "الجمعة" في المدرسة.

أما والد الطراونة فكان مثاله الأعلى، الذي لطالما نظر إليه باعتزاز واعتبره "رجلا ظاهرة" بالنسبة إليه، ولقب "أبو الدستور" الذي أطلقه عليه جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، لكونه دستوريا وعادلا، فهيمنت عليه تلك الشخصية بشدة.

ولا ينسى الطراونة أن الملك الحسين هو الشخص الثاني الذي ترك أثرا وبعداً في حياته في الصغر، إذ لم يدع خطابا أو قولاً لجلالته إلا واستمع إليه، حتى تعلم منه الابتسام في أحلك الظروف وأصعبها، ثم ليشاء القدر ويتحقق حلم الطراونة، ويعمل تحت إمرته مباشرة.

عموما فإن ذاكرة الطراونة تحتفظ بأجمل لحظاته مع والدته، التي كان اللجوء إليها بمثابة الأمان، فكان يعشق رقتها وهدوءها، ولا يذكر أنها صرخت مرة واحدة في وجهه، فقد كانت متسامحة، وارتبط بها كثيرا حتى إنه لم يشعر باليتم إلا بعد رحيلها قبل خمس سنوات.

ومن الأحداث التي تركت أثرا في نفسه، استشهاد هزاع المجالي، فهو لطالما اعتقد أن أعتى الرياح لا تهز والده، لكنه يتذكر الآن تلك الدمعة التي ترقرقت على خد والده حزنا على فقد صديقه هزاع المجالي، ويقول إن تلك اللحظة هي الأكثر وجدانية في حياته.

أما مفهوم الصداقة لدى الطراونة فيعني له الوفاء، ويعترف بأن له أصدقاء عديدين يتمنى أن يظل حبهم مشتعلا في قلبه، ومنهم عدنان التلهوني الصديق الجار، الذي لم تخطفه رياح النسيان، على الرغم من مشاغل الحياة، ويؤكد أن الأصدقاء يبقون إلى جانب المرء إلى الأبد.

sawsan.moukhall@alghad.jo

التعليق