بن غوريون بالعربية

تم نشره في الخميس 29 نيسان / أبريل 2010. 10:00 صباحاً

غادي طؤوب: يدعوت أحرنوت

في السجون الإسرائيلية يفصلون اليوم بين السجناء الجنائيين والأمنيين. بعض من قدامى السجناء يأسفون على ذلك. إذ عندما يفصلونهم، يتحدث المجرمون كل يوم عن الجريمة، ويخططون للجريمة التالية، والأمنيون يتحدثون كل يوم عن الأيديولوجيا ويخططون لـ "المقاومة التالية". ذات مرة، عندما كانوا مختلطين، كانوا يقضون اليوم في الجدالات مع بعضهم البعض.

في تلك الأيام، حين لم يكن هناك فصل، كان جبريل الرجوب يتجول في السجن الإسرائيلي وهو يحمل كتاب بيغن تحت إبطه، وشرح للجنائيين كيف أننا نحن، أي الفلسطينيين، سننتصر عليكم، أي اليهود. كل ذلك مكتوب في هذا الكتاب، لمناحيم بيغن.

الرجوب أخطأ. كان بوسع الفلسطينيين منذ الآن العيش في دولة خاصة بهم، لو لم يسيروا في طريق بيغن. فقد أراد أن يحرر اليهود بالقوة، بواسطة الإرهاب، ولكن ليس بيغن هو الذي حقق لليهود دولة. ولحسن حظهم أنهم ساروا خلف بن غوريون.

عندما شغل الرجوب منصب رئيس جهاز الأمن، يحتمل أن يكون قد فهم ذلك: من أجل بناء دولة لا حاجة إلى مجموعات إرهابية على نمط الايتسل، ولا حكم كتائب متعددة الرؤوس مثلما فعل عرفات. هناك حاجة لقيادة مركزية، تبني اقتصادا ومجتمعا ومؤسسات، وتخضع تحت إمرتها كل المنظمات، وتكون مستعدة عند الحاجة إلى أن تخضعها بالقوة أيضا.

لا أعرف إذا كان سلام فياض يتجول مع كتاب لكاتب يهودي تحت إبطه، ولكنه يتصرف مثل واحد يحتفظ على طاولته بكل كتابات دافيد بن غوريون. وهناك احتمال في أن يحقق للفلسطينيين شيئا مشابها لما حققه بن غوريون لليهود.

فياض مقتنع من أعماق قلبه بأن الإرهاب ليس الطريق. وهو يفكر، عن حق، بأن الإرهاب الفلسطيني هو السلاح الأكثر نجاعة للإسرائيليين. عندما يفجر الفلسطينيون الباصات في إسرائيل، فإن العالم يشفق بقدر أقل على الفلسطينيين، وبقدر أكبر على الإسرائيليين، وتتوفر لإسرائيل أسباب جديدة لتشديد قبضة الاحتلال.

فياض منشغل في أمر آخر: بناء اقتصاد ومؤسسات مركزية. إذا كانت له ما يكفي من القوة، فسيفلح أيضا في مواصلة منع الإرهاب. وإذا ما تمكن من المواصلة، فإن مستوى المعيشة في الضفة سيواصل الارتفاع. وإذا امتلك أيضا الشجاعة للاعلان عن دولة بشكل أحادي في العام 2011 كما وعد، فسيكون للفلسطينيين دولة. العالم سيعترف بها، وإسرائيل أيضا ستضطر في نهاية المطاف إلى أن تعترف بها.

وإذا كان لإسرائيل عقل، فانها لن تشترط هذا الاعتراف باتفاق سلام. فالفلسطينيون غير مستعدين لأن يوقعوا على تنازل في موضوع حق العودة، وإسرائيل، من جهتها لا يمكنها أن توقع على موافقة على حق العودة. ولكن المسألة المركزية ليس اتفاق سلام، بل الانفصال. بعد أن ننفصل سينتقل النزاع من وضع الخناق بين شعبين غير قادرين على الانفصال، ويغرقان في حرب أهلية عضال، إلى وضع آخر تماما، وضع نزاع حدودي بارد بين دولتين منفصلتين.

إسرائيل ستعرف، في مثل هذا الوضع، كيف تحرص على أمنها. إذا كانت مصر وسورية والعراق والأردن معا لم تنجح في تصفيتها، فإن فلسطين الصغيرة لا بد أنها لن تنجح في عمل ذلك. وإذا ما جاءت صواريخ القسام، فقد أثبتنا، في حرب لبنان الثانية وفي حملة "رصاص مصهور" بأننا نعرف ما نفعله ضدها. وإذا خرجنا من هناك، وتوقفنا عن أن نكون الديمقراطية الأخيرة في العالم التي ما تزال تحتفظ باحتلال، فإن العالم أيضا لن يبعث إلينا بالغودلستونيين. وإذا ما بعث، فإن هذا يبقى يستحق الثمن، لأن البديل هو فقدان الدولة اليهودية داخل أغلبية عربية.

إذا كان لنا الآن حفيد للايتسل في شكل نتنياهو، نأمل أن يكون للفلسطينيين على الاقل نوع من بن غوريون، في صورة فياض. وأحيانا يكفي واحد كهذا حتى لو كان في الجانب الآخر.

التعليق