عبد الرحمن بهجت: رحيل رجل النبل والطيبة والوفاء

تم نشره في الثلاثاء 11 أيار / مايو 2010. 10:00 صباحاً

يوسف العاني*

في العام 1946 تعرفت إليه، أو تعرف إلي.. لا أدري، فقد جمعنا لقاء حميم.

كنا جميعا من عشاق المسرح وهواته، ولكل واحد منا بداياته المدرسية فيه - أي المسرح - من خلال النشاط الطلابي وما قدمه فيه أو اطلع عليه هنا وهناك، خصوصا في معهد الفنون الجميلة أو بعض فرق مسرحية تنشط بين الحين والحين.

عبد الرحمن بهجت كان من أنشط تلك المجموعة رغم صغر سنه، وكان يلقب باسم آخر هو - عباس- ولا أدري لماذا ظل لسنوات طويلة ينادى بهذا الاسم المحبب إليه وإلينا جميعا.

كان بين هذه المجموعة شاب موهوب ومبدع آخر حين يقف على المسرح، وكان يملأ كل لقاء أو جلسة بالطرائف الحلوة والأحاديث الشيقة والتي تشعر أن هذا الشاب يمثل كل حدث أو حادثة.. إنه الراحل شهاب القصب - رحمه الله.

أتذكر تلك الأيام كأنها الحلم.. لكن ذلك الحلم صار حقيقة يوم اقترب منا عباس أو عبدالرحمن، عبر النشاط المسرحي بكلية التجارة والاقتصاد.. ويوم توقفت العلاقة معنا في المسرحيات التي كانت تقدمها جمعية جبر الخواطر بكلية الحقوق، وتعمقت اكثر حين اشتراكنا في مسرحية "عودة المهذب" التي كتبها شهاب القصب وأعدتُ صياغتها، لأمثل أنا دور الراحل شهاب فقد كان مريضا.

والمسرحية اختارها عبدالرحمن من مسرحية (في سبيل التاج) لتونا ضمن حفلة التخرج بطلبة الكلية العام 1950.

عبدالرحمن مثل في المسرحيتين، في سبيل التاج .. التي أخرجها الأستاذ حقي الشبلي ومعه لفيف من طالبات كلية التجارة والاقتصاد وأذكر منهن: مبجل بابان ولميس العماري وبعض طلبة الكلية من هواة المسرح آنذاك.

في المسرحية الثانية - عودة المهذب - كما أشرت.. لم نستطع أن نحصل على فتاة تمثل دور الأم، وهي امرأة شعبية تحمل القدرة على تجسيد المظهر والمخبر الشعبي .. لكن عبد الرحمن .. كان بكل جدارة وبلا تردد.. هو ممثل - الأم- حيث تألق بفنية عالية بأن يقنع المشاهد.. أن الممثل المبدع يمكن أن يكون القادر على إقناع المشاهد بما يمثل أو بمن يمثل.. !

ونلتقي في نشاطات فرقة المسرح الحديث، حين فصلت أنا من المعهد لأسباب سياسية، وأبعد إبراهيم جلال عنه، ليكون عبدالرحمن واحدا من أهم أعضاء أول هيئة ‘دارية للفرقة.

كان عبدالرحمن وظل حركة دائمة دائبة في الفرقة مع مجموعة من الشباب والرواد، وكان يسمي الفرقة عائلة فنية لا تعمل من أجل فرد واحد بل للمجموعة برمتها في تجاوز الصعوبات مهما عسرت، وفي تحقيق أهدافها وإشاعة مفاهيمها للمسرح الذي يجب أن يكون بأصالته العراقية وبعده الإنساني، وتألق في دور شعبي خلاق لم يغب عن البال حتى يومنا هذا.

ما يزال يستذكره كل من شاهده العام 1965 في مسرحية "ست دراهم"، أي قبل خمسة وأربعين عاما، ظل عبدالرحمن رغم مشاغله الكثيرة وانصرافه إلى مسؤوليته الوظيفية في شركة التأمين وسفره المتواصل من أجل تطوير إمكاناته إلى أكثر من بلد ليتعرف إلى كل جديد ومفيد.. ظل قريباً من المسرح يتعرف إليه برؤية أعمق وأشمل ويحلم في مسرح العراق.. ويعيش رغم بعده مع كل خطوات فرقته "المسرح الحديث".

وحين يعود تراه يعيش أيامه ولياليه ويسعد مع كل إبداع أنجزته أو تنجزه الفرقة.. ومع الوجوه الجديدة الواعدة فيها.. أملاً متجدداً وديمومة لبدايات كان هو ومن معه بناة لها.

وتمر السنوات وعبدالرحمن يكافح بصمت وصلابة من اجل "العراق" لا في السياقات التقليدية فقط،، بل بتعميق البحث عن التراث فيه، مؤكداً على جدوى ارتباط ما كان مع ما هو كائن ومن أجل ما سيكون.. وتطلع علينا قبل أشهر قليلة ببحث جاد عن "شارع الرشيد" لا مكاناً فحسب بل مكاناً وزماناً وحياة امتلأت بها كل بيوته ودكاكينه وزواياه.. ونتعاون معه على نشره.. أملاً في أن يضمه كتاب بوثائق مصورة ودلائل تغني ما تضمنه البحث..

ويعود ليحلم بأفكار كثيرة تراوده ليعمق بحثه فيها ولها. ويعيش أياماً وأسابيع وهو مع معاناته لأمراض تأتي على حين غرة تارة، وتطول وتتنوع تارة أخرى، لا يكف عن مراعاة الذين حوله ورعايتهم بالقدر الذي يستطيع بل اكثر مما يستطيع، فنفسه لا تستطيع أن تخلو من الوفاء النقي لكل من عرف.

رغم شعوره بالمرض حاول مرات عديدة أن يتحمل معاناة السفر إلى صديقه "ماجد" من أجل الاطمئنان عليه واللقاء به حين علم أنه ما يزال متعباً من مرض أبقاه في فراشه، لا يستطيع القيام بأي جهد أو حركة؛ سافر إليه، لكن في منتصف الطريق بدمشق أقعده مرض طارئ ليعود إلى عمان، ويحاول مرة أخرى بعد أن يتعافى - كما يعتقد - ليتوقف هذه المرة في بيروت حين دهمته انتكاسة مرضية ويعود مرة أخرى إلى عمان.. لينتكس هو ويسقط مريضاً ووفاؤه يعيش في اعماق روحه كياناً لا يستطيع الفكاك منه.

امتزج وفاؤه مع طيبته وإخلاصه العميق للعراق وشعب العراق، ويظل يعاني من عجز طوقه بقسوة ليحول دون ممارسته النضالية التي عاش لها وفيها سنوات طوال، ويهده المرض بقسوة.. ويتزايد عدد الأطباء المعالجين وينتقل من مستشفى لاخرى ويعجز "علم الطب" عن إنقاذه.. ونحار جميعاً: ماذا يمكننا أن نصنع؟

وتظل شريكة حياته زوجته الفاضلة "بثينة" صامدة تحبس آلامها عليه، لكنها تتظاهر بالصبر.. وعبدالرحمن يعتذر منها لأنه "يتعبها!" ويُتعب من حوله تمارا ولينا واحمد.. وكل أقاربه صغاراً وكباراً.. ويأسف لأنه المسبب لآلامهم، ناسياً انه يتعذب ويتألم ويكاد لا يعرف الذين حوله.. يصرخ ألماً تارة ويصمت خانقاً الألم في داخله.. وحينما يخرج بعض كلمات من داخل نفسه الزكية النقية.. تمتزج مع بعضها، وتظل تقترب منا لتعلمنا ان هذا الانسان الراقد امامنا - عبدالرحمن - ما يزال يحلم عساه يرى الناس كلهم طيبين بخير.

ويتساءل "شلون العراق" وكيف المسرح.. وكيف فلان وفلانة.. بلغوهم سلامي وأمنياتي... ثم.. ثم.. يغفو غفوته الأخيرة مستعيداً بغداد والعراق كله.. ويرتسم شارع الرشيد أمامه.. وكل الأشياء النبيلة حوله.. فقد كان عبدالرحمن بهجت - عباس - نبلاً ووفاء وطيبة تمشي على الأرض.. غفا غفوته الاخيرة في 23 نيسان ...2010 رحمة الله عليه.

* مخرج عراقي

التعليق