"هو متأكد تقريباً" لأشرف عامر: صدق باهظ... وأنا واقعية

تم نشره في السبت 27 شباط / فبراير 2010. 09:00 صباحاً

 

* رانة نزال

الشعر الخفيف، "خفة الكائن التي لا تحتمل"، الشعر الذي تتنفسه كما الهواء، يدخل رئتيك فتعيش به، هكذا شعرت وأنا أطوي دفتي الغلاف لديوان شعري أنيق، أنيق في ورقه، في غلافه المغاير والمغامر، أنيق في حرفه حجماً ورسماً، أناقة متصلة بالذوق والذائقة، لا بالترف والإسراف، أناقة مصدرها الروح المتأنقة.

وهذا هو أشرف عامر الهادئ المحترف، التقيته ذات مساء فكان يقطر رقة وعذوبة ودعة وتواضعاً، وكان أميز ما يميزه أنه يعرف ما يريد، ولا يقول أبداً إنه يعرف، لن أنسى ما حييت وصيته الهامسة، بأن اقرئي شعرك وكأنك تقرئين لنفسك، قراءة للذات ناعمة، ولم أستبعد ذلك، فأشرف يمسح على الأشياء بتأنٍ وتؤده ويناغي نعومتها، يستحضرها ومن اللحظة الأولى، ولكنه وحين يكتب الشعر يكشف عن جوانب أخرى، سخرية مُرّة، ونكات لاذعة، وسطوة لعمق جواني يستأثر به دون غيره كصوت شعري، ولغة ساطعة براقة واضحة مضيئة كيف جرى وإن استطاع أن يعبّئ هذه اللغة السهلة بكل هذا الشعر؟

وهو تقريباً متأكد. متأكد من ماذا؟ ومتأكد لماذا؟ وكيف جرى أن تأكد؟ إنه العمر لما يختمر، والخبرة لما تمور في الذات، والصدق لما ينجلي، يجعلنا نكتشف أننا جميعاً متأكدون تقريباً من أشياء:

"لم يعد الأصدقاء

هم الأجمل..

وملح والوطن

لم يعد فاتحاً لشهية أبنائه!"

هي كتابة أقرب ما تكون إلى الخواطر، الخواطر اللاذعة، ولا أقول الساخطة فالفرق بينهما كبير، الأشياء الواضحة اليومية المباشرة التي تعودناها تعود وتطلّ من خلال ديوان أشرف عامر "هو متأكد تقريباً" لتصير أشياء أخرى، مختزلة، مكثفة، فاقعة، فجائية، هو لا يفعل فيما يفعل أكثر من المقارنة أو المقاربة، أو بلغة أدق في محاولتها وصف الحالة، لا يفعل أكثر من قول ما يرى... هكذا ببساطة يرى الوجود من الأشياء من خلف نظارتيه المعلقتين بأرنبة أنفه لتسهيل القراءة، هو فقط يقول، لذا يكتب هاوياً لا مدعياً، مبرّءا من أية غاية إلا غاية الكتابة بخفة، بهدوء لائق، تماماً كمن يحتسي القهوة رشفة رشفة، كذلك يفعل أشرف مع الكتابة، يحتسيها حرفاً حرفا.

فيها البساطة الحاضرة، والواقعية ولن أقول الجارحة، إذن أبداً لن يجعل منها أشرف جارحة، بل هي الواقعية كما هو الواقع، بكل وضوح وبساطة:

"فليذهب كلٌ منّا إلى مشروعه

أو.. لا يذهب

لكن..

لا تجعلوا نساء الوطن المتهالك

يفقدن حماسة استخراج الحبة

من سنبلة القمحِ"

ثم تأتي تلك المقاطع الاستفتاحية بين القصائد الاثنتين والعشرين، مقاطع حاسمة وقاطعة وباتة، فيها بت بالأمر... وفيها خلاصات وجودية ذاتية وجمعية لا يستهان بها، بل هي تستوقف وكثيراً... وأيضاً فيها ذات الخفة الخائبة، لربما خلف كل هذه الخفة تلك الخيبة الأكثر من مُرَّةٍ، والأكثر من مفجعة، هي خيبة وفقط.

"سيتملكون الموت في الحياة

فإذا ما دنا الموت، جائعاً

أشهروا

صرخة الحياة"

أية استفتاحية هذه؟ إنها تقريع وأيما تقريع هي الخلاصة في أمة ولأمة لا تتقن فن الحياة، وتتفنن في ابتداع ضروب الموت في الحياة، ثم تستصرخ.

وكُلّ استفتاحية هي طقس بأكمله، مدخل لائق بما يتبعه من معانٍ مدرجة، وحالات شعورية مسطرة داخل "هو متأكد... تقريباً" يقول:

"عندما يشاهد مشهداً عاطفياً

على شاشة التلفاز

تغرورق عيناه

ويشعر بوجع السنين"

ثم يلج إلى بهو الكتابة بهذا الصدد فيقول في قصيدة بعنوان "في مساحة غير بعيدة":

"المشاهد العاطفية

تسبق الروح إلى زمنٍ مضى،

واستمرار الحياة

يستدعي أحياناً

التفتيش في أروقة الذاكرة

المفخخة.."

وهكذا تنثال المقاطع بحيث تلتحم في أنساقها مع مداخل هي بمثابة (الأصنص) باللهجة المصرية، ثم يأخذ الشاعر بين المقطع والمقطع داخل القصيدة الواحدة برهة تأمل شعرية، قد تستغرقه زمناً يقصر أو يطول حسب حاله الشعورية، لكنه يوزع قصائده إلى مقاطع تنبني على فترات تأملية بين المقطع والآخر، وبنفس شعري عميق ومكثف يغزل خيوط مقاطعه، ثم يحيل شاله الشعري، كتابة بريئة من الاسترسال في الوصف؛ فلغتها الواقعية لا ترحب بالوصف ولا بالوصافين ناهيك عن مقتها للمدح والمداحين.

لغة خبرية قلّ أن تقع على إنشاء فيها، هي حقائق حياتية حاصلة ومتحصلة، هي الأخبار والأحداث تترى في انسيابية كما شريط الحياة كله، يتبع أمسه غده، ويلي الحياة الموت، وكلنا ذاهب إلى مشروعه، ويا عبدالله..":

"ينادي المأخوذ بالدهشة

وعبدالله لا يجيب

عبدالله لم يعد موجوداً

لا يجيب

والكعكة الحجرية التي كانت

في صحن الميدان

لم تعد موجودة

وأمل دنقل.. لا يجيب".

ويتألق أشرف في التقاط الرابط الثقافي الذي يحيل المتلقي إلى أعمالك التي يقصد، وذا ببساطة لأنه لا يقصد ذلك قصداً، بل هي ثقافته الخاصة العميقة تستحضر هذه الرموز فتحضر، تنبث فيها الحياة فتحيا.

كتابة لا تزعجك.. بل ترسم ابتسامة عفوية وصادقة على شفتيك وأنت تقرأ:

"ذهبت إلى السرير مبكراً

لأنني كتبت قصيدة ردائية!"

ويا للسحر.. يا للبهجة.. يا للدعة، من حيث هذه قرائن الصدق المتعالي والمتعفف عن الاشتغال بأدوات الشعراء المنكوبين بالتفرغ والهلوسة والبلاغة والبديع والبيان، إنه الصدق الفاقع في لونه الحي، وثيابه المتواضعة، هكذا كتابة أنت تتنفسها مجدداً كما لو أنها الهواء الذي به تحيا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دبوان راقي وسرد انيق (حمزة مازن تفاحة)

    السبت 27 شباط / فبراير 2010.
    من أجمل اللقاءات أو المقالات التي قرأتها في حياتي والتي تتحدث عن رواية او عن ديوان او عن قصة .. اسلوب لبق ودمث وجميل وسلس بالتحدث عن الديوان وقائده ..
    سرد جميل وراقي ومعبر واعتبر هذه الامور تعتبر فاتح للشهية لاتمام ما قد بدأت ..
    راقني جدا تلك الصور الجمالية والبلاغة المكثفة في العبارات التي تم اختيارها من قبل الانيقة رانة نزال بعناية فائقة .. وان شاء الله سأحاول ان اقتني هذا الديوان الجميل فقد تملكني الفضول الشديد لقرأته .. فماذكر من تفاصيل انيقة عن الديوان يعتبر سبب مغري لاقتنائه
  • »دبوان راقي وسرد انيق (حمزة مازن تفاحة)

    السبت 27 شباط / فبراير 2010.
    من أجمل اللقاءات أو المقالات التي قرأتها في حياتي والتي تتحدث عن رواية او عن ديوان او عن قصة .. اسلوب لبق ودمث وجميل وسلس بالتحدث عن الديوان وقائده ..
    سرد جميل وراقي ومعبر واعتبر هذه الامور تعتبر فاتح للشهية لاتمام ما قد بدأت ..
    راقني جدا تلك الصور الجمالية والبلاغة المكثفة في العبارات التي تم اختيارها من قبل الانيقة رانة نزال بعناية فائقة .. وان شاء الله سأحاول ان اقتني هذا الديوان الجميل فقد تملكني الفضول الشديد لقرأته .. فماذكر من تفاصيل انيقة عن الديوان يعتبر سبب مغري لاقتنائه