ندوة في دار الشروق برام الله تقرأ سيرة الحزن في كتاب "غسان قلبي"

تم نشره في الأحد 28 آذار / مارس 2010. 09:00 صباحاً

 

رام الله - الغد - عقد مركز أوغاريت الثقافي ندوة تعريفية بكتاب الراحل صلاح حزين "غسان قلبي"، أقيمت بدار الشروق في رام الله، وأدارها وليد أبو بكر، مدير المركز، وتضمنت ثلاث مداخلات منفصلة، تحدثت كل واحدة منها في شأن خاص حول الكاتب أو الكتاب معا.

وناقش كتاب الإصدار الجديد الذي يشكل سيرة حزن، لكاتب رحل مختصرا مأساة مزدوجة يتحدث عنها الكتاب، بصدق من النادر أن تعرفه كتابة السيرة.

وقال الشاعر سميح محسن إن من ضمن عشراتِ الأصدقاءِ الذين نال شرفَ صداقتِهم في العقودِ الثلاثةِ الأخيرةِ كان (نوح) صلاح حزيِّن، مبينا أنه "المختلف والأكثرهدوءا وجمالاً جوانياً".

وذهب محسن إلى أنَّ صلاح حزين "كان الجامع لكل تناقضات الأصدقاء، والمؤلف بين أمزجتهم المتقلبة، والكابح - إذا لزم الأمر -  للتطرف العبثي، والمشهود له بنظافة اليدِ وطهارةِ القلبِ".

وتطرق محسن إلى بداية مراحل التشكل المعرفي والشخصي بين حزين وبينه، مستذكرا أنه سأله ذات يومٍ عن المكانِ الأصلي لعائلته فتساءلَ في فكاهتِهِ التي أصبحت معروفةً لنا:"هلْ هناك ضرورةٌ لتعرفَ؟ واستكمل: أنا من عين كارم، وعندما هاجمت العصاباتُ الصهيونيةُ قريةَ دير ياسين المجاورة، استنجد أهلها بنا فلم ننجدهم"!

وقال محسن إنه تعرف على شخصية صلاح حزيِّن الذي جاء إلى الكويتِ بعد تخرجِه من جامعةِ دمشق متخصصاً في الأدبِ الإنجليزي، وكان قد وصل إلى هناك قبل وصولِنا بوقتٍ قليل.

وعد محسن أن شخصيةً حزين كانت ثريةً بكل المقاييس، مبينا أن في مقدمةِ ذلك الثراءِ حسُه الإنسانيُّ العالي.

وتوقف عند بساطة حزين في عاداتِه اليوميةِ وعلاقاتِه مع الناسِ بشكل عام، ومع أصدقائِه بشكلٍ خاص.

وأكد أن شخصيةً حزين ذات ثقافة عاليةٍ ومتنوعة عاونته على التصدي لترجمةٍ روايتينِ عظيمتينِ من الأدبِ العالمي صدرتا عن دار ابن رشد في بيروت، وهما:"إنهم يقتلون الجياد: أليس كذلك؟" لهوراس ماكوي، و"قلب الظلام" لجوزف كونراد.

أما الكتاب نفسه، فوصفه الدكتور إبراهيم أبو هشهش، أستاذ الأدب في جامعة بيت لحم، والناقد المعروف بأنه "من النوع الذي لا تستغرق قراءته أكثر من ساعة ونصف الساعة، ولكن لا يمكن الانفكاك من إسار أجوائه مدة طويلة بعد ذلك، بل يمكن الزعم أن شخصيتيه الرئيسيتين السارد والمحكي عنه (غسان) تواصلان حياة أخرى بعد أن يخرجا من السطور ليسكنا الوجدان مدة طويلة، فهو كتاب يحدث تغيرا في إدراكنا لأنفسنا ولوجودنا بحيث يصح القول إن القارئ يصبح شخصا مختلفا بهذه الدرجة أو تلك بعد الفراغ من قراءته، وهذا شأن الفن العظيم في كل زمان ومكان".

وقال إن الكتاب يحكي عن جزء مأساوي في حياة صلاح حزين، أي الحادثة الفاجعة التي تعرض لها ابنه غسان وأدت إلى دخوله في غيبوبة طويلة لم يستيقظ منها بعد، وما زامنها من إصابة كاتب السيرة نفسه بمرض السرطان الذي أدى إلى وفاته في نهاية الأمر... لأن هذا الوضع المأساوي باعتباره حالة من حالات الحدود الحادة، بل ربما من أكثرها حدة، كونها بقيت حالة برزخية بين الحياة والموت، دفع بكاتب السيرة إلى التأمل العميق في الوجود البشري وفي وجود ابنه ووجوده الشخصي، وجعله يدرك في غير موقع أن هذا الوجود خاضع في أكثر مواقفه حدة إلى ترتيبات عبثية لا يمكن فهمها في أغلب الأحيان، وهو فهم وجودي بالمعنى الفلسفي في جوهره.

وأشار أبو هشهش إلى أن صلاح حزين الذي هو السارد نفسه لا يدعي لنفسه أية بطولة ولا يبذل أدنى جهد لتزيين أعماله، وهو المنزلق الأكبر لكتاب السيرة الذاتية في الغالب، بل كان جل همه أن يغيب نفسه ويركز الحكي على البطل الحقيقي لهذه السيرة، وهو الابن الغائب الحاضر. كان السارد مثل راوٍ يقف خلف الستارة، أما على خشبة المسرح فلم يكن يقصد إلى أكثر من تركيز الضوء على ابنه غسان، ومع كل محاولاته لتغييب ذاته وتجاهلها، بل إنه ضرب صفحا عن ذكر مرضه الخطير الذي أدى إلى وفاته، ولم يأت عليه إلا عرضا في سياق الحديث عن غسان حين جاءت عائلته لتخبره وهو في المستشفى أن غسان ابتسم، وحتى في هذا الموقف لا يعرف القارئ غير العارف، أنه كان يعالج من السرطان، ولا يعرف ذلك إلا قبل سطر واحد من انتهاء الكتاب.

ومن خلال قراءتها للكتاب، تأملت الشاعرة مايا أبو الحيات، موضوع الموت ذاته، وخرجت بصورة قاسية عن الفجيعة، لأن غسان لم يكن ميتا ليكتب أبوه نصا في رثائه يكون وسيلته في التعامل مع الأمر، ولم يكن حيا فلا يفكر في الغياب واحتمالاته إلا في كوابيس عابرة. كان ميتا يشبه الحي، وحيا يشبه الميت؛ حالة معكوسة من الموت والحياة، فالجسد هنا في كامل عنفوانه يقهر الموت بوجود استثنائي للجسد المادة، ويقهر الحياة بغياب الوعي شرطها الأساسي.

وأشارت إلى أن السيرة تواجه الإنسان بكل ما لا يريد مواجهته: هل هي القسوة التي جعلت الأمر مفزعا؟ هل يمكن للمتعارف عليه أن يجعل الأمر سهلا؛ فالأب سيموت، وهي حتمية يفكر فيها جميع الأبناء بتعقل زائد، فكل شيء يشير إلى ذلك: تهيئ الحياة الجسد للرحيل بأن تفقده شكله الذي كان، فلا تحسر على الجسد المستهلك سوى ثلاثة أيام للعزاء، وينتهي الأمر. هكذا تقنع الحياة مريديها.

لكن الفجيعة تحصل حين تكون غير متوقعة وغير محسوبة وغير منتظرة. كنت قرأت منذ فترة قريبة جدا قصة "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" للطاهر وطار، عن الشهداء العائدين إلى الحياة الممنوعين من الدخول، ووجدت غسان ممنوعا جديدا، هو العائد من بياض أو عتمة لم نشهدها نحن الأحياء الواثقين من خطوتنا.

التعليق