فنجان قهوة في "جروبي" دليل تحقيق السلام

تم نشره في الخميس 4 آذار / مارس 2010. 09:00 صباحاً
  • فنجان قهوة في "جروبي" دليل تحقيق السلام

إسرائيل هيوم- يوسي بيلين


مثل اليوم، قبل ثلاثين سنة، قدم د. الياهو بن اليسار، الذي شغل منصب مدير عام ديوان رئيس الوزراء، كتاب اعتماده إلى الرئيس المصري أنور السادات. وكان يبدو أن الأمور تغيرت من أساسها، وهي بالفعل تغيرت. الجيل الذي رأى في جمال عبد الناصر كبير أعداء إسرائيل، والجيل الذي رأى في مصر العدو الأكبر والأكثر تهديدا، ومقر الجامعة العربية وأمينها العام الذي لا يكل ولا يمل، عبد الخالق حسونه، رأى فجأة رجل حركة حيروتس، صقر وصهيوني، يرفع كتاب اعتماده للرئيس المصري، في القاهرة.

إيلي بن اليسار شغل منصب الناطق بلسان الليكود عندما كنت مراسلا لصحيفة "دافار"، وعلى مدى سنوات أصبح الرجل الذي شرح لي غياهب الحزب الذي كانت معرفتي به نظرية فقط حتى ذلك الحين. تذكرت محادثاتنا الطويلة التي شرح لي فيها كيف لا يمكن صنع السلام هنا وكنت سعيدا سواء لعظمة الساعة أم لحقيقة أنه نفسه أصبح سفيرنا الأول في مصر. فالوصول إلى القاهرة وزيارته هناك كانت تجربة خاصة.

ولكن التحول الحقيقي وقع لدى بوريس كرمي، مصور مجلة "دافار الأسبوعية". وقد درجت على أن أخرج مع بوريس، كل أسبوع تقريبا، في سيارتي الفيات الصغيرة لاعدادي "تقريرا ملونا". وكان هو مصورا رائعا، مبايي سابق، اعتزل مع بن غوريون إلى حزب رافي، ولم يصدق الاغيال أكثر مما ينبغي وبالأساس لم يصدق العرب.

عندما كنا نسافر بعيدا، في بداية السبعينيات كان يشرح لي بأن احلامي السلمية مع جيراننا لن تتحقق إذ لا يمكن الثقة بالعرب وبالتأكيد ليس بالمصريين. السادات تحدث في حينه عن "سنة الحسم" وعن استعادة شبه جزيرة سيناء بالقوة أو بالاتفاق وكان بوريس راضيا جدا عن غولدا ودايان وجليلي، الذين لم يقعوا في فخ العسل الذي أعده لهم ولم يكونوا مستعدين للتنازل عن سيناء من أجل "قطعة ورق". ناهيك عن أن الدبابات المصرية من شأنها أن تصل إلى سيناء، وإلى تل أبيب "دفعة واحدة" وتعريض كل المشروع الصهيوني للخطر.

بالنسبة للتهديد بالحرب الآن – يبدو لي هذا مضحكا حقا أن المصريين، الذين فروا في الأيام الستة – سيتجرأون على اقتحام خط بارليف. "فليحاولوا فقط"، كان يهدد، مثلما يعرف بالضبط ما ينتظرهم على الجانب الشرقي من قناة السويس.

بعد نصف سنة قضيتها في خدمة الاحتياط في فترة حرب يوم الغفران، وفورها تماما، التقينا، بوريس وأنا، وسافرنا لاعداد "تقرير ملون". كنت تواقا لأن افهم ماذا فعلت به الحرب. ولكن هذا ما كان ينبغي أن يفاجأني في أن استنتاجه الوحيد هو انه لا يمكن الاعتماد على أحد ويجب أن نكون أقوياء لأن جيراننا قد يفاجئوننا سلبا فقط. فلم يكن ممكنا خداع بوريس.

ولكني لم أتنازل بسهولة وذات يوم سألته ما الذي بوسعه أن يجعله يصدق بأنه يمكن الوصول إلى السلام مع مصر. ففكر بوريس، فكر وأجابني بجواب لم أتوقعه على الاطلاق: مع مصر لا يمكن أن يكون هناك سلام لانها لن تسلم أبدا بوجودنا. بالنسبة لي السلام مع مصر هو أن أتمكن من الوصول إلى "جروبي" وأن احتسي هناك القهوة التي أحب".

لم أعرف في حينه ماذا كان قصده. ولكن تبين أن "جروبي" كان المقهى الأكثر شعبية في القاهرة، وجنود الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، الذي ارتبط بوريس بهم درجوا على الجلوس هناك واحتساء القهوة عندما كان هو في مهمته.

الآن فهمت بأن مهمة السلام تصبح شبه متعذرة. على أي حال اتفاق موقع وتبادل للسفارات، ولكن تمكين بوريس كرمي من "دافار" من احتساء القهوة في "جروبي" بدا لي في تلك السنين التي تلت حرب يوم الغفران، تحديا لا يمكن الصمود فيه. ومرت الأيام، وغادرت الصحيفة، وأحيل بوريس على التقاعد، ووصل السادات إلى البلاد، ووقع بيغن معه على اتفاق سلام وأعلنت غولدا مائير، في سخفها، بأنهما يستحقان جائزة اوسكار وليس جائزة نوبل، واعتبر الحاخام ملوفافتش بأن هذا فعل يعرض إسرائيل للخطر من ناحية أمنية، وصوت النائب الشاب إيهود أولمرت ضد اتفاقات كامب ديفيد في الكنيست.

ولكن لم أعرف ما قاله بوريس.

بعد سنوات من ذلك التقيت بوريس في شارع في المدينة. "الآن هناك سلام مع مصر" – أبلغني بفرح. خشيت أن يكون حدث له شيء. فبعد كل شيء، السلام مع مصر بات حقيقة تاريخية نجت بعد اغتيال السادات واقواله لم تكن تحمل أي نبأ جديد.

"كنت في "جروبي" واحتسيت قهوتي هناك"، أوضح لي وذكرني باختباره عن السلام، الذي نسيته في هذه الأثناء.

لكل واحد منا اختباراته للسلام. ثمة من يريد ألا يأتي السلام من الحديث بين أناس محنطين في بدلاتهم، يجلسون في المقاهي الفاخرة ويتبادلون المسودات فيما بينهم، بل أن يأتي من الشعب نتيجة لثقة حقيقية تنشأ على مدى السنين بين الطرفين. يحتمل، وإن كان التاريخ لم يلتقِ بمسيرة كهذه بعد، بل ومن الصعب فهم كيف ستمر المسيرة من الجمهور إلى مرحلة التوقيع على اتفاق، ومن سيقرر بأن اللحظة قد حانت بالفعل.

هناك الواثقون بأن كل شيء مرتبط بوسائل الاعلام وبالتعليم وهم يريدون أن يتأكدوا بأنه لا توجد تربية على كراهية إسرائيل في المدارس وأن برامج التلفزيون والراديو لا تزرع السم ضدنا ولا تنشر اللاسامية. هناك الراغبون في أن يضمنوا التبادل الثقافي وغير مستعدين لأن يكتفوا بـ "سلام بارد". فهم يريدون الحب.

ولكن السياسيين لا يمكنهم أن ينتظروا زيارة بوريس كرمي إلى "جروبي". عليهم أن يسألوا أنفسهم ما هي مساهمة الخطوة السياسية في المصلحة الوطنية لإسرائيل، وأن يتخذوا القرار. في هذا الاختبار فشلت غولدا مائير ونجح مناحيم بيغن. فشل إسحق شامير وبنيامين نتنياهو ونجح رابين وبيريز.

لكل واحد من الأربعة الأخيرين أعطيت فرصة ثانية. الفرصة الثانية لنتنياهو لن تبقى في يديه الى الأبد. وعليه أن يقرر. يمكنه أن يصنع السلام مع سورية، بالضبط حسب مبادىء السلام مع مصر. ويمكنه أن يصنع السلام مع الفلسطينيين. مع كل المصاعب الماضية، وانطلاقا من المعرفة بأن هذا لن يتضمن في هذه المرحلة غزة وحماس.

ستكون هناك معارضة لهذه الافعال. وسيكون هناك من لن يصدق جديته وسيعرض عليه، مثل غولدا، جائزة اوسكار. الحبابيون لن يغدقوا عليه الثناء، أما الخلفاء الفكريون لأولمرت في الليكود فسيصوتون في الكنيست ضد السلام الذي سيجلبه نتنياهو وسيقولون إنه الليكود الحقيقي. ولكن مساهمته في أمن إسرائيل وتحقق الفكرة الصهيونية ستكون مشابهة لمساهمة بيغن، وربما أكثر منها. إذا كان يريد، وإذا كان اعتباره الأساس ليس بقاءه السياسي وإذا كانت لديه الشجاعة.

التعليق